لعل الأجدر بوصف هذه المقاربة هو البحث في دور الأسطورة ورموزها في القصيدة، بما أن نشأة الأساطير تشبه طفولة الحياة وبداية الوعي بها، بحسب علماء الآثار والمتخصصين في الآداب القديمة، وكون الشعر هو أول وسيلة تعبير بدائية اتخذها الإنسان، بعد محاولات الكتابة الجدرانية والترميز الصوري للأشياء، كما في الكهوف الموغلة في القِدم التي تم العثور على بعض منها.
تمثل الأساطير طفولتَنا التي تسمّي الأشياء كما تنعكس في وعينا الأول. تترسخ وتأخذ مكانها داخلنا وتختفي في اللاشعور، ثم تغدو مفردات مهمة في أحلامنا وفي والقصائد. كما جرى في تعامل الإنسان السومري مع أساطيره فدوَّن متونها شعراً في قصائد مستقلة، يتضافر فيها الأسطوري والمقدس والشعري والحياتي في حزمة جمالية واحدة، تنتج ذلك النص، وتبنيه بتلك الفسيفساء المتنوعةِ المراجعِ، والمتعددة الأشكال.
عالم السومريات صموئيل نوح كريمر، والآثاري المنصرف طوال حياته لبقايا حضارة سومر، وأساطيرها الموثقة في أشعارها وألواحها المكتشفة بجهده وآخرين سبقوه وعاصروه وجاءوا بعده، يضع لأحد كتبه عام 1944 عنوان «الأساطير السومرية»، ويُتبعه بعنوان جانبي يلخص ذلك التداخل النوعي، هو «دراسة المنجزات الروحية والأدبية في الألف الثالث قبل الميلاد» مقرِناً المنجز الروحي – الحضاري – بالمنجز الأدبي الذي دوّنت متونُه أساطيرَ عدة تُعرّفنا على تمثيل الإنسان السومري لحياته وما يشغله إنسانياً. مثل قصة خلق الإنسان، والكون وتنظيمه، ومقارعة الشر المتمثل بالحيوانات الكاسرة، كالثعبان والتنين وبعض الأرواح الشريرة، والطبيعة ومرائيها، والموت وتداعياته، والبحث عن الخلود.
ومن جانب جمالي آخر تحتفي تلك الأساطير والقصائد بالماء والزرع والحيوان، وبشكل خاص الأنهار التي هي عصب حياة بلاد ما بين النهرين، حيث تترعرع تلك الأساطير، وتنمو مفرداتها وتفاصيلها، وتتناقلها الألسن في مدن كثيرة جنوب العراق ووسطه وشماله، حيث ممالك سومر وبابل ونينوى. ولوجود إله للماء والحكمة المتحكم في المصائر، تنشأ لدى الإنسان موهبة خلق اليوتوبيا البديلة لمدنه. وقد وثّق أحد الألواح ما أطلق عليه الآثاريون (ملحمة الجنة السومرية) حيث الكون المنظّم، والقانون الذي يسوده في دلمون.
ولعلها ذات الرغبة لدى الإنسان من بعد تلك الآلاف من السنين في خلق يوتوبياه المعاصرة مرات عديدة، وفي أماكن متفرقة من الكوكب. وكذلك ما صدَّر به كريمر كتابه مقتبساً من لوح تحت عنوان العصر الذهبي للإنسان، يصف أحد مقاطعه (وضْعَ الإنسان السعيد في عصر السلام في ذلك العالم، قبل أن يتعرف على الخوف، وقبل صخَب الألسن) كما يلخص كريمر. فنحن نعثر على عالم بديل نحلم به حتى اليوم، حيث لا ثعبان أو عقرب أو ضبع… وحين لم يكن للإنسان منافس. والأرض هي مكان للخصوبة والنماء والمراسم المقدسة.. وليست للقتل والهلاك.
وتؤكد بعض النصوص المرقونة على الألواح الطينية جماعيةَ بعض أفكار القصائد ومغازيها. فالمفاضلة بين الراعي والمزارع مثلاً في أحد النصوص تشبه في طبيعتها الحِجاجية والمحاورات، ما اصطنعه الشعراء العباسيون والناثرون حول المناجزات، كالمناجزة بين السيف والقلم للمفاضلة بينهما، ومثلها بين الشعر والنثر.
وتتسم بعض الأساطير بميزة الكونية، فيفكر بها البشر دون اتفاق أو اطلاع، كفكرة العَوْد الأبدي وانبعاث الأمل بعد الجفاف واليباس والموت، والتحولات والتبدلات الحادة، كالمسخ، أو الانتقال من حال إلى حال مناقضة لها: كالفقر والغنى، والظلم والعدل. وهي أقدار تنظم الأساطير مفرداتها وترتب تسلسلها وصولاً إلى دلالاتها.
ولكن كيف لتلك الأساطير أن تأخذ شكلاً رمزياً يستعيده الأفراد داخل الجماعات البشرية من بعد؟ يجيب كارل يونغ بأن وجود اللاوعي الجمعي المحتفظ وراثياً بالأنماط السلوكية العليا، سيتيح لها أن تظهر مجدداً في أحلام الأفراد وإبداعهم. واستطراداً نقول إن الكتابة الشعرية قرينة الأحلام في يقظة ممكنة للشاعر، ليسجل ما تحتشد به مخيلته. بينما يأخذنا جيمس فريزر من فضاء التحليل النفسي إلى عالَم الأسطوريات ذاته، فيرى أن ثمة تواتراً للأساطير والطقوس في ثقافات إنسانية متباعدة، ما يعني وجود وعي جمعي أسطوري لدى الجماعة البشرية على اختلاف ثقافاتها، وجغرافية عيشها وحياتها.
ويلاحظ رولان بارت أن نسقية الأسطورة تجعلها وسيلة للتواصل وصيغة دلالية وشكلاً له انتظام خاص. ويرى أن الأسطورة وجدت ضالتها في الشعر، فأصبحت تحيا من خلال نصوصه، وصار (الشعر فريسة مثالية للأسطورة) أي أنها تعتاش عليه، وتمد حياتها في متونه. وهو ما حاول البنيويون دراسته نصياً، بفحص بناء الأسطورة داخلياً كما يقترح شتراوس، من أجل اكتشاف النظام الذي يحكمها، مستعينين بعلوم مساعدة دون الاكتفاء بالمعاينة النصية، تلك العلوم التي يسميها نورثروب فراي (جيران الأدب) الذين تجدر بنا إقامة الصلات معهم، ولكن بما يحفظ للنص استقلاليته.
وإذا كانت تلك ملخصات متعجلة للتذكير بالمهمة المعرفية والجمالية للأسطورة، من وجهات نظر المهتمين من حاضنات مختلفة بالحسّ الأسطوري لدى الإنسان وتجسيده نصياً، فإن تعقّب كُمون ذلك الحسّ في القصيدة الحديثة، يعيدنا إلى ما صنعه الشعراء التمّوزيون العرب مثلاً في القرن العشرين، وطوّروا الرمز الأسطوري. وهو قناع يتخذونه للتعبير عن رؤاهم ممثلة في أسطورة تموز الفادي والمنبعث من موته كل ربيع، وما يقابله أيضاً في أساطير سوريا القديمة. وهو ما فعله بدر شاكر السياب حين انكبَّ على وقائع بيئته ومشاهدها، ليصنع منها رموزه الشخصية الممتدة من الأسطورة، حيث يتم ابتداع القوالب الرمزية من تلك الوقائع والمشاهد، وإجرائها في الحياة المعاصرة. فيكون لتموز والمسيح وأيوب مثلاً، وجود وحضور في قرية السياب ونهرها الصغير، وفي وعي البشر ويومياتهم.
فكانت قصائد السياب في المرحلة التي وصفت بالتموزية تحتشد فيها الرموز الأسطورية المتخذة من الفكرة المتسلسلة من الماضي الإنساني وسيلةً لصنع عالم بديل. وقد دافع السياب عن ترميز الحاضر وتغليفه بالحس الأسطوري، بالإعلان عن شعوره بأننا نعيش في عالم لا شعري تهيمن عليه (المادة لا الروح)، فيلجأ الشاعر إلى الأساطير التي تحتفظ بقيمتها، ولا تزيَّف شأن المفاهيم السائدة في هذا العالم.
إنه أراد القول إن الأساطير تحفظ لنا براءتنا فلا يستطيع أحد تحميلها ما يحمّل به القيم المتداولة من معان زائفة. والبراءة كما نفهم صنو الطفولة ورديفتها. لذا فإننا نعثر فيها على ذلك الصفاء والاندفاع في الحياة بدون مغانم ونيات مسبقة. إنها بحق مثال مكرر لطفولة افتقدها السياب نفسه، يتيماً ومنتزعاً من قريته وأفكاره وحبه. وهكذا استعاد ما فقده من خلال الأسطورة وترميز معانيها في شواهد عاصرها وعاش تفاصيلها. ويصبح الرمز قناعاً في حال كهذه.
ومن هنا نفهم تماهي السياب مع رموزه، فيقول: «وأنا المسيح يجر في المنفى صليبه/ بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة». ويصف المدن القاسية قاتلة الأحلام:
«وتلتفّ حولي دروب المدينة/
حبالاً من الطين
يمضغن قلبي ويعطين عن جمرةٍ فيه طينَه
حبالًا من النار يجلدن عُرْيَ الحقول الحزينه
ويحرقن جيكور في قاع روحي
ويزرعنَ فيها رمادَ الضغينهْ
كأنّ الصدى والسّكينه
جناحا أبي الهول فيها، جناحان، من صخرةٍ في ثراها دفينه».
ثم نتساءل: هل تدع ارتباكات حياتنا التي تملأ دروبَها وساعاتٍها الثعابينُ والوحوش، وحيث نعيش قهراً دائماً وظلما سافراً، أن نستعيد طفولتنا وأحلامنا؟
يلاحظ فراس السواح في مفتتح كتابه «مغامرة العقل الأولى» ما يسميه الازدراء الكامل للأسطورة، وإنزالها إلى مرتبة الحكايات المسلّية. ولا ننسى جنايات الفاتحين الجدد ولصوص الآثار الذين حملوا الفكر الأسطوري المدوّن شعراً ونثراً ليضعوه في متاحف بلدانهم. وكذلك جهل المواطن ذاته بقيمة أساطير حضاراته القديمة ومدوناتها، فراح ينهبها بصور تنمّ عن جهل تام بقيمتها.
فكم بُني بالآجر وطابوق بابل القديمة من المباني السكنية الجديدة؟ وكيف تسلق قطعان داعش القتلة جدران نينوى القديمة في صيف عام 2014 ليكسروا الثيران المجنحة واللقى الآشورية، بوحشية تناسب ظلامية فكرهم، وحربهم على البراءة والأحلام والحياة؟
كتاب كريمر ظهرت عام 1923 ترجمة أخرى له ببغداد، أنجزها الدكتور حميد المحمداوي، قمت بالاستشهاد بالنصوص منها. وفيها حديث ينطوي في قراءتنا اليوم على مفارقة، فهو يذكر منطقة بسمايا السومرية في وسط العراق التي تعرف باسم (أداب) في التراث الرافديني. لكنها لا تنال اهتماماً كافياً، بل لا يكاد كثير من مواطني واسط يعرفون تاريخها، ولا يتعلم الطلبة ما كان لها من دور حضاري.
إن ذلك كله لا يدعو للعجب اليوم، بعد أن شهدنا تضييع ذاكراتنا، ومصادرة حضاراتنا، وخذلان ذواتنا بسقوط أحلامنا ورموزها ومسمياتها أيضاً.