الاقتصاد التونسي: تحسن في المؤشرات رغم غياب السياسات

ماجد البرهومي
حجم الخط
0

تؤكد الأرقام والمؤشرات الاقتصادية الصادرة حديثا، أن تونس شهدت بعض التحسن خلال النصف الأول من هذا العام وذلك رغم عدم قيام أصحاب القرار بما يجب القيام به للنهوض بالأوضاع الاقتصادية، على غرار سن قانون الصرف الجديد الذي ما زال ينتظر في الرفوف مع الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة. ففي غياب الدولة يقوم القطاع الخاص في الداخل، ومواطنو تونس في الخارج بدور هام في تحسين الوضع الاقتصادي للبلد الذي يعاني من حصار مالي لافت من قبل المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي وتُعرف أسباب هذا الحصار والأطراف التي تحركه.
وتشير الأرقام إلى أن احتياطي تونس من العملة الصعبة ارتفع ليصل إلى 7.4 مليار دولار رغم أن البلد لم ينل أي قرض معتبر من حيث القيمة المالية في الآونة الأخيرة، وذلك في ظل إصرار صندوق النقد الدولي على الرفض غير الصريح لإقراض تونس وتشبثه بضرورة قيام الحكومة بما يسميه «إصلاحات» رغم أنه يدرك أنها تمس السلم الاجتماعي للبلد. كما أن العجز التجاري تقلص بحوالي 12 في المئة نتيجة لارتفاع صادرات البلد من الفوسفات وزيت الزيتون والمنتوجات الصناعية وغيرها مقابل تراجع الواردات الطاقية والغذائية تراجعا طفيفا.

رابع احتياطي

عادت تونس إلى الخريطة العالمية لمنتجي ومصدري الفوسفات بعد أن اختفت منها خلال العشرية الماضية وهي التي تمتلك رابع احتياطي في العالم من هذه المادة وذلك باعتماد منطقة الحوض المنجمي في ولاية قفصة لا غير، ودون اعتبار الاحتياطي الضخم غير المستغل بولاية الكاف. وقد حقّقت «شركة فوسفات قفصة» هذا العام أرباحا قدرت بـ 453 مليون دينار بعد أن عادت إلى نشاطها التصديري لهذه المادة التي ارتفع سعرها بشكل لافت في الأسواق العالمية مع الأزمة الغذائية التي يشهدها العالم نتيجة الجفاف والحرب الروسية الأوكرانية.
ويؤكد العارفون بهذا القطاع والخبراء أن تونس لم تستغل كما يجب ارتفاع سعر الفوسفات في الأسواق لجني أرباح هامة تغطي به عجزها، وتحسن من خلالها مؤشراتها الاقتصادية، وذلك رغم إدراك المسؤولين لأهمية هذا القطاع، وأنه لا بديل عن الاعتماد على الذات في ظل امتناع الصناديق المالية وأقرب الأقربين عن مد يد العون للتونسيين. فهناك خلل ما على ما يبدو، وهناك أطراف تتلاعب بالأمن القومي وبقوت التونسيين هي من تعيق عودة الإنتاج إلى سالف عهده، ويبدو أنها محصنة من المحاسبة، ولا يمكن أن تطالها يد العدالة، ويبدو أيضا للبعض أنها تخدم أجندات بلدان منافسة لتونس في هذا القطاع الحيوي.

قطاع منتج

وتؤكد الأرقام أيضا ارتفاع الصادرات الصناعية خلال النصف الأول من سنة 2023 بنسبة 15.7 في المئة لتبلغ 14.2 مليار دينار، مقابل 12.2 مليار دينار في الفترة ذاتها من سنة 2022. واحتل قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية المرتبة الأولى في حجم العائدات الصناعية بـ 7 مليار دينار. وتؤكد هذه الأرقام أن القطاع الخاص في المجال الصناعي هو قطاع منتج شريطة توقف الإضرابات العمالية التي حركها في سنوات سابقة الاتحاد العام التونسي للشغل، وطغيان ثقافة العمل والإنتاج على الفاعلين في هذا القطاع من عمال ومهندسين وإداريين وغيرهم.
فالمستقبل لهذا القطاع، حسب الخبراء الاقتصاديين، باعتباره ينمو بشكل لافت منذ الاستقلال ولم ينقطع عن النمو خلال العشرية الماضية رغم الأزمات التي مر بها البلد والتي طالت جميع المجالات وانعكست سلبا على القطاع الخاص الذي يستأثر بغالبية النشاط الصناعي التونسي. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو احتلال تونس لواحدة من المراتب الأولى في المؤشر المتعلّق بالتصنيع في أفريقيا في نسخته الأولى والذي تمّ نشره مع نهاية العام الماضي من قبل البنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأفريقي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ويُعنى هذا المؤشر بالنمو الصناعي خلال الفترة المتراوحة ما بين سنتي 2010 و2021 أي فترة الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار في تونس.

معضلة التعليب

ومن العوامل التي أدت إلى تحسن المؤشرات الاقتصادية في تونس في الآونة الأخيرة، ارتفاع صادرات البلد من زيت الزيتون بنسبة 9.36 في المئة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية. فقد بلغت المداخيل هذا العام 1.2 مليار دينار تونسي وذلك بالرغم من تراجع الإنتاج مقارنة بالسنة الماضية نتيجة لأسباب عديدة لعل أهمها التغيرات المناخية والجفاف بالإضافة إلى عدم إيلاء الدولة هذا القطاع الاهتمام الذي يستحق. فتونس، ووفقا للمرصد الوطني للفلاحة، تقوم بتصدير 87 في المئة من إنتاجها من زيت الزيتون خاما، وهو ما يجعله يباع بأبخس الأثمان في الأسواق الخارجية وتستغل جودته دول أخرى وتقوم بترويجه على أنه منتوجها المحلي وتجني منه أرباحا طائلة. وطيلة السنوات الأخيرة لم تقم الدولة التونسية بأي جهد يذكر لترويج زيت الزيتون ذي الجودة العالية معلبا وبسعره الحقيقي في الأسواق الخارجية.

تحويلات هامة

كما عرفت مداخيل القطاع السياحي نموا بنسبة 54 في المئة خلال النصف الأول من هذا العام لتبلغ 2.221 مليار دينار مقابل 1.438 مليار دينار في الفترة نفسها من سنة 2022. وتحقق هذا النمو دون جهد يذكر من أي جهة رسمية لتحسين جودة الخدمات السياحية ومع استمرار الاعتماد على أسواق سياحية لا تدر العملة الصعبة وذلك رغم المنافسة الشرسة من وجهات سياحية منتشرة في مناطق عديدة من العالم.
وبدورها عرفت تحويلات التونسيين المقيمين خارج الديار أو المغتربين تطورا إيجابيا لتبلغ 3.9 مليار دينار تونسي في النصف الأول من العام الجاري مقابل 3.7 مليار دينار في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة قدرها 5.4 في المئة. وقد مكنت هذه التحويلات الهامة التي وصلت إلى تونس من أبنائها من سداد أقساط الديون التي حل أجل سدادها لمختلف الجهات المالية الدائنة على غرار صندوق النقد الدولي.
ويؤكد عديد الخبراء أنه بالامكان الاستفادة جيدا من هذه التحويلات المالية بطريقة أفضل لو تم حث التونسيين المقيمين بالخارج على الاستثمار في بلادهم وعدم الاكتفاء بضخ السيولات لاقتناء العقارات أو لمد يد العون إلى الأقارب لمجابهة تكاليف المعيشة الباهضة، ويتم ذلك من خلال تغيير القوانين البالية على غرار مجلة الصرف الموضوعة على الرفوف منذ سنوات وتنتظر المصادقة عليها من البرلمانات المتعاقبة. وبالتالي فإن هذه الأرقام والمؤشرات الإيجابية المسجلة لا تعود إلى أي جهد استثنائي أنجزته الدولة خلال السنوات الأخيرة، وذلك إذا استثنينا قطاع الفوسفات الذي شهد مؤخرا اهتماما رسميا لافتا، وإنما إلى جهود خاصة من أبناء تونس في الداخل والخارج كل مجاله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية