الأزمة السياسية التونسية في ظل الفضائح والتسريبات

روعة قاسم
حجم الخط
1

ماذا لو ان ما جاء في التسجيلات كان صحيحا وأن رئيس حزب قلب تونس سيحكم عليه وتفكك كتلته النيابية، فهل سينفرط العقد الحكومي ويسقط الغنوشي من رئاسة البرلمان؟

تونس-»القدس العربي»: ما زالت فضيحة التسجيل الذي تحدث فيه أحد نواب حزب التيار الديمقراطي عن تدخل فريقه السياسي الذي يضم حزبه وحركة الشعب ورئيس الجمهورية قيس سعيد في القضاء، وذلك للتأثير في قضية رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي باتجاه إدانته، تثير الكثير من الجدل في تونس. فالقروي ينتمي إلى الفريق الآخر الذي يدعم حكومة هشام المشيشي والذي يضم إلى جانب حزب قلب تونس، حركة النهضة وائتلاف الكرامة، والذي يبدو أن فريق رئيس الجمهورية الذي كان الداعم الأساسي لحكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة يرغب في تفكيك هذا الائتلاف المساند لحكومة المشيشي.
لقد تحولت الساحة السياسية في تونس على ما يبدو إلى حلبة صراع قبلي قائمة على ثلاثية الثأر والغنيمة والغلبة بتعبير علماء الاجتماع غاب فيها الحد الأدنى من المعايير الأخلاقية الضرورية للتعايش. فالكل هدفه السيطرة على أكبر قدر ممكن من كعكة الحكم والويل والثبور لكل راغب في اقتسامها أو في الحصول على جزء منها، والسحق لمن يتجرأ على استهداف الطرف الحاكم، أيا كان، وإزاحته بالطرق القانونية مثلما حصل مع حكومة إلياس الفخفاخ.
فما هو أكيد أن فريق رئيس الجمهورية لم يغفر لحركة النهضة إثارتها لملف تضارب المصالح الذي أسقط حكومة الفخفاخ، كما لم يغفر لها تحالفها من الحزب الثاني، أي قلب تونس الذي يرأسه منافس قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية نبيل القروي. فقد تبين لحركة النهضة بعد تجربتها في الحكم في صلب حكومة إلياس الفخفاخ أن تحالفها مع حزبي حركة الشعب والتيار الديمقراطي المواليين لرئيس الجمهورية كان تحالفا هشا وضعيفا غير قادر على تمرير مشاريع القوانين في البرلمان، فلجأت إلى الحزبين الثاني والثالث في الانتخابات، أي حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة، أملا في الحصول على أغلبية تمكنها من الحكم في أفضل الظروف.
ويعتبر التسجيل فضيحة بكل المقاييس للتيار الديمقراطي الذي يرفع على الدوام شعار محاربة الفساد والفاسدين، فإذا به متورط إلى حد النخاع في كثير من الممارسات التي لا تتلاءم مع من يرفع هذه الشعارات الرنانة التي تلقى آذانا صاغية في صفوف الناخبين. فإذا فرضنا جدلا أن هذا التسجيل مفبرك مثلما يدعي أبناء التيار الديمقراطي فماذا بشأن مقطع فيديو سابق تتحدث فيه نائبة من هذا الحزب مع زميل لها في البرلمان على وجوب فبركة ملف قضائي لزميلة أخرى في المجلس لإنهائها سياسيا؟ ناهيك عن ممارسات أخرى تطرح نقاط استفهام عديدة بشأن رافعي شعارات الطهر والمزايدين على خلق الله في الساحة السياسية التونسية.
ولسائل أن يتساءل لماذا لم تتحرك النيابة العمومية لفتح بحث في الموضوع بما أن الاتهامات بالتدخل في القضاء من قبل الفريق السياسي لرئيس الجمهورية لضرب الخصوم السياسيين من خلال قضية نبيل القروي هي اتهامات على غاية كبيرة من الخطورة. فإما أن تثبت هذه التهم ويتم تتبع المتورطين فيها من سياسيين وقضاة وغيرهم، وإما أن يثبت زيف الإدعاءات أو عدم كفاية الأدلة فيتم تتبع النائب الذي صرح بمثل هكذا اتهامات، خاصة وأن هذا النائب ينتمي إلى التيار الديمقراطي وتحدث عن تورط فريقه السياسي، أي شهد شاهد من أهلها.
والحقيقة أنه وبقطع النظر عن صحة ما ورد في هذه التسجيلات من عدمه فإن أخلقة الحياة السياسية في تونس باتت اليوم ضرورة لا محيد عنها بعد أن بلغ السيل الزبى مع أحزاب فاشلة في الحكم همها الوحيد فبركة الملفات لإزاحة خصومها للاستحواذ على السلطة. فهذه الأحزاب وعند توزيع الحقائب في عملية تشكيل الحكومات تسعى لافتكاك وزارتي الداخلية والعدل من أجل الحصول على الملفات لابتزاز وتدمير الخصوم السياسيين وتتعفف عن وزارات يمكن أن تقدم من خلالها الكثير للتونسيين على غرار وزارة الصحة والتعليم العالي وغيرها.
لقد بات البعض يطلق على تونس من باب التهكم والسخرية تسمية «ديمقراطية الملفات» بعد أن أصبح ابتزاز السياسيين وتدميرهم لبعضهم البعض من خلال إثارة ملفات قضائية، ظاهرة لفتت إليها الأنظار في تونس وخارجها. وبالتالي فالقضاء التونسي مطالب قبل غيره بإصلاح بيته الداخلي حتى لا يبقى رهينة بيد السياسيين يستخدمونه في صراعاتهم مع بعضهم البعض. فما يحصل في تونس أخطر مما يتصور البعض، لأن الأمر يتعلق بأعراض تنتهك من خلال حملات التشويه، بالإضافة إلى حصول انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حيث يتم احتجاز مواطنين بطريقة غير قانونية بعد أن أصبحت الحرية استثناء في تونس وإصدار بطاقات الإيداع بالسجن هو المبدأ، وهو ما يمس من استقرار المجتمع ومن الأمن القومي للبلاد.
وللإشارة فإن النائب الذي «فضح» ممارسات فريقه السياسي قد تم الإيقاع به من قبل زميل له في البرلمان من حزب ائتلاف الكرامة، حليف حركة النهضة، قام بتسجيله دون علمه وأوقع به وبحزبه. وقام الفريق السياسي الذي مسته الفضيحة بتوجيه نقده ولومه إلى من قام بالإيقاع بالنائب في هروب إلى الأمام وتنصل من المسؤولية دون فتح بحث في الموضوع، وهو ما دأب عليه السياسيون في تونس عبر التاريخ.
ولعل السؤال الذي يطرح ماذا لو كان ما جاء في التسجيلات صحيحا وأن رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي سيتم الحكم عليه بعشر سنوات سجنا وسيتم تفكيك كتلته النيابية، فهل سيؤدي ذلك إلى انفراط العقد الحكومي الحالي وإلى إسقاط راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان؟ أم أن حركة النهضة قادرة على المناورة وعلى المحافظة على هذا الائتلاف الذي بدا قويا وصلبا في الآونة الأخيرة رغم الأزمة السياسية التي يعيشها البلد؟
إن ما هو أكيد أن كتلة حزب قلب تونس يمكن أن تتفتت بعد الحكم على نبيل القروي بالسجن لعشر سنوات مثلما جاء في التسجيل، خاصة وأن السياحة البرلمانية ظاهرة منتشرة في الساحة السياسية التونسية بامتياز. لكن يبدو أيضا أن حركة النهضة لديها القدرة على بناء تحالفات جديدة من خارج إطار الأحزاب المساندة للرئيس ومن ذلك حزب تحيا تونس الذي يرأسه رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد الذي قد ينضم جزء من نواب حزب قلب تونس إليه، كما قد يذهب بعض نواب هذا الحزب إلى حزب آفاق تونس الذي يرأسه الوزير السابق فاضل عبد الكافي الذي قد يتحالف مع حركة النهضة.
أما فيما يتعلق بمسألة سحب الثقة من الغنوشي فإنها بدورها غير مضمونة حتى وإن تم الحكم بالإدانة على نبيل القروي لأن الأمر يبقى رهين التفاهمات والتوافقات التي تتواصل إلى اللحظات الأخيرة. فكم من نائب عبر عن عزمه التصويت بنعم لسحب الثقة من الغنوشي ثم صوت بخلاف ما صرح به، كأن يصوت بـ»نعم» و «لا» في نفس الوقت فيتم إلغاء الورقة، أو أن يصوت برفض سحب الثقة مباشرة ودون الحاجة إلى المناورة مثلما يفعل كثير من المتلونين داخل المجلس.
لذلك تبدو الساحة التونسية مفتوحة على كل الاحتمالات ولا شيء ثابتا فيها بعد أن اختار من كتبوا دستور سنة 2014 نظاما سياسيا هجينا هو أقرب إلى النظام البرلماني في ديمقراطية توافقية هشة لا تعمر فيها التحالفات طويلا وسرعان ما تذهب حكومة لتحل محلها أخرى في زمن قياسي. وزاد الطين بلة غياب ميثاق أخلاقي يلتزم به الجميع ويمارسون نشاطهم السياسي في إطاره، أما ما سوى ذلك فإن الفوضى ستكون هي الطاغية على المشهد العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية