الأزمة السياسية في تونس تلهب جمر الاحتجاجات

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-»القدس العربي»: مثّل أداء الطبقة السياسية الحالية في تونس عاملا من العوامل المساهمة في تأجيج الأوضاع وفي تصاعد الاحتجاجات، باعتبار أن الحصاد الاقتصادي والاجتماعي لهذه الطبقة خلال العشرية الأخيرة كان كارثيا إلى أبعد الحدود وبالأرقام. كما أن الخطاب الذي تتوجه به هذه الطبقة إلى الشعب من جهة، والذي تتحاور به فيما بينها من جهة أخرى، والذي وصل إلى حد تبادل العنف المادي وإسالة الدماء داخل البرلمان، قد فاقم من نقمة الشارع على هؤلاء الذين ظن أنهم منقذوه من براثن الديكتاتورية قبل عشر سنوات.
فالصراعات السياسية بين مختلف الفرقاء، وبهذا الخطاب المنحط أخلاقيا، والذي تستعمل معه أساليب قذرة يصل فيها الأمر إلى حد فبركة الملفات والإبتزاز المالي والسياسي للخصوم، ساهم في اتساع الفجوة أكثر فأكثر بين الشعب التونسي وهؤلاء المتصارعين على المواقع والنفوذ من السياسيين.
فالهمّ التونسي الشعبي معيشي بالأساس، ولا يعير اهتماما لمن هو على حق ومن هو على باطل في أي خلاف قد ينشأ بين المتصارعين على المناصب، وآخر ما يعنيه إن كان قيس سعيد قد أولّ الدستور بطريقة سليمة أم لا، وهل أن هشام المشيشي قد أخطأ أم لم يخطئ عند القيام بالتحوير الوزاري من دون استشارة ساكن قرطاج.
ولعل نتائج الانتخابات الأخيرة تؤكد هذا الطرح، حيث كانت نسبة العزوف كبيرة جدا ولم يتحصل الحزب الأول إلا على خمسمئة ألف صوت أو أقل، فيما لم يتعد البعض الأصفار دون فواصل. وبالتالي فإن المتحمسين للصراعات الحزبية واستنادا إلى نتائج الانتخابات ونتائج سبر الآراء يمثلون أقلية في المجتمع التونسي، بينما باقي الشعب يبدو أنه غير راض على ما يحصل في البلد وعبر عن ذلك بمقاطعة صناديق الإقتراع في رسالة غفل السياسيون عن قراءتها.
فهناك شعور عام بأن الحكام بمختلف مواقع صنع القرار في البلاد، سواء تعلق الأمر بساكن قرطاج ومن حوله أو بنواب البرلمان تحت قبة قصر باردو، أو بصاحب القصبة ووزرائه، غير مبالين بمعاناة الشعب التونسي وبأزماته. وزادت الطين بلة الأزمة السياسية الأخيرة التي بدا فيها كل طرف سياسي يدفع باتجاه مصالحه ويبحث عن المخارج الدستورية الداعمة لهيمنته وتمّ تجاهل المشاكل الحقيقية للتونسيين على غرار الكوفيد الذي لم تصل التلاقيح المتعلقة به بعد، والفقر البطالة اللذين استفحلا بشكل لافت في السنوات الأخيرة.
ولعل لامبالاة السياسيين هذه، وصراعاتهم المتواصلة واختلاقهم للأزمات التي لا تنتهي تفسر الاحتجاجات العنيفة جدا التي عاشها البلد خلال شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام. ويستشّف ذلك من خلال التصريحات المختلفة للمحتجين من الشباب المهمش في الأحياء الفقيرة والجهات الداخلية على وجه الخصوص والذي تحدى الدولة وأجهزتها ولم يعد لديه ما يخسر بالنهاية بعد أن بلغ السيل الزبى.
وفي هذا الإطار يعتبر الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي هشام الحاجي في حديثه لـ «القدس العربيّ» أن الأزمة السياسية الخانقة وغير المسبوقة التي تعيشها تونس منذ أسابيع تفتح الباب أمام احتمالات غير مطمئنة في مجملها. لأن كل أزمة سياسية مهما كانت درجة حدتها تمثل، برأي الحاجي، دليلا على وجود خلل في اشتغال المنظومة السياسية وكلما تواصلت مدة الأزمة كلما ازدادت الخشية من أن تكون تداعياتها سلبية.
ويضيف الكاتب التونسي قائلا: «إن الأزمة الحالية التي تعيشها تونس منذ أسابيع هي أزمة تكشف أمرين يجعلان إمكانية تحولها إلى أزمة هيكلية أمرا واردا بشدة. الأمر الأول هو أن دستور الجمهورية الثانية لم يؤسس لفصل منتج بين السلطات الثلاث من خلال توضيح آليات التعاون والتفاعل بينها بل خلق ما يشبه التنافر الهيكلي والعلاقة الصدامية بينها وهو ما جعل الخلاف الحالي بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي يمثل بشكل من الأشكال استردادا للصراع الذي عاشته تونس منذ بضع سنوات بين المرحوم الباجي قايد السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد. ويضاف إلى ذلك أن الأزمة السياسية الحالية تبرز ما يشبه لعبة لي الذراع بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي وهناك من الحواجز النفسية بين الرجلين ما يؤشر إلى أن قنوات التواصل بينهما قد انقطع و لا يمكن وصله مستقبلا».
ويرى محدثنا أن على هذه الخلفية السياسية ينمو وضع اقتصادي صعب يزداد تدهورا يوما بعد يوم في ظل ارتباك الأداء الحكومي وفي ظل العجز عن الاستجابة لمطالب تزداد يوما بعد يوم لاعتبارات موضوعية.
لأن العشرية الأخيرة برأيه لم تشهد أي إنجاز ولأن النزعة المطلبية قد تحولت إلى ما يشبه «الرياضة الوطنية» على حد تعبير محدثنا، والتي تنخرط فيها وتشجعها النخب التي تخفي بذلك عجزها عن اجتراح الحلول والسياسات الكفيلة بتجاوز الأزمة. وهذه المعطيات، بحسب الحاجي، تجعل تواصل الاحتجاجات في المستقبل أمرا متوقعا وأكيدا في ظل عجز هذه الحكومة كما سابقاتها عن تقديم إمكانية لحل الأزمات المتراكمة التي يئن من وطأتها الشارع التونسي المنكوب بطبقته السياسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية