الأزمة اللبنانية الخليجية تبلغ حافة الانفجار ولبنان الرسمي عاجز عن التحرّر من هيمنة حزب الله

سعد الياس
حجم الخط
0

بعد التهجّم على السعودية والتورّط بالحروب وتهريب الكبتاغون والتصاق العهد بالدويلة

بيروت-»القدس العربي»:  ليست الأزمة بين لبنان والسعودية بنت ساعتها ووليدة تصريح مسيء لوزير الإعلام جورج قرداحي دافع فيه عن الحوثيين واعتبر الحرب في اليمن عبثية، بل إن هذا التصريح كان كالقشّة التي قصمت ظهر البعير. وتعود الأزمة إلى سنوات طويلة منذ أن انقلب حزب الله على مبدأ النأي بالنفس وتورّط بالحروب في سوريا والعراق وصولاً إلى اليمن حيث قام بعمليات تدريب للحوثيين، تزامناً مع تهجّم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله المتكرّر على القيادة السعودية واتهامها تارة «بدعم المشروع التكفيري والإرهابي في سوريا والوقوف وراء داعش» وطوراً «بتنفيذ عدوان وحشي وغير منطقي وغير إنساني على اليمن» وصولاً إلى تهريب حبوب الكبتاغون المتكرر إلى المملكة.

وبدأت العلاقة اللبنانية السعودية تتوتّر بعد تعاظم دور حزب الله الذي تصنّفه الرياض منظمة «إرهابية» وعدم وقوف جهات لبنانية في وجه هذه المنظمة وخصوصاً من قبل الرئيس سعد الحريري واكتفائه بمواقف كلامية منمّقة، في وقت كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يواصل هجومه على السعودية حتى وصل به الأمر إلى القول في إحدى الاطلالات مطلع شهر آذار/مارس 2016: «في المقاومة قاتلنا إسرائيل أنا وإخواني وقدمنا شهداء وإلى آخره… وإذا سألتني عن أشرف ما قمت به في حياتي وأفضل شيء وأعظم شيء، سأجيب: الخطاب الذي ألقيته ثاني يوم من الحرب السعودية على اليمن، وأشعر أن هذا هو الجهاد الحقيقي هذا أعظم من حرب تموز هذا هو إحساسي» مضيفاً «هذا الشعب اليمني شعب مظلوم شعب غريب شعب متروك تجاوز بمظلوميته الشعب الفلسطيني».

أداء العهد والصهر

وما زاد في الطين بلّة أنه منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية دخل العهد في صمت مطبق على التصريحات المسيئة للسعودية على الرغم من فتح السعودية أبوابها للرئيس عون في زيارة رسمية. فيما صهر عون رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي شغل منصب وزير الخارجية امتنع في مؤتمر لوزراء الخارجية العرب عام 2016 عن التصويت على قرار الوزراء العرب بإدانة إيران رداً على تعدي متظاهرين على البعثة السعودية في طهران، وأخذ يدعو منفرداً إلى إعادة سوريا إلى حضن الجامعة العربية.
وبناء على هذه التصرّفات بادرت الرياض إلى إلغاء مساعدات عسكرية بقيمة ثلاثة مليارات دولار كانت أقرّتها في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، وإلى إصدار قرار تحذيري للرعايا السعوديين من السفر إلى لبنان.
وبدأ غضب السعودية يتصاعد على السلطات الرسمية اللبنانية نظراً للعلاقة التاريخية التي كانت تربط بين البلدين منذ تأسيس لبنان الكبير وفي محطات مصيرية مرّ فيها لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية مروراً باتفاق الطائف عام 1989 وصولاً إلى مرحلة إعادة الإعمار، حيث برز الدور السعودي السياسي والمالي في مسح آثار الحرب في ظل حكومات الرئيس رفيق الحريري. وإزاء هذا الوضع واستمرار عدم التصدّي لحزب الله ومسايرته في عملية تأليف الحكومة جاءت استقالة الحريري الابن في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 من الرياض في إطلالة تلفزيونية رُسم الكثير من علامات الاستفهام حوله، ووجّه فيها اتهامات لإيران وحزب الله بالوقوف وراء الاغتيالات وتهديد أمن المنطقة. ما جعل العهد وحزب الله يتحدثان عن عملية «اختطاف» للحريري ولا شيء يبرّر عدم عودته إلى العاصمة اللبنانية.
وبعد سقوط حكومة سعد الحريري إثر انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر وتأليف حكومة الرئيس حسان دياب وتعيين السفير شربل وهبة وزيراً للخارجية خلفاً للوزير ناصيف حتي، فجّر أزمة دبلوماسية في حوار تلفزيوني في ايار/مايو الفائت عندما تكلم عن «دول المحبة والصداقة والأخوة التي أوصلوا لنا تنظيم الدولة الاسلامية» متهماً دول الخليج بتمويل الدولة الإسلامية قبل أن يطلق وصفه عن «أهل البدو» لتنتهي المسألة بتنحّي الوزير من تلقاء نفسه وتكليف الوزيرة زينة عكر بمهام وزارة الخارجية.

تهريب الكبتاغون

في غضون ذلك، تواصلت عمليات تهريب الكبتاغون الأمر الذي دفع بالسلطات السعودية إلى وقف استيراد المنتوجات الزراعية من لبنان بعد اكتشاف شحنة «الرمّان» التي تضمنت حوالي 5.3 ملايين حبة، لتتخذ السلطات اللبنانية إجراءات عاجلة لضبط المعابر وعدم تصدير أي ممنوعات إلى السعودية عبر الأراضي اللبنانية ولكن من دون أن توقفها كلياً.
وبعد تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتعويل رئيسها على إعادة الحرارة إلى العلاقة اللبنانية السعودية باغتته النكسة المتأتية من تصريح الوزير قرداحي والذي لا ينسجم مع البيان الوزاري للحكومة، وربما ما جعل القضية تتفاعل هو أن جورج قرداحي لم يكن ليكتسب شهرته لولا الإعلام السعودي، وهو على الرغم من ذلك أخذ يدافع عن الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله وصولاً إلى الحوثيين ولو صدرت عنه هذه المواقف قبل تعيينه وزيراً، إلا أنها تؤشر إلى طبيعة وتفكير هذا الوزير اللذين أهّلاه لترشيحه للوزارة.
وفيما حاول الرئيس ميقاتي بمساعدة صديق هو البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إقناع قرداحي بتقديم استقالة طوعية وتغليب المصلحة الوطنية العليا، اصطف حزب الله في محور عدائي ضد السعودية ورفض إقالة قرداحي، مجيّشاً حلفاءه في «تيار المردة» والحزب السوري القومي الاجتماعي و»حركة أمل» لمنع اتخاذ قرار بإقالة الوزير في مجلس الوزراء بأغلبية الثلثين. ولم يكتف الحزب بذلك بل رأى أن ردة الفعل السعودية على لبنان «تكاد ترقى إلى ما يشبه إعلان الحرب» وأن تصريح قرداحي لا يبرّر الإجراءات الهمايونية المتسرعة التي اعتمدتها ضد لبنان وشعبه، معيداً وصف «الحرب السعودية على اليمن وشعبها المظلوم بأنها حرب عدوانية وظالمة وعبثية ويجب أن تتوقف».
وتأتي كل هذه الوقائع لتعزّز رؤية الرياض بهيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية وانزلاق البلد إلى محور الممانعة في ظل انكفاء قوى سيادية كتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي عن المواجهة واقتصادر الأمر على حزب القوات اللبنانية الذي لفت وقوف مناصريه في عين الرمانة في وجه غزوة مسلحي الثنائي الشيعي بعدما تصدّى أهالي شويا الدرزية لراجمة صواريخ الحزب ثم تصدّي عشائر خلدة السنية لاستفزازات مناصري الحزب.

الانزلاق الاقتصادي

ومع هذا الانزلاق إلى محور الممانعة واعتماد أدبياته ضد دول الخليج، كان لبنان ينزلق اقتصادياً ومالياً إلى أزمة خانقة غير مسبوقة تخللها ارتفاع دراماتيكي في سعر صرف الدولار بلغ حالياً حدود 20700 ليرة، ما يهدّد بانهيار كبير تسبّب به التصاق العهد بحزب الله وتوريط البلد بقطيعة مع دول الخليج في وقت هو بأمس الحاجة إلى مثل هذا التواصل والدعم من أشقائه العرب وإلى التحويلات المالية التي يقوم بها اللبنانيون العاملون في الدول الخليجية والتي تساعد حوالي 450 ألف عائلة لبنانية على تجاوز الأزمة الاقتصادية والمعيشية.
وإذا كان العهد استفاق متأخراً على خطورة الوضع في سنة الولاية الأخيرة وبدا الرئيس ميشال عون ميالاً لخريطة الطريق التي أعلنها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والتي تبدأ باستقالة وزير الإعلام، غير أن حزب الله يبدو ممسكاً بأوراق اللعبة الداخلية ويفرض أجندته السياسية والقضائية مستنداً إلى فائض القوة التي يمتلكها وتهديده بوجود 100 ألف مقاتل لديه. وتبدو الدولة اللبنانية عاجزة أمام الحزب بعد سد آذانها طيلة السنوات الماضية عن الاستماع إلى جرس الإنذار حول خطورة تغلغل الحزب في إدارات ومؤسسات البلد التي مهّدت لوضع يده على مقدّراته بسبب تخاذل أطراف سياسية وانتفاعها من المكاسب والتعيينات مقابل غض النظر عن اختطاف الحزب الموالي لإيران قرار الدولة، وآخر من حذّر من هذا الوضع هو البطريرك الراعي الذي أطلق نداء لتحرير الشرعية وإعلان حياد لبنان عن صراعات المنطقة.
وهكذا بعدما كان حزب الله مشكلة «عويصة» بالنسبة إلى اللبنانيين البريئين من المنظومة السياسية والذين انتفضوا في 17 تشرين الأول/اكتوبر، تحوّل أيضاً مشكلة بالنسبة إلى الدول العربية والمجتمع الدولي، وجعل لبنان في عزلة خليجية، دافعاً للتحوّل شرقاً نحو إيران وسوريا البلدين الممانعَين والمنكوبَين غير القادرين على الوقوف إلى جانب لبنان، ودلّت تجربة المازوت الإيراني على فشل التجربة.

الاستقالة غير المرغوبة

وفي انتظار ما ستؤول إليه الاتصالات الرامية إلى استقالة أو إقالة قرداحي لنزع فتيل الغضب الخليجي على لبنان، فإن المسؤولين الدوليين وفي طليعتهم المسؤولون الأمريكيون والفرنسيون أقنعوا الرئيس ميقاتي بعدم الاستقالة من رئاسة الحكومة ومعالجة الأمور بروية وصبر، لأن أي استقالة ستطيح بالانتخابات النيابية وقد لا تسمح بالتمديد للمجلس النيابي وستدخل البلد في فراغ خطير تكون فيه الكلمة الفصل للأقوى أي لحزب الله. ومن الصعب على السلطات اللبنانية معالجة نفوذ حزب الله من دون تدخل دولي بعدما وضعت القرارات الدولية على الرف وفي طليعتها القرار 1559 حول نزع السلاح من جميع الميليشيات، فيما القرار 1701 يتعرّض لخروقات كبيرة ولا تجرؤ القوات الدولية العاملة في الجنوب على تطبيق دقائق القرار في منطقة انتشارها ومنع أي ظهور مسلّح للحزب.
بناء عليه، سيبقى لبنان أسير حزب الله ومشروعه وهو لن يسمح بأي تغيير قد يأتي من الانتخابات النيابية ويبدّل الأغلبية الموجودة لصالحه في المجلس النيابي، كما لن يسمح بأن يكون للأكثرية الجديدة القدرة على انتخاب رئيس سيادي للبلاد يطيح بما قدّمه عون وتياره من غطاء مسيحي للسلاح خارج الدولة أو يعيد طرح مسألة الاستراتيجية الدفاعية التي طواها عون ولم يثرها طيلة عهده. والطريق الوحيد لخروج لبنان من أزمته وعودته بلداً منفتحاً ومزدهراً و»سويسرا الشرق» هو مؤتمر دولي عربي يُخرج لبنان من سياسة المحاور أو يعيد النظر بتركيبة النظام السياسي ككل. عندها فقط يمكن للبنان الرسمي أن يتنفّس وأن يتحرّر من الهيمنة الإيرانية ويعيد العلاقات مع الدول الخليجية ويعود الاستثمار والنمو في المشاريع الاقتصادية والعمرانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية