الأزمة السياسية المستفحلة في تونس وتداعياتها

روعة قاسم
حجم الخط
1

الفجوة اتسعت بين رئيس الجمهورية وخصومه ومعارضيه، وأيضا بينه وبين طيف مهم من مسانديه ومسانديه النقديين مع تعثر الوصول إلى الحل.

تونس ـ «القدس العربي»: لا تزال تونس رغم أزمتها المثيرة للقلق والإنزعاج، في مربع العمل السياسي المدني السلمي، وذلك خلافا لدول أخرى عاشت ظروفا مشابهة في إطار ما يسمى بـ«الربيع العربي» غرقت في مستنقع العنف والنزاعات المسلحة والحروب الأهلية التي يصعب محو آثارها. لكن رغم ذلك فإن المخاوف جدّية من تداعيات تعثّر الحل وتعقّد مسار الخروج من الأزمة المركّبة، التي بقدر وضوح مسلك الخروج منها بقدر إصرار أطرافها على تغذية فتيلها، بل ديمومتها عن قصد بالنسبة إلى البعض، وعن قلّة كفاءة بالنسبة إلى البعض الآخر.

ولعل ما يبعث على القلق الجدي هو أن الأزمة تراوح مكانها، إن جاز القول، باعتبار أن التطورات والإجراءات التي تم اتخاذها من قبل الرئيس قيس سعيد للخروج من هذا المستنقع لم تنجح في قلب المعادلات الحاصلة على الأرض. فالمواقف بين أطراف الخلاف جد متباينة، والفجوة ازدادت عمقا ليس فقط بين رئيس الجمهورية وخصومه ومعارضيه، ولكن أيضا بينه وبين طيف مهم من مسانديه ومسانديه النقديين الذين تزداد أعدادهم يوما بعد يوم مع تعثر الوصول إلى الحل.
لقد ازدادت الخلافات حدة مع الإعلان عن التركيبة الجديدة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي ستشرف على الإستفتاء الذي من المقرر أن يجرى يوم 25 تموز/يوليو من هذا العام، وعلى الانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تجرى يوم 17 كانون الأول/ديسمير المقبل. حيث حافظ الرئيس قيس سعيد في التركيبة الجديدة على بعض أعضاء الهيئة السابقين على غرار نائب الرئيس فاروق بوعسكر الذي أصبح رئيسا، وسامي بن سلامة عضوا، ومحمد التليلي منصري عضوا أيضا. كما عين أعضاء لم تكن لهم تجربة في الهيئات السابقة وهم قاض عدلي وقاض إداري وقاض مالي ومهندس مختص في مجال المنظومات والسلامة المعلوماتية، وذلك في ميل لافت من رئيس الجمهورية للقضاة أثار انتباه القاصي والداني.
ولعل مصدر الخلاف يكمن في تأكيد البعض على أن الهيئة ومن خلال هذه التعيينات لم تعد مستقلة باعتبار أن الرئيس بات الخصم والحكم في الآن نفسه، لأن الإستفتاء الذي ستشرف على تنظيمه الهيئة المعينة من قبل الرئيس يوم 25 تموز/يوليو المقبل سيكون على خيارات يدعمها الرئيس ومنها إقرار النظام الرئاسي. كما أن أنصار الرئيس سيشاركون في الانتخابات التشريعية بعد أن يتم تغيير نظام الإقتراع والتخلي عن القوائم الحزبية المغلقة والذهاب باتجاه الإقتراع على الأشخاص في دورتين، وهو ما سيجعل الصورة كالتالي، أنصار الرئيس يتنافسون على الوصول إلى قبة البرلمان في باردو بإشراف لجنة عينها الرئيس وهو ما لا يستقيم.
بالمقابل يرى آخرون أن الهيئة السابقة، والتي تم اختيارها من قبل مجلس نواب الشعب، لم تكن أيضا مستقلة باعتبار الاتهامات التي طالت رئيسها بولائه إلى الحزب الأغلبي وتسببه في عديد الخروقات خلال انتخابات سنة 2019 سواء في الداخل أو في الخارج. كما اتُهمت الهيئة السابقة بتغاضيها عن المال السياسي الخارجي الذي تدفق على تونس من كل حدب وصوب وأفسد الانتخابات والديمقراطية الناشئة في البلد.
وفي هذا الإطار يرى مراد علالة الإعلامي والكاتب والمحلل السياسي التونسي في حديثه لـ «القدس العربي» أن القطرة التي أفاضت الكأس هي إقدام رئيس الجمهورية على تشكيل هيئة جديدة للانتخابات بعد أن فعل نفس الأمر مع المجلس الأعلى للقضاء. وهذه المرة لم تكن الطريقة الأحادية المأخذ الوحيد، حسب محدثنا، ولكن أيضا التركيبة المختارة التي تضم أسماء مثيرة للجدل وفيها حتى من لم يكن محايدا البتة في مواقفه العامة خلال الفترة الماضية، وهو ما يطرح سؤالا حول استقلاليته وحياده في المستقبل.

الحوار الوطني

ويضيف: «إن ما يغيب عن الكثيرين حسب رأينا هو أن الحديث عن حوار وطني للخروج من الأزمة في تونس مسقط ولا وجود له إلا في بعض الأذهان، ويلجأ إليه رئيس الجمهورية تحت الضغط العالي الداخلي وخاصة الخارجي. ويتمسك بالحوار أيضا الطيف المدني والسياسي المفتقر لأدوات شرعية ومشروعة يؤثّر بها في المسار كما حصل مثلا سنة 2013 عندما أشهر التونسيون سلاح شرعية الشارع ضد المنظومة الحاكمة والمورطة آنذاك في تغول العنف والإرهاب والاغتيالات السياسية.
ووفق المؤشرات الجلية أمامنا يختزل رئيس الجمهورية الحوار في العملية التقنية التي سيُعهد بها إلى لجنة تقنية بدورها تضم هيئتين لتأليف وقراءة مخرجات الاستشارة الافتراضية التي انتهت يوم 20 اذار/مارس الماضي. وقد فشلت هذه الاستشارة فشلا ذريعا في إقناع 95 في المئة من التونسيين بالمشاركة فيها من أجل الذهاب بعد ذلك إلى استفتاء يوم 25 تموز/يوليو ثم إلى انتخابات تشريعية يوم 17 كانون الأول/ديسمبر المقبل إذا ما تم احترام الآجال الواردة بخريطة الطريق».

دور المنظمات

وحول ما يحصل من تصريحات متناقضة على محسوبين عن قرطاج أجاب محدثنا بالقول: «الغريب أن شخصيات وأحيانا كيانات سياسية تتولى الحديث نيابة عن رئيس الجمهورية وهذا أمر غير مقبول سواء كان عفويا أو مدبرا بغرض جس النبض. فقد كشف أستاذ القانون أمين محفوظ، على سبيل المثال، أن رئيس اللجنة الرئاسية للإصلاح السياسي سيكون أستاذ القانون الدستوري العميد الصادق بلعيد، فما الذي يمنع رئيس الجمهورية من الإعلان عن ذلك رسميا؟
هذه المقاربة هي التي دفعت المنظمات الكبرى مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين، إلى ما يمكن أن نعتبره انتفاضة على التسطيح وعلى رسم مربع المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد لتونس. فالرئيس يتحدث عن دستور جديد وعن دولة جديدة اختار لها من اليافطات البراقة دولة القانون ووجب أن يقوم بإشراك جميع الفاعلين في هذا المشروع الضخم ودون إقصاء لأي طرف مهما بلغت درجة الاختلاف معه.
صحيح أن رؤساء المنظمات ذهبوا كثيرا في إسناد رئيس الجمهورية من باب الحرص الوطني المسؤول على دفعه لتعديل نسقه ومقاربته الأحادية لكن، للمحاماة، إن جاز القول، شعبها الذي يريد ولا يمكنها لعب دور المتفرج الذي لا كلمة له. وكذلك الأجراء والحقوقيون والأعراف والفلاحون، هم يريدون من منظماتهم، على غرار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وغيرها، يريدون مشاركة فعلية وتفاعلية تسمح برسم المستقبل المشترك».

السيناريوهات الممكنة

وعن سؤال «القدس العربي» عن الفرضيات والبدائل في حال فشل الحوار الوطني أجاب علالة: «في ظل هذه المعطيات هناك سيناريو ضعيف لكنه وارد وهو قلب المعادلات رأسا على عقب في حال تواصل تدهور الأوضاع المعيشية وتفاقم الأزمة في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية بالخصوص. ساعتها قد يلجأ التونسيون إلى العصيان والتمرد كما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن الخطير هو افتقار المشهد التونسي اليوم لقوة اجتماعية أو سياسية قادرة على تأطير الحراك الاجتماعي وهو ما يفتح باب سرقة الثورة كما حصل في 2011».
أما السيناريو الثاني الأقرب إلى الواقع والذي تتقاطع فيه مصالح الداخل والخارج حسب علالة – فهو مضي الرئيس قدما في تنفيذ خريطة طريقه كما اتفق، والمهم ضمان الحد الأدنى من الاستقرار والحد الأقصى من مصالح الأشقاء والأصدقاء بقطع النظر عن العزوف وعن مضمون ما سيتم عرضه للاستفتاء وبعد ذلك الانتخاب. وفي ظل ضعف الثقافة الديمقراطية وتوظيف وسائل الدولة دون أن نقلل من اعتبارية ساكن قرطاج وارتفاع شعبيته وشعبويته وتصويت الناخبين لشخصه بقطع النظر عن المضمون السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهو ما سيفتح أبواب البلاد على إعادة إنتاج الأزمة بما أن المقدمات الخاطئة والقاصرة لا تؤدي بالضرورة إلا إلى نتائج محدودة كي لا نقول شيئا آخر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية