الاقتصاد التونسي: بين المبالغة في التوريد والعجز خارج إطار التداين والمجبى

ماجد البرهومي
حجم الخط
1

يجمع خبراء الاقتصاد في تونس على أن نسب النمو المسجلة في السنوات الأخيرة ضعيفة جدا ولا يمكن من خلالها تحقيق التنمية المنشودة التي يرومها عموم الشعب. فالنسبة لم تتجاوز خلال السنة المنقضية 2.4 في المئة، ولم تبلغ في الربع الأخير من العام نفسه سوى 1.4 في المئة ويتوقع أن يتواصل هذا التدهور خلال الربع الأول من سنة 2023.

ويؤكد أغلب الخبراء على أن هذه الأرقام الهزيلة هي ناقوس خطر وجب أخذه بعين الاعتبار لتلافي ما لا يحمد عقباه من احتجاجات اجتماعية قد تندلع بين الفينة والأخرى مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية. فهناك مؤشرات عديدة تؤكد أن عموم التونسيين غير راضين على الأداء الاقتصادي والاجتماعي للحكومات المتعاقبة منذ 2011 بما في ذلك الحكومة الحالية التي لم تحقق إنجازا يذكر في هذا المجال.
إن ما هو أكيد هو أن لا شيء تغير في تونس بعد 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ حل حكومة المشيشي وتجميد البرلمان تمهيدا لحله، وذلك من ناحية القطع مع سياسات العشرية السابقة التي شهدت خرابا طال جميع الميادين وكاد يجهز على الدولة التونسية. فالاهتمام بالمسائل السياسية على حساب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بقي هو الطاغي على غرار العشرية السابقة، ولم تستوعب الطبقة السياسية بعدُ أن مطالب التونسيين، التي خرجوا من أجلها محتجين قبل أكثر من عقد من الزمان ولم يتوقفوا عن الخروج طيلة العشرية الماضية كلما سنحت الفرصة، هي اقتصادية واجتماعية بالأساس.
وقد أوضحت كل عمليات سبر الآراء هذا الأمر، وكذا الاستشارة الإلكترونية التي قام بها الرئيس قيس سعيد منذ قرابة العام، وأثبتته أيضا الأحداث وسلوك الشارع التونسي الذي لم يهدأ إلى اليوم مطالبا بتحسين معيشته، وذلك رغم رحيل بن علي وسقوط نظامه. فقد كتبت الدساتير الصغيرة والكبيرة وتم تنظيم الانتخابات الناجحة في مناسبات عديدة وبنيت مؤسسات الدولة، وأطلقت الحريات العامة والخاصة، لكن تململ التونسيين تواصل حاملا باستمرار مطالبات بتحسين المعيشة.

صندوق النقد الدولي

واليوم وأمام هذا الارتفاع الفاحش في الأسعار للكثير من السلع الغذائية وغير الغذائية، والذي أجهز على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة وسحق كل نفس مقاوم فيها، ما زال البعض من المعارضة والموالاة يرفع شعاراته السياسية البحتة غير عابئ بشعبه الذي يئن من وطأة الأزمة، وبالكاد يتدبر قوت يومه. وبالتالي جاز القول بأن الطبقة السياسية في واد ورجل الشارع العادي في واد آخر وهو ما تأكد من خلال الإقبال الضعيف على التصويت في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي لم تتجاوز فيها نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع 11 في المئة.
صحيح أن للعامل الخارجي دوره الرئيسي في غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الكثير من السلع باعتبار تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على أسعار الكثير من المواد الأولية التي يتم استيرادها لاستغلالها في الصناعات التونسية ما أثر على كلفة الإنتاج وبالتالي الأسعار، إلا أن الدولة تتحمل جانبا من المسؤولية عن هذا الغلاء الفاحش الذي أثقل جيب المواطن. فبالإضافة إلى رفعها التدريجي للدعم استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي، والذي ما زال يتلكأ في الموافقة على القرض الزهيد الذي سيمنحه إلى تونس، هناك عجز عن التصدي إلى الفضاءات التجارية الكبرى التي تستغل الظرف الاستثنائي للرفع في الأسعار.
وحتى فيما يتعلق بالعامل الخارجي فالحكومة تبدو مسؤولة على عدم وضع خطة وطنية لإنتاج بعض المواد المستوردة التي يحتاجها الصناعيون التونسيون على غرار مادة الصوجا، التي تستغل في صناعة العلف الحيواني، والتي بارتفاع سعرها في الأسواق العالمية ارتفع سعر العلف وارتفعت معه أسعار الدواجن واللحوم الحمراء. كما تسبب ارتفاع سعر العلف وعلى سبيل المثال في اضطرار بعض مربي الأبقار إلى بيع أبقارهم إلى جهات في الجزائر وخسرت تونس قرابة الثلاثين في المئة من قطيعها وهو ما أثر سلبا على إنتاج مادة الحليب التي كانت تونس إلى وقت غير بعيد تحقق فيها فائضا إنتاجيا أهلها لتكون من مصدري هذه المادة إلى خارج الديار.
فالتوريد عموما هو الآفة التي تنخر الاقتصاد التونسي ومراجعة الاتفاقيات مع الدول الثلاث التي يشهد معها الميزان التجاري التونسي عجزا فادحا، وهي الصين وتركيا والجزائر، بات ضرورة ملحة على أصحاب القرار. فتونس تقترض اليوم من المؤسسات المالية العالمية لتمول وبالعملة الصعبة صناعات بلدان أخرى، الكثير من بضائعها لا تحتاجه الأسواق التونسية وتنتج المصانع التونسية ما هو أفضل جودة منه. لكن الحكومات التي تعاقبت على تسيير البلاد خلال العشرية الأخيرة تميزت بالضعف والوهن واضطرت إلى الإذعان وإبرام اتفاقيات تجارية مضرة باقتصادها إلى أبعد الحدود.
إن الحلول للخروج من المستنقع الاقتصادي، الذي وجدت تونس نفسها فيه بعد عشرية ونيف من العشوائية في التسيير وغياب الخطط والبرامج وإعطاء المناصب لغير أهلها، موجودة بتأكيدات أغلب الخبراء والمختصين في هذا المجال، فقط وجب أن تتوفر الرغبة في العمل والإصلاح بعيدا عن الجنوح إلى الحلول السهلة التي اعتاد عليها العقل الاقتصادي التونسي الذي بات منذ 2011 يعاني من تصحر فكري لافت لم يعد معه قادرا على التفكير خارج إطار التداين والترفيع في الجباية.

أسهل الحلول

كما أن هذا العقل بات يستكين إلى التوريد، وهو أسهل الحلول، لكل مادة تعاني من إشكاليات إنتاجية أو حصلت مشكلة ما في وحداتها الصناعية على غرار ما حصل مع مادة السكر منذ أشهر. ولا يبالي هذا العقل باستنزاف رصيد البلاد من العملة الصعبة في اقتناء أي شيء يمكن أن يُقتنى من الخارج حتى وإن تعلق الأمر بسلع لا تحتاجها الأسواق التونسية وذلك مراعاة لمصالح بعض الدول التي استغلت حالة الضعف الاستثنائي الذي تعيشه الخضراء منذ أكثر من عشرية لتعميق الفجوة في الميزان التجاري بين الصادرات والواردات.
ولعل ما يبعث على الأسى أن الحكومة لم تستغل كما يجب الارتفاع الكبير الحاصل في سعر الفوسفات في الأسواق العالمية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية لترفع في إنتاج وتصدير هذه المادة لجني أرباح هامة تغنيها عن قرض صندوق النقد الدولي وتمكنها من سداد أقساط لقروض سابقة. وبالتالي فقد انحصر تأثير هذه الحرب على الجوانب السلبية دون سواها فيما عجز مجددا العقل الاقتصادي التونسي عن إيجاد الحلول وتحين الفرص المتاحة واقتصر على البحث في الإطار ذاته أي التداين والترفيع في الجباية وذلك من خلال اللهث وراء صندوق النقد الدولي وإصدار قانون مالية أرهق قطاعات عديدة ما زالت لم تتعاف بعد من مخلفات أزمة كورونا التي تسببت بدورها في كوارث عديدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية