الأزمة الاقتصادية التونسية ومقاربات الحلول

ماجد البرهومي
حجم الخط
0

لا تزال البلاد التونسية تعيش على وقع الأزمة الاقتصادية وبقيت نسبة النمو دون المأمول، إذ لم تصل حتى إلى 2 في المئة ولم يشهد نسق الاستثمار المحلي والأجنبي تطورا يذكر (قيمة الاستثمارات الخارجية المباشرة 2.8 مليار دينار فقط خلال السنة الماضية). ولم يشهد البلد تطورا على مستوى بناه التحتية ولا قوانينه المحفزة على الصرف والاستثمار.
ورغم الوضع الصعب إلا أن البلاد تمكنت من تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية في المجال الاقتصادي خلال السنة الماضية وخلال الثلاثي الأول من هذا العام ومن ذلك تطور الصادرات الفلاحية والصناعية وصادرات المواد المنجمية. كما تطور النشاط السياحي بعد أن حقق البلد تدفق عشر مليون سائح خلال العام الماضي وقرابة الثلاثة ملايين خلال الثلاثي الأول من هذا العام بالإضافة إلى تطور تحويلات التونسيين بالخارج.
وتراجعت نسبة التضخم لشهر نيسان/ابريل 2025 لتصل إلى مستوى 5.6 في المئة بعد أن كانت في حدود 5.9 في المئة خلال شهر آذار/مارس الماضي، حسب ما كشف عنه المعهد الوطني للإحصاء، واستقر سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية ليصبح الدينار أقوى العملات الأفريقية. كما تمكن البلد خلال السنة الماضية من سداد أقساط ديونه في الآجال وذلك مع ارتفاع مخزونه من النقد الأجنبي المتأتي بالأساس من مختلف المصادر المشار إليها.

صعوبات كبيرة

لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية التي تسبب فيها الاستقرار الأمني وتراجع الاضرابات، إلا انه تم تسجّيل تزايد لافت في عجز الميزان التجاري سنة 2024، بنسبة 10.8 في المئة، وناهزت قيمته 19 مليار دينار، مقابل 17 مليار دينار سنة 2023، وفق ما أظهرته مؤشرات نشرها المعهد الوطني للإحصاء. والسبب في ذلك هو ارتفاع نسبة الواردات بدرجة فاقت ارتفاع نسبة الصادرات حيث بات الاستيراد عاملا مستنزفا لرصيد البلد من العملة الصعبة التي يتم تجميعها بشق الأنفس من خلال أنشطة متعددة.
والأهم من ذلك أن المواطن التونسي لم يشعر بتحسن في معيشته حيث بقي دخله الفردي على حاله ودون المأمول وازدادت نسب الفقر والبطالة وتفاقمت الرغبة في الهجرة التي أصبحت مطمح غالبية الشباب التونسي بمن فيهم من أصحاب الشهادات العلمية والمهن الراقية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وغيرهم.
ولعل السبب في ذلك أن غالبية المداخيل المتأتية من مختلف الأنشطة المذكورة يتم إنفاقها على سداد الديون الداخلية والخارجية التي ارتفعت بصورة مهولة بعد الثورة وبلغت رقما قياسيا لم تعرفه البلاد عبر تاريخها، حيث بلغ إجمالي حجم الدين العام لتونس خلال العام الماضي 135 مليار دينار تونسي أي قرابة 42 مليار دولار مقابل 126.6 مليار دينار تونسي أي ما يعادل 39 مليار دولار أمريكي في العام 2023، والنزيف متواصل إلى اليوم. كما تذهب هذه المداخيل الهامة لخلاص كتلة الأجور في الوظيفة العمومية التي بلغت قرابة 24 مليار دينار سنة 2024 مقابل 23 مليار دينار سنة 2023 بعد أن شهد القطاع العام انتدابات كبيرة بعد الثورة وذلك رغبة في امتصاص البطالة والاحتجاجات الاجتماعية التي انتشرت في كافة أرجاء البلاد وخصوصا في المناطق الداخلية.
كما ينال قطاع الطاقة نصيبا هاما من نفقات الدولة بعد تزايد الاستهلاك والطلب حيث ارتفع عجز ميزان الطاقة سنة 2024 بنسبة 14 في المئة مقارنة بسنة 2023، ليصل إلى مستوى 3.6 مليون طن مكافئ نفط، وذلك مقابل تراجع إنتاج البلد من النفط والغاز في العشرين سنة الأخيرة نتيجة عدة أسباب من بينها تراجع نشاط التنقيب وعدم تطوير بعض الحقول والفساد المستشري في هذا القطاع. وأدى تراجع الإنتاج إلى تحول تونس من بلد يحقق اكتفاءه الذاتي من المحروقات إلى بلد يستورد نسبة هامة من حاجياته من الغاز لتوليد الكهرباء على وجه الخصوص وهو ما كلف الخزينة مبالغ باهضة من العملة الصعبة يتم دفعها للجزائر على وجه الخصوص باعتبارها أهم مصدري الغاز إلى تونس، وقد زادت النفقات في هذا المجال خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق العالمية مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ولعل مع تراجع أسعار النفط ستتمكن الحكومة التونسية من مزيد التخفيض في عجز الميزانية وإيجاد موارد إضافية لإنجاز بعض المشاريع التي بقي إنجازها رهين الحصول على قرض من هذه الجهة أو تلك، أو لنفقات متعلقة بإدماج لبعض الشرائح الاجتماعية في الوظيفة العمومية. فالانخفاض الذي بدأ منذ فترة في أسعار المحروقات والذي سيتواصل مع توقف الحرب الروسية الأوكرانية سيعود بالنفع على التوازنات المالية للبلاد التونسية وسيمثل جرعة أكسجين للاقتصاد المنهك منذ قرابة العقد والنصف من الزمان.

التشريعات والطاقة وأصل الدين

إن المعضلة الكبرى بالنسبة لتونس في الوقت الحالي هي توفير الاعتمادات الكافية لإنجاز المشاريع التنموية الكبرى خاصة مع هذه البيروقراطية المقيتة التي تميز إدارتها والتي تجعل قانوني الصرف والاستثمار يتعطلان بلا سبب وجيه ومقنع في وقت يواجه في البلد صعوبات على مستوى جلب الاستثمارات وتوفير السيولات المالية لدفع نسق النمو. وبالتالي لا يُفهم كيف لدولة بحاجة إلى الاستثمارات المحلية والأجنبية أن لا تسارع إلى وضع إطار تشريعي يحفز على الاستثمار وتُبقي على مشاريع قوانينها في رفوف الإدارات التابعة لهذه الوزارة أو تلك ولا يرى نور رغم مرور سنوات على الثورة؟
ومن الحلول المقترحة للخروج بالبلد من هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، بالإضافة إلى التشريعات المحفزة على الاستثمار، رفع إنتاج الفوسفات ليصل إلى معدلات إنتاج سنة 2009، أي السنة التي سبقت الثورة والتي باتت السنة المرجعية، وهو ما يتطلب تجديد التجهيزات المتعلقة باستخراج ونقل هذه المادة الحيوية والتي تعتبر من ركائز الاقتصاد التونسي. وفي هذا الإطار اقترضت الدولة لتجديد السكك الحديدية والقاطرات وعربات القطار الناقلة للفوسفات، ولكن نتائج هذه الخطوة لم تظهر بعد ويُخشى من أن تذهب الأموال المقترضة في غير محلها مثلما حصل في قطاعات أخرى عديدة.
ومن بين الحلول المقترحة أيضا لإنقاذ الاقتصاد التونسي العمل بنسق سريع للتحول الطاقي نحو الطاقات المتجددة وسد العجز الطاقي الذي عرفته البلاد في السنوات الأخيرة حتى يتمكن البلد من توفير مدخرات هامة من العملة الصعبة وسيولة مالية يتم إنفاقها على التنمية. ففي تونس توجد كل مقومات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ووسائل إنتاج الهيدروجين الأخضر بمياه البحر المحلاة والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى طاقة الرياح التي لم تستغل كما يجب في الكثير من المناطق حيث الرياح العاتية خصوصا في السواحل الصخرية المرتفعة قرب البحر.
إن نسق التحول الطاقي في تونس بطيء جدا حيث كان من المقرر أن ينتج البلد 30 في المئة من حاجياته الطاقية من الطاقات البديلة مع حلول سنة 2025 لكنه لا ينتج اليوم سوى 3 في المئة فقط وكأن هناك من يعطل المشاريع الطاقية ويرغب في إبقاء تونس بلدا مستوردا للغاز خدمة لأجندات خارجية. فإنتاج الكهرباء من الطاقات البديلة لن يكون مكلفا كثيرا باعتبار أن التكنولوجيا المتعلقة بها تصنع في تونس وهناك مهندسون وخبراء من التونسيين وهم مختصون في هذا المجال بالإضافة إلى الاستثمارات الأجنبية الواعدة في هذا المجال.
ويطالب البعض الحكومة بالتفاوض مع دائني البلد في الخارج والداخل من أجل إعادة جدولة الديون باتجاه إمهال تونس مدة معتبرة تعود على إثرها إلى سداد أقساطها، وتستغل السيولة المالية المتوفرة خلال مدة الإمهال لإنجاز مشاريع تنموية تشغيلية. كما يمكن اقتراح تحويل هذه الديون إلى استثمارات تعود بالنفع على البلد وعلى أصحابها وذلك في ظل رفض صندوق النقد الدولي إقراض تونس خلافا لدول في المحيط الإقليمي كان الصندوق سخيا معها إلى أبعد الحدود رغم أن مخاطر عدم سداد هذه الدول لقروضها يفوق مخاطر تونس بكثير.

الواردات والسوق الموازية والدعم

ومن بين الحلول المقترحة أيضا لخروج تونس من أزمتها إيقاف توريد الكماليات على غرار السيارات الفخمة والمواد الغذائية غير الضرورية والتي يمكن تعويضها بمنتوجات محلية وذلك حماية لمدخرات البلاد من النقد الأجنبي. وقد انطلقت تونس بالفعل في تنفيذ هذا المشروع وتسبب ذلك في اختفاء عديد السلع من السوق وهو ما دفع بالبعض إلى انتقاد ذلك معتبرا أن هذه المنتوجات الكمالية لا يتجاوز حجم توريدها 2 في المئة من مجموع واردات الاقتصاد التونسي.
كما دعا البعض إلى ضرورة مكافحة السوق الموازية من خلال استهداف كبار التجار والضالعين فيها من جهة، ومن خلال جمع الأموال الطائلة التي يتم تداولها في هذه السوق وذلك لحل أزمة المالية العمومية من جهة أخرى، وأيضا بتغيير العملة لضبط حجم السيولة في السوق. كما يتم ذلك، بحسب البعض، من خلال الزيادة في المدفوعات الجمركية وإطلاق عفو جبائي على مخالفات الصرف وتعبئة الأموال المتوفرة بالعملة الصعبة في القطاع الموازي إلى القطاع المنظم من خلال البنوك.
وتذهب الدولة باتجاه الاعتماد على الذات من خلال تشجيع الإنتاج المحلي والتكثيف من الصادرات في القطاعين الفلاحي والصناعي على وجه الخصوص في ظل النسيج الصناعي المتنوع الذي ميز البلد وجعله يحتل المرتبة الرابعة أفريقيا وكان بإمكانه احتلال الصدارة لولا مؤشر الاستقرار السياسي الذي تم اعتماده إلى جانب تنوع الصناعات ومستوى الإنتاج وجودته، فهذا المؤشر تحديدا هو الذي جعل تونس تتراجع إلى المرتبة الرابعة خلف جنوب أفريقيا ومصر والمغرب. كما يجب وفي باب الاعتماد على الذات الانفتاح على الأسواق في أفريقيا وروسيا وشرق آسيا وجنوب القارة الأمريكية بالإضافة إلى الأسواق التقليدية في أوروبا مع العمل على وتشجيع مناخ الأعمال من خلال سن تشريعات وإقرار حوافز وخلق بيئة ملائمة.
ويدعو البعض إلى تشجيع التونسيين بالخارج على فتح حسابات بالعملة الصعبة في البلاد وذلك لزيادة التحويلات التي حققت مستويات هامة في السنوات الأخيرة وهي قادرة على التحسن خاصة إذا تم توجيهها نحو الاستثمار وإنشاء المؤسسات ذات القدرة التشغيلية العالية. بالإضافة إلى التخفيض في أداء أرباح الشركات المصدرة كليا الأمر الذي سيدعم التصدير ويشجعه ليدعم بدوره مدخرات البلاد من العملة الصعبة التي من شأنها أن تدعم سعر صرف الدينار التونسي.
وتبدو منظومة الدعم بالنسبة للكثيرين بحاجة إلى مراجعة هدفها تحسين استخدام الموارد المالية لتذهب إلى التنمية، وضمان توجيه الدعم إلى مستحقيه من أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة، وتقليص الفجوة بين الفئات الاجتماعية. فنفقات الدعم للمواد الأساسية بلغت 3591 مليون دينار في سنة 2024 بعد أن كانت في مستوى 3805 مليون دينار سنة 2023 مسجلة بذلك تراجعا ويجب أن يتواصل على التراجع بحسب أغلب الخبراء حتى توفر الدولة السيولة المالية الكافية لإنجاز جملة من المشاريع وتحقيق نسبة نمو محترمة تساهم في خلق الثروة والشغل وفي تحسين مستوى معيشة التونسيين الذين ملوا الوعود الانتخابية التي جعلتهم يحلمون برغد العيش منذ سنة 2011.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية