الحنين للماضي حالة نفسية تنتاب عادة كبار السن. أجمل ما فيها أن صاحبها وهو يشتاق للماضي، لا يقابل أحدا ممن عرفهم أيام الشباب خاصة النساء، لأنه لو قابلهن سيراهن عجائز مثله وتنتهي القصة، خاصة إذا كانت بينهم قصص عاطفية يوما ما. هناك هذه الأيام في مصر حنين إجباري للماضي، يشمل الأعمارالمتقدمة والمتوسطة وهي تفكر في ما حولها. المدهش أن الحرب في أوكرانيا كانت السبب فيه. لقد ظهرت موجة من الغلاء بسرعة، حتى تملكني الضحك.. آه والله الضحك من موجة غلاء الأسعار، التي بدأت في اليوم التالي للهجوم الروسي على أوكرانيا. في اليوم التالي وليس حتى بعد شهر. لا يوجد صبر. وكان السبب ما قيل ورددته بعض القنوات التلفزيونية من استيرادنا للقمح من أوكرانيا، ورغم أن الدولة أعلنت أن ما لدينا يكفينا أربعة أشهر، بعدها سيكون القمح متوفرا من حصاد المزارعين لحقولهم، ولن تكون هناك مشكلة، إلا أن الأمر لم يشمل رغيف الخبز فقط، بل شمل كل شيء. الخضار والفاكهة واللحوم والأسماك، وما تشاء من الطعام، وبدأت المتاجر الكبرى تخفي بعض ما لديها من أجهزة مستوردة، أو مصنعة محليا حتى يأتي يوم قريب ترتفع فيه أسعارها أيضا.
هكذا ظهر بوضوح أن الدولة غائبة عن الأسواق وجشع التجار، ورغم أن أحدا لا يصدق أن ذلك يحدث في غياب الدولة، لكني أصدقه إلى حد ما، خاصة أني رأيت من قبل، كيف ليلة ارتفاع سعر البنزين مثلا ربع جنيه للتر، ترتفع أسعار كل شيء في الليلة نفسها بحجة أن نقل البضائع صار مكلفا، رغم أن الزيادة ربع جنيه في اللتر فقط، وأيّ سيارة نقل صغيرة تنقل الخضار لن يكون فوقها أقل من مئتي كيلوغرام. ولو حسبت الزيادة في البنزين ستجدها لا تزيد عن عشرين جنيها لتموين السيارة، فإذا قسمتها على المئتي كيلوغرام سيزداد سعر الكيلو عشرة قروش على الأكثر، لكن الذي يحدث أن سعر الكيلو من الخضار، أو أي نوع من الطعام يزيد جنيهين أو ثلاثة جنيهات.
ومن فضلك زيادة عشرين جنيها في تموين السيارة بالبنزين تكفي لأكثر من مشوار، وليس مشوارا واحدا. المهم عاد الشباب أيضا مع الكبار على الميديا إلى أسعار أيام زمان، فتذكروا أنور وجدي وفيروز في فيلم «ياسمين» الذي أنتج عام 1950 ووجدا في الطريق ليلا ريالا معدنيا، أيّ قطعة معدنية تساوي عشرين قرشا وقتها، فغنت فيروز أغنيتها الفاتنة وأنور وجدي ينفخ في البوق صانعا مقطوعة موسيقية مذهلة، هي أصلا ليست له، ولا كان يعزف، بل هي من فيلم أمريكي قديم كان اسمه «نجمة الشمال». جعلت الموسيقى من الأغنية شيئا فاتنا، رغم الأسف لوقوع الريال من فيروز الصغيرة الجميلة وضياعه أيضا بعد الأغنية.. تقول الأغنية التي عشقناها ونحن اطفال:
معانا ريال معانا ريال
ده مبلغ عال مهوش بطال
نروح في الحال على البقال
معانا ريال معانا ريال
نجيب أصناف من التموين
تكون مليانه بالفيتامين
علب سردين وقمر الدين
وجوز ولوز وبندق وتين
معانا ريال معانا ريال
معانا ريال معانا ريال
يلا نجيب لحمه وخضار
يلا نجيب عربية بكار
نجيب ممبار نجيب كفيار
وخس واوطه وحمل خيار
إلى آخر الأغنية الجميلة.
لكن ذلك لا يكفي.. انفتح الأمر إلى الأسى حقا، وإلى الضحك أيضا. تذكرت أنا في نهاية الخمسينيات حين أرادت الدولة رفع الأسعار فغيرت نظام الوزن من «الأقّة» إلى الكيلوغرام الذي هو «أقة» إلا ربعا، مع الاحتفاظ بالسعر نفسه. أطلق الناس على رئيس الوزارة وقتها بطل رفع الأسعار، لكن كل ذلك يبدو قديما، خاصة حين نشر أحد الرواد على تويتر مشهدا من فيلم «العتبة الخضراء» والفنانة صباح في محل جروبي الشهير للحلويات تسأل البائع عن سعر ألف وخمسمئة قطعة جاتوه، فأخبرها ثلاثين جنيها. وحسبة بسيطة تكتشف أن قطعة الجاتوه تساوي قرشين. الآن قطعة الجاتوه في جروبي يمكن أن تصل لعشرين جنيها.
بالإضافة إلى ما حدث من زيادة في النسل والتشجيع عليه من قبل الجماعات السلفية. كان مدهشا حقا ذهابُ العقول إلى السنوات الماضية والبحث فيها عن ملجأ للروح، رغم أن هذا الملجأ لن يتجاوز الفضاء الافتراضي. ظهرت فيديوهات تتندر على رغيف الخبز الذي صار أقل من كف اليد.
فيلم ي»ياسمين» قديم كان عام 1950 وفيلم «العتبة الخضراء» كان عام 1959 لكن الأسي والضحك ذهب إلى أفلام كان سعر الجنيه المصري فيها خمسة دولارات، أو دولارين ونصف الدولار على الأقل، في الستينيات، كما ظهر ذلك في فيلم «الرجل الثاني» الذي تم إنتاجه عام 1960. لكني تذكرت الأقرب، سنوات السبعينيات، التي كانت فيها الأسعار تافهة قياسا إلى ما يحدث الآن، حتى أننا إلى عام 1977 لم يتجاوز سعر كيلو اللحم سبعين قرشا. وحين خرجنا في مظاهرات ذلك العام بسبب غلاء الأسعار، كان هتاف «سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بأه بجنيه» من أجل الموسيقى فقط للهتاف، فلم يكن الكيلو قد وصل إلى ثمانين قرشا، وكان سيد مرعي هو وزير الزراعة وقتها. الحديث عما جرى منذ سياسة الانفتاح مع السادات سهل، وتتمتها مع مبارك من التخلص من المصانع والاعتماد على الاستيراد والاعتداء على الرقعة الزراعية فقلّت المنتجات، إلى آخر ما هو معروف من تحول من دولة منتجة إلى حد كبير إلى دولة مستوردة.
بالإضافة إلى ما حدث من زيادة في النسل والتشجيع عليه من قبل الجماعات السلفية. كان مدهشا حقا ذهابُ العقول إلى السنوات الماضية والبحث فيها عن ملجأ للروح، رغم أن هذا الملجأ لن يتجاوز الفضاء الافتراضي. ظهرت فيديوهات تتندر على رغيف الخبز الذي صار أقل من كف اليد. لقد ارتفع سعره بسبب حرب أوكرانيا، ولم يرتفع سعره في أوكرانيا نفسها، وطبعا ولا في روسيا المحاصرة من أوروبا وأمريكا. طبعا كل التعليقات من المذيعين أو بعض المسؤولين، أو حتى المثقفين عن ضرورة تغيير العادات مع الطعام لاقت سخرية لا أحب أن أذكرها، وصارت مدعاة للضحك أيضا. للأسف نحن لا نعرف نوع الحكم السائد. طبعا لم يعد حكما اشتراكيا تتحمل فيه الدولة المسؤولية، لكن في أي نظام حكم رأسمالي تترك الدولة الأسواق لهذه الفوضي وعدم المسؤولية؟ هذه الفوضى تجعل الناس يتهمون الحكم بأنه السبب والمستفيد مما يحدث. صحيح أن الناس لن تخرج محتجة بعد ما أصاب ثورة يناير/كانون الثاني من فشل وتشويه، لكن لماذا هذا الخصام مع الناس دون مبرر حقيقي؟ ألا يفكر أحد أن النوستالجيا لأسعار الزمن القديم، يمكن أن تأخذ الناس إلى السينمات قديما والمسارح، والمدارس التي كانت مراكز ثقافية بما فيها من جماعات للشعر والتمثيل والموسيقى والرحلات وغيرها ، وإلى الحدائق والشوارع النظيفة، وإلى المستشفيات والعلاج المجاني وفرص العمل وسهولة الزواج إلخ إلخ.
نعود إلى الضحك مع النوستالجيا ونفكر، هل كانت الأسعار في مصر على هذا النحو الذي جاء في الأفلام القديمة حقا؟ كانت بالفعل كذلك وارتفعت قليلا في السبعينيات والثمانينيات ثم انفجرت، فالدولار في الثمانينيات لم يتجاوز الجنيه، لكن الأمر تغير في التسعينيات وما بعدها، وتغير أكثر مع السياسة الاقتصادية التي لجأت لتعويم الجنيه منذ خمس سنوات حتى غرق، لكن يظل الوقت الذي أمضيته مع الضحك بسبب الحديث عن أسعار زمان هو الأجمل لي. لقد نالتني العدوى فأول مرة أتناول رغيفا بعد التصغير وارتفاع الثمن، وجدته لن يتحمل قضمتين، فرحت أقطع منه قطعا صغيرة لا تزيد عن سنتيمترين، ليصمد أمامي ولا يشعر بأي إهانة لحقت به من تصغير حجمه.
روائي مصري