الأزمة الداخلية في تونس وتفاعلات الخارج

روعة قاسم
حجم الخط
2

هل يتعلق الأمر بمؤامرة فعلا تستهدف أمن الدولة كما يروج لذلك الفريق الحاكم أم أنه تصفية للخصوم السياسيين مثلما تروج لذلك المعارضة؟

تونس ـ «القدس العربي»: يشعر كثير من التونسيين بالقلق إزاء ما يحصل من اعتقالات طالت السياسيين والإعلاميين ورجال القانون والأعمال وغيرهم، وإزاء الحديث الذي لا ينتهي عن وجود مؤامرات كانت تستهدف أمن الدولة واستقرارها وقع التفطن إليها وتمت ملاحقة المتورطين فيها. والحقيقة انه لا أحد بإمكانه الجزم بتورط هذا الطرف أو ذاك سوى الجهات القضائية المختصة والمتعهدة بالملف والتي لن تحسم إلا بعد فترة زمنية معتبرة تقتضيها الآجال المنصوص عليها في قواعد الإجراءات الجزائية.

وفي انتظار ذلك تبدو «المحاكم الشعبية» الناشطة افتراضيا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي غيرها، أو كما يسميها البعض «المحاكم الفيسبوكية» أكبر خطر على السلم الاجتماعي في البلد نظرا لدورها الخطير في توجيه الرأي العام. فالمشتبه بهم يدانون مباشرة من قبل رواد مواقع التواصل ويتم التشهير بهم واستهداف أعراضهم دون إيلاء أهمية لقرينة البراءة. وحتى لو ثبتت براءتهم لاحقا فإنهم مدانون في نظر الرأي العام الافتراضي ويتم تذكيرهم ومعايرتهم باستمرار بجرائم ثبتت براءتهم منها.
ويُخشى أن تؤثر هذه الحملات الافتراضية المسعورة على القرارات القضائية التي ستصدر في قادم الأيام بشأن هذه التتبعات التي تشهدها تونس بصورة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فالفضاء الافتراضي تلجه كل الشرائح والفئات دون استثناء من تيارات فكرية وسياسية وغيرها، ويوظفه من له زاد معرفي معتبر ومن يجهل دقائق الأمور، وبالتالي فتأثيره يفوق الوصف والأحكام التي يلقيها رواده جزافا بحاجة إلى ردع.
والحقيقة أن تاريخ تونس الحديث يثبت حصول مؤامرات حقيقية استهدفت أمن الدولة على غرار الانقلاب الفاشل على الرئيس بورقيبة سنة 1962 وعملية قفصة لسنة 1980 وغيرها. كما يثبت أيضا أن الدولة التونسية تورطت في تلفيق تهم لأطراف سياسية ثبت لاحقا زيفها وذلك على غرار الملاحقات التي طالت في ستينات وسبعينات القرن الماضي وبعده، قوى اليسار وفي مقدمتها حركة آفاق «برسبكتيف» التي ثبت مع مرور الزمن أنها حركة وطنية ليست لديها ارتباطات بالخارج وتعترف للرئيس بورقيبة بالزعامة لكنها أرادت فقط أن تخلق بديلا معارضا للحزب الحر الدستوري الحاكم.
وبالتالي فإن إطلاق الأحكام بشأن هذه التتبعات في الوقت الحاضر وقبل خروج طرف قضائي أو حكومي ليوضح المسألة يبدو سابقا لأوانه باعتبار أن تجارب التاريخ تثبت أن جميع الاحتمالات واردة. كما أن قائمة الأشخاص الذين تم تتبعهم تجعل المرء يحتار في أمره باعتبارها تضم شخصيات هناك شبه إجماع بين التونسيين على تورطها في الفساد، كما تضم شخصيات عرفت بالنزاهة ونظافة اليد حتى وإن عارضت أنظمة الحكم المتعاقبة.

محاكمة عادلة

لذلك يبدو من التعسف بمكان عدم انتظار ما ستؤول إليه الأبحاث لإطلاق الأحكام بشأن حقيقة ما يحصل. فهل يتعلق الأمر بمؤامرة فعلا تستهدف أمن الدولة كما يروج لذلك الفريق الحاكم وأنصاره، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى تصفية للخصوم السياسيين مثلما تروج لذلك المعارضة ومريدوها. فإذا ثبت أن هناك مؤامرة فعلا وكانت الأدلة المقدمة من السلطة مقنعة للرأي العام فإن القانون يجب أن يجد طريقه إلى التطبيق، وإذا ثبت خلاف ذلك فإن السلطة الحالية مطالبة بتحمل التبعات المنجرة عن هذه الملاحقات القضائية المثيرة للجدل.
ويرى البعض أنه في كل الأحوال ومهما كانت نتيجة الاستنطاقات التي يجريها باحثو البداية أو التحقيقات التي يقوم بها قضاة التحقيق، وجب احترام حقوق الإنسان والحريات وذلك في عمليات القبض على المشتبه بهم وفي عملية استنطاقهم أو التحقيق معهم، وفي حقهم في محاكمة عادلة عند إحالتهم على المجلس القضائي، وفي قضاء عقوبة سجنية تحترم المعايير الدولية لو حكم عليهم بالإدانة. أما في حال ثبوت البراءة أو عدم كفاية الأدلة، فإنه وجب التعويض المادي والمعنوي لهم عن الإيقاف. ويتساءل البعض ألم يكن من الأفضل لو تم الاستنطاق أو التحقيق مع المشتبه بهم وإبقائهم بحالة سراح دون الحاجة إلى إيداعهم بالمعتقلات والسجون؟ ولماذا تحول الأصل المتمثل في إبقاء الإنسان بحالة سراح إلى استثناء، وتحول بالمقابل الاستثناء المتمثل في إصدار بطاقات إيداع بالسجن من قبل قاضي التحقيق إلى أصل.

صوت المعارضة

إن ما هو أكيد أن وجهة نظر المعارضة مما يحصل في تونس هي التي تصل إلى المجتمع الدولي ويصدر أكثر من طرف خارجي بياناته على أساسها، وتتضمن هذه البيانات في أغلب الأحيان الشعور بالقلق مما يحصل في تونس وفي أحيان أخرى الانتقاد المباشر للنظام التونسي. ويبدو بالمقابل الطرف الحكومي يعاني من نقائص جمة على المستوى الاتصالي وغير قادر على إيصال وجهة نظره لشركائه في الخارج وللمانحين لتونس على المستوى الاقتصادي من صناديق مالية وغيرها.
وبالتالي فمن المتوقع أن تزداد الضغوط الدولية على النظام في تونس مع تقدم هذه المحاكمات دون أن يخرج طرف قضائي أو حكومي للرأي العام ويقدم أدلة دامغة ومقنعة تؤكد جدية الاتهامات المنسوبة لمن تم تتبعهم. ويبدو أن المعارضة تتصيد أخطاء الفريق الحاكم لمزيد تضييق الخناق عليه ومن ذلك الأزمة المجانية مع المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء وكذلك أزمة طرد ومنع بعض النقابيين الأجانب من التضامن مع نظرائهم في تونس.

عزلة دولية

ولئن كان ما يحصل من تتبعات بشأن المعارضة ومن تصريحات تتعلق بالمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء ومن منع للنقابيين الأجانب من التضامن مع نظرائهم في تونس، قد زاد من شعبية الرئيس قيس سعيد لدى فئة من التونسيين، إلا أنه سيساهم برأي البعض في عزل النظام التونسي دوليا ونقابيا وأفريقيا. فهناك أطراف عديدة مغاربية ودولية ترغب في عزل تونس وفي غيابها عن الساحة الدولية ومن المؤكد، حسب هؤلاء، أن النظام التونسي قد منحها الذريعة لتقوم بذلك، فانطلقت بعد في حملات تشهيرية غايتها إبراز المجتمع التونسي كمجتمع منكفئ على ذاته وغير منفتح ولا يقبل بالآخر وليس حريا به أن يتوافد عليه السياح من مختلف الجنسيات خاصة وأن موسم الحجوزات قد انطلق بعد.
ويخشى البعض من أن تؤثر هذه العزلة السياسية سلبا على الملف الاقتصادي وعلى الأطراف المانحة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي الذي ينتظر التونسيون أن تمنح إدارته التنفيذية موافقتها النهائية على القرض الذي تمت الموافقة عليه مبدئيا من قبل خبراء الصندوق. حيث كثيرا ما ربطت هذه المؤسسة المالية الدولية قروضها بالتوافقات السياسية في البلدان التي تطلب تدخلها فما بالك لو تعلق الأمر بطرف اجتماعي شريك على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والذي تشهد علاقته بالرئيس قيس سعيد توترات غير مسبوقة ومعركة كسر عظم بدت للبعض شبيهة بتلك التي حصلت زمن حكم الرئيس الحبيب بورقيبة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية