جبل الجليد الذي يخفي مصاعب جمّة في سلك العدالة
تونس-“القدس العربي”:أقرّ المشرع التونسي في السنوات الأخيرة، وبصورة متأخرة جدا مقارنة ببعض البلدان العربية، إمكانية مرافقة المشتبه به بارتكاب جريمة لمحام لدى استنطاقه من مصالح الشرطة العدلية التي توصف في القانون التونسي بـ”باحث البداية” باعتبار أن هناك عملية بحث ثانية يقوم بها قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية ودائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف. وجاء هذا في إطار إصلاحات تم القيام بها لمزيد تكريس حقوق الإنسان في البلد وصونا لكرامة الفرد وحقه في محاكمة عادلة تكفل له فيها جميع الضمانات بما في ذلك حق الدفاع بداية من الأبحاث الأولية وصولا إلى المحاكم بمختلف درجاتها إضافة إلى الطور التحقيقي.
وتعالت أصوات معارضة في ذلك الوقت تحذر من هذا الأمر، باعتبار أن العقليات في تونس ما زالت غير مؤهلة لتقبله وأن الاحتكاك بين المحامين والأمنيين قد يتسبب في مشاكل، يبدو القطاعان في غنى عنها في ظل هذا الوضع الاستثنائي المحتقن الذي تعيشه البلاد. لكن هذه الأصوات، التي يبدو أنها كانت محقة، قوبلت بكثير من الاستهجان واتهمت بالرجعية وبمعاداة حقوق الإنسان والحريات وبأنها وريثة عهد سابق ورافضة لكل أشكال التغيير والتطوير للمنظومة الحقوقية التي كانت بحاجة إلى إصلاحات جذرية.
وقد عاد الجدل مجددا حول أهلية التونسيين لتقبل مسألة إنابة محام لدى باحث البداية “مصالح الأمن” من عدمها، مع الأزمة التي نشأت مؤخرا بين قطاع المحاماة وسلك الأمن الوطني المكلف بموجب القانون بالأبحاث العدلية، وذلك بسبب ما قيل أنه اعتداء حصل على محامية كانت حاضرة بمركز الأمن الوطني للدفاع عن موكلها. وقد تطورت هذه الأزمة ككرة الثلج وأصبح القضاء بدوره طرفا فيها بعد اتهام المحامين لممثل النيابة العمومية ولقاضي التحقيق بالخوف من الأمنيين والتخاذل في نصرة حق زميلتهم، وانتقاد نقابة القضاة بالمقابل للمحامية المدعية وفريق الدفاع من زملائها المحامين، واستصدار النيابة لقرار بتتبع المحامية المشتكية والبعض من فريق دفاعها، والردود القوية للهيئة الوطنية للمحامين وجمعية المحامين الشبان. ويبدو ان هذا الخلاف الحاد الذي بدأ منذ أسابيع يتطور بشكل غير مسبوق وفتح جدلا واسعا حول معضلات عديدة تواجه مرفق العدالة بكل خصوصيته وقدسيته، في بلد لا يزال يخطو خطواته الحثيثة نحو الديمقراطية بكل ما تفرضه من قوانين وإجراءات ومبادئ يجب احترامها.
تلاسن وسباب
لقد بدأت أطوار القضية حين استنجدت محامية تونسية بزملائها مؤكدة على أنه تم الاعتداء عليها بالعنف المادي واللفظي من قبل أحد رؤساء مراكز الأمن حين كانت متواجدة هناك للقيام بوجبها المهني للدفاع على موكلها الذي يتم استنطاقه. حيث أكدت على أنها تعرضت للضرب وتم غلق الباب واحتجازها لفترة زمنية واحتجاز هاتفها، بالإضافة إلى ما تعرضت له من سب وتهديد من قبل المحتجزين وهم رئيس المركز وأمنيون استجابوا لطلبات رئيسهم.
وقدم محامون في طليعتهم عميد المحامين إبراهيم بودربالة شكاية إلى النيابة العمومية بالأمنيين وتمّ فتح تحقيق اشتكى خلاله فريق الدفاع من غياب الملف الطبي المتعلق بزميلتهم المتضررة من المستشفى الذي توجهت إليه لإثبات واقعة الاعتداء، ومن اختفاء جزء من شريط الفيديو لكاميرا مركز الأمن والمتعلق باللحظات التي حصلت فيها المناوشات بين الأمنيين والمحامية. كما عاب بعض المحامين على قاضي التحقيق المتعهد بالملف إبقاءه للمشتبه به بحالة سراح وعدم إيقافه إضافة إلى تنديدهم بما اعتبروه تواجدا كثيفا للأمنيين بمقر المحكمة حاملين لأسلحتهم تضامنا مع زميلهم وللتأثير على قرار قاضي التحقيق.
لكن الأمنيين ومن خلال نقاباتهم نفوا نفيا قاطعا أن تكون لهم أي نية للتأثير على قرار قاضي التحقيق وأكدوا أنهم تواجدوا خارج المحكمة، لا داخلها، وذلك فقط من أجل التضامن مع زميلهم الموقوف ظلما وبهتانا والذي لم يعتد برأيهم على المحامية. كما أن الأخيرة حسب ما صرح به أمنيون لم تكن تقوم بواجبها المهني بالترافع عن مندوبها لدى مصالح الشرطة العدلية، بل كانت متواجدة بمركز الأمن من أجل أحد أقربائها المتواجد هناك بسبب خصومة مع امرأة.
ولعل المؤسف في هذه الحادثة هو التلاسن على مواقع التواصل الاجتماعي بين منتمين للنقابات الأمنية وبعض المحامين وتم التهديد فيها باستعمال السلطة وبالتضييق في الطرقات وحتى بفضح المعطيات الشخصية. ولا أحد تدخل من العقلاء وكبار مسؤولي الدولة وخصوصا رئيسي الجمهورية والحكومة لإيجاد حل لهذه المعضلة التي تمسّ قطاعات فاعلة في الدولة خاصة وأن المتضرر الرئيسي هو المتقاضي وحقه في الدفاع في دولة تفتخر بأنها أول ديمقراطية عربية غير طائفية وغير محروسة من مؤسسة ملكية أو عسكرية.
إضراب المحامين
ونظمّ المحامون التونسيون إضرابا بالزي الرسمي بقصر العدالة بالعاصمة احتجاجا على ما حصل لزميلتهم وأيضا للتنديد بالضغوط الأمنية للإفلات من العقاب التي قيل أنها مورست على قاضي التحقيق، وللتأكيد على استقلالية القضاء. كما تقدموا بشكوى إلى وكالة الجمهورية “النيابة العامة” ضد أطراف أمنية من أجل جرائم الإخلال بالأمن العام واستغلال صلاحيات الوظيفة وهي جريمة مدرجة بالمجلة الجزائية التونسية.
وخلافا للرواية التي ساقها محامو الدفاع عما حصل في المحكمة الابتدائية في بن عروس أثناء التحقيق مع المحامية والأمني المشتبه فيه بالاعتداء عليها، اتهمت رئيسة نقابة القضاة، المحامين الذين حضروا التحقيق مع زميلتهم بالضغط على قاضي التحقيق والتطاول على القضاء. وزاد الطين بلة اتخاذ النيابة العمومية قرارا بتتبع محامين من فريق الدفاع وأيضا المحامية “زاعمة المضرة” مثلما تسمى قبل أن تثبت التهمة على المشبه به، والمشتكية برئيس مركز الأمن ومن معه، وذلك بسبب ما اعتبر تطاولا على قاضي التحقيق من قبل المحامين.
وردا على هذه الإحالات قررت جمعية المحامين الشبان تتبع نقيبة القضاة من أجل جريمة إذاعة أخبار زائفة لحمل الغير على الاعتقاد بوجود عمل إجرامي، وهي جريمة منصوص عليها وعلى عقوبتها بالمجلة الجزائية التونسية. وبالإضافة إلى ذلك قرر أعضاء الجمعية التوجه إلى التفقدية العامة لوزارة العدل للتشكي بوكيل الجمهورية وقاضي التحقيق المتعهد بالملف من أجل الأخطاء المرتكبة، مع تقديم شكوى لدى النيابة العمومية بقاضي التحقيق المتعهد بملف زميلتهم من أجل جريمة الإيهام بوقوع جريمة.
كما قررت الجمعية يتقدمها رئيسها طارق الحركاتي مراسلة اتحاد المحامين العرب والاتحاد الدولي للمحامين واتحاد المحامين الشبان بأفريقيا وسائر المنظمات الدولية وإعلامهم بما تتعرض له المحاماة التونسية من استهداف ممنهج. كما تقرر التوجه إلى مجلس نواب الشعب باعتبار أن المحامين متواجدين بمختلف الكتل البرلمانية وذلك لطلب مساءلة وزيري العدل والداخلية لتقصيرهما في التعاطي مع هذا الملف الخطير الذي زعزع استقرار البلاد وانعكس سلبا على مصالح المتقاضين.
تصعيد حاد
وقررت الجمعية أيضا مراسلة الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب وإعلامها بتقصير وزير الداخلية، الذي هو في الأصل محام، إزاء ما اعتبرته “انتهاكات وجرائم متكررة مرتكبة من قبل الأمنيين” والتي تمسّ على حد تعبيرها في بيانها الرسمي بـ”الحقوق والحريات وتقوض التعايش السلمي بين المواطنين”. كما أعلنت الجمعية التي تهتم بشؤون المحامين الذين لم يتجاوزوا 45 سنة، أنها ستراسل رئيس الجمهورية قيس سعيد بوصفه رئيس مجلس الأمن القومي لتحميله المسؤولية كاملة إزاء ما اعتبرته “تهديدا للأمن القومي والسلم الاجتماعي” خاصة وأن الأمور تطورت تماما.
كما دعت الجمعية إلى عقد جلسة عامة استثنائية تدعو إليها الهيئة الوطنية للمحامين، الهيكل الرسمي المشرف على قطاع المحاماة في تونس، وذلك للنظر في مشروع القانون الأساسي المنظم لمهنة المحاماة الذي يجب برأيها أن تتواجد به ضمانات فعلية وحقيقية لحق الدفاع أثناء أداء المحامي لواجبه المهني دفاعا عن موكليه. كما دعت لمقاطعة جميع الدوائر الجنائية ومكاتب التحقيق بسائر محاكم الجمهورية بالنظر لما يتعرض له المحامون من معاملة سيئة وعدم احترام لحقهم في القيام بواجبهم.
كما طالبت الجمعية الهيئة الوطنية للمحامين بـ”غلق الباب نهائيًا أمام التحاق القضاة بمهنة المحاماة واتخاذ القرارات اللازمة والضرورية في علاقة بالاعتداءات المتكررة والممنهجة على الدفاع”. وفي هذا الإطار قررت الهيئة الوطنية للمحامين استجابة لطلب الجمعية عدم ترسيم أي قاض بجدول المحامين أراد تغيير مهنته مثلما ينص على ذلك القانون، وهو مطلب قديم جديد أصر عليه أغلب المحامين وذلك لسببين. أولهما أنه لا توجد معاملة بالمثل رغم أن القانون يسمح بذلك، وثانيهماّ، وحسب ما يروجه كثير من المحامين، أن العدد المهول للقضاة المتقاعدين أو المعزولين الذين يلتحقون بالمحاماة يمسون من جهة بمصداقية أهل القطاع وينافسون المحامين الشبان في رزقهم ويضيقون عليهم.
ولعل أهم مطالب الجمعية يبقى مطالبة المحامين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بتجميد عضويتهم في هذا الهيكل الرسمي الذي يشرف على قطاع العدالة والمنتخب من رجال القانون. فتجميد عضوية المحامين سيهدد مصداقيته ويمس من قيمته الاعتبارية فيتحول إلى مجلس أعلى للقضاة أو نقابة لقطاع مهني وليس مؤسسة دستورية للإشراف على حسن سير مرفق عام القضاء بوجه عام بجناحيه، أي القضاء والمحاماة.
إن ماهو أكيد أن هناك أزمة حقيقية قديمة جديدة بين القضاء والمحاماة في تونس تؤثر سلبا على مرفق العدالة وتضرّ بمصالح المتقاضين ولا بد من إيجاد حل لهذه المعضلة. فالمحامون يتهمون كثيرا من القضاة باستغلال السلطة للإساءة إلى قطاعهم حتى باتت صفة المحامي تثير ردود فعل لدى بعض القضاة التونسيين كلما تعلق الأمر بقضية يكون أحد أطرافها محاميا. ويرى عدد من المحامين أن السلطة القضائية تقوم في السنوات الأخيرة بتصفية حسابات شخصية معهم ومحاولة تهميش دورهم في مرفق عام العدالة.
وللإشارة فإن نسبة هامة من المحامين التونسيين هم أكاديميون وأساتذة قانون ومراجع في مجالهم من ذوي الزاد العلمي والمعرفي المحترم جدا، ومربون يتخرج على أيديهم سنويا الآلاف من طلبة الحقوق واعتادوا على الاحترام من الطلبة ومن موكليهم. وبالتالي لا يتصور أن يقبلوا بمعاملة تخرج عن إطار توقيرهم ومعاملتهم المعاملة اللائقة بهم خاصة وأنهم يشاهدون كيف تثور ثائرة جمعيات القضاة لمجرد خلاف بسيط مع محام، في حين يتعاملون بهدوء ولين مع قطاعات أخرى مهما أساءت إليهم.
بالمقابل يرى القضاة أيضا أنهم يمثلون سلطة الدولة وهيبتها ووجب بالتالي معاملتهم المعاملة اللائقة من قبل المحامين الذين يسيء بعضهم للسلطة القضائية ويتصرفون بقلة احترام والأمثلة عديدة في هذا الإطار. وبالتالي يبدو البلد بحاجة إلى ميثاق أو مدونة سلوك تنظم العلاقة بين جناحي العدالة يلتزم بها الجميع وتعزل من يسيء إلى الطرف الآخر من الجانبين حتى تبقى العلاقة سليمة لما فيه خير المتقاضين.
هجرة جماعية
ويرى المحامي والحقوقي صبري الثابتي في حديثه لـ ” القدس العربي” أن الأزمة الأخيرة بين المحامين والأمنيين والتي أصبح القضاة طرفا فيها سيأخذ فيها العدل مجراه وهي اليوم من أنظار القضاء، لكن وبقطع النظر عن هذه الأزمة فإن ما تجدر الإشارة إليه أن لسان الدفاع في تونس ما زال غير مرغوب في وجوده وأن السلطات في الدولة يأخذها الحنين إلى أيام الاستبداد. فالنفور من المحامي، وبحسب محدثنا، مأتاه الرغبة في ممارسة السلطة والتعسف بها دون وجود رادع، الذي هو المحامي المدافع عن الحقوق والحريات. ألم تكن أمنية الديكتاتور الفرنسي نابليون قطع ألسنة المحامين؟ هل فكر في حرمان القضاة من سلطاتهم؟ أو فكر في تجريد الأمنيين من أسلحتهم؟
ويضيف الثابتي: “للأسف ما زالت العقليات في تونس غير مؤهلة للقبول بوجود محام يرافق موكله لدى باحث البداية وحتى لدى القضاء، رغم أن البلد يتفاخر أمام الرأي العام العالمي بأنه ديمقراطي. وأعتقد جازما أن قدر هذا الجيل من المحامين التونسيين أن يناضل ويدفع الثمن ويتعرض للإهانة من قبل أصحاب السلطة ليمهد الطريق للأجيال القادمة لتمارس واجبها في الدفاع براحة بال ودون خلق ضغائن مع الأمن والقضاء وغيرهم من أصحاب السلطة.
ويبدو أنه تم التسرع في إقرار إمكانية اصطحاب المشتبه فيه لمحام أمام باحث البداية لأن العقليات لم تتغير في تونس ولم يمض وقت بعيد على الخروج من مرحلة الاستبداد. فنحن بحاجة إلى ظهور أجيال جديدة تربت في مناخ الديمقراطية والحريات قادرة على تقبل الآخر مهما بلغت درجة الاختلاف معه حتى يتم سن مثل هكذا قوانين تضمن حق الدفاع للمتقاضي في جميع مراحل البحث والمحاكمات”.
ويؤكد المحامي التونسي على أن تجربة التقاضي أمام القضاء عموما مريرة ومرهقة ومتعبة إلى أبعد الحدود بالنسبة للمحامين، ويعاني الزملاء في هذا الإطار الأمرين فما بالك بالحضور في مراكز الأمن مع المشتبه به في ظل وجود عقليات استبدادية لم تغيرها الممارسات الديمقراطية؟ وبالتالي يبدو من الأفضل التراجع عن مسألة إنابة محام أمام باحث البداية أو أن تتوفر ضمانات وحصانة حقيقية للمحامي تكفل له أداء مهامه في ظروف ملائمة وأن يتم تركيز كاميرات في أماكن الاستنطاق أو في مكاتب قضاة التحقيق تتم العودة إليها عند الضرورة لمعرفة المذنب، هل هو لسان الدفاع أم باحث البداية أم القاضي.
وفي إطار الضمانات دائما يدعو محدثنا إلى تمثيلية أكثر فعالية للمحامين بالمجلس الأعلى للقضاء لأن التمثيلية الحالية لا يمكن أن تكون ضمانة للسان الدفاع. فالمحامي اليوم في تونس، وبحسب الثابتي، لا فعالية له، ومعه حق الدفاع، ومن الأفضل أن يهجر المحامون مهنتهم هجرة جماعية لأن وجودهم كعدمه، والوضع الراهن لا يكفل محاكمات عادلة للمتقاضين بكل ما للكلمة من معنى في ظل عقليات ترغب في اندثار المحامي من الوجود وفض النزاعات من دونه.
واليوم بين مطالب المحامين وحراكهم المستمر وبين الدعوات إلى التهدئة، تتصاعد المخاوف من أن تمسّ هذه الأزمة السلطة القضائية في تونس بكل ما تمثّله من مكانة هامة في إقرار وتنفيذ أحكام القانون وصون العدالة في مجتمع يعيش تخبطات عديدة وصراعات صعبة في ديمقراطيته الناشئة.