الإيقاع الخاص في شعر ت. س. إليوت: موسيقى الأفكار

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

هذه هي عبارة البروفيسور آي.أي. ريتشاردز (1893- 1979) الأستاذ في جامعة هارفرد (1939- 1963) التي دَعَته ُمن جامعة كمبرج (كلية مودلن/ المجدلية) وكان مؤسس مدرسة “النقد الجديد” التي طبعت الأعمال النقدية في القرن العشرين.

في أولى أعماله النقدية “مبادئ النقد الأدبي” 1924 تحدث ريتشاردز عن الغموض في الشعر قائلا إن الغموض سِمَةُ الكثير من الشعر الفائق ومنه شعر إليوت. وفي الطبعة الثانية لذلك الكتاب، 1926 أضاف ملحقَين متوسعا ًفي الحديث عن شعر إليوت الذي بدأ بالظهور عام 1909 وبخاصة عن قصائده في طبعة 1917 وبشكل أكثر تفصيلا ًفي قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب” الصادرة عام  1922 أي بسنتين قبل صدور “مبادئ النقد الأدبي” وبذلك يكون أول من تناول بالنقد الجاد شعر إليوت.

يصف ريتشاردز شعر إليوت بأنه “موسيقى أفكار” ويمثل لذلك بقصائد مبكِّرة مثل “مقدِّمات”  و”أغنية حُبّ جي. الفريد بروفروك” و “الرجال الجوف”. قصيدة “مقدّمات” تقوم على أربعة مقاطع تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر سطراً/ بيتًا. والعنوان “مقدِّمات” يوحي بالمقدِّمات الموسيقية التي تعرض ملامح الموضوع الرئيس في القطعة الموسيقية السيمفونية تمهيداً للعمل الموسيقي الأطول. وهذا أوّل إيحاء بالطبيعة الموسيقية في شعر إليوت. وهنا يتساءل القارئ العربي: أين الوزن والقافية في هذا الشعر؟ والجواب أن الوزن في الشعر التراثي يقوم على الإيقاع، لكن نبرة الإيقاع في هذا الشعر الجديد لا تشبه إيقاع الشعر التراثي، إغريقيّا، لاتينيّا، أو عربيّاً. فهو إيقاع خاص لا تُخطِئهُ الأذن الحسّاسة. هذه ترجمة للمقطع الأول من أربعة مقاطع قصيدة “مقدمات”:

يُخيِّم المساءُ الشتائي

مع روائح الشواء في الممرّات.

الساعة السادسة. أعقابٌ محترقةٌ لنهاراتٍ مُدَخَّنة

وهذه زَخَّةٌ عارمةٌ تُغلِّفُ

البقايا المتَّسِخة

من أوراقٍ ذاويةٍ حولَ قَدمَيك

وجرائدُ من ساحاتٍ خاويةٍ.

الزخّاتُ تصطفِقُ

على ستائرَ مكسَّرةٍ وأُغطية مداخِن،

وفي زاويةِ الشارع

حصانُ عربةٍ مُستوحِد ينفثُ البُخار ويدقّ بحوافره.

ثم تُضاء المصابيح.

نلاحظ في ترتيب الأسطر/ الأبيات أربع تفعيلات في أوّل سطرين/ بيتين، وتفعيلتين في السطر/ البيت الثالث االلاحق. وهذه التفعيلات أربع من الوزن الأيامبي: قصير/ طويل أو خفيف/ ثقيل. ويستمر هذا النظام في كل مقطع مما يوحي بالوزن الأيامبي التراثي في الشعر الإنكليزي، ولو أننا نجد أحيانا دخول تفعيله التروكي أي طويل/ قصير أو ثقيل/ خفيف. وهذا ما نجده أحيانا في أفضل أمثلة الشعر الإنكليزي، من شكسبير فنازلاً. لكن هذا لا يسيء إلى تواتر التفعيلات في القصيدة، كما قد تشذ نغمة موسيقية عن سياقها، ولا تلبث أن تعود للانسجام في النسق العام للتفعيلات.

أمّا القافية فنجدها هنا تطلّ برأسها عرضيا، وتتكرّر لاحقاً على غير توقّع. فنجد قافية السطر الثاني تتكرّر في الرابع، وقافية السطر الخامس تتكرّر في السادس، وقافية السطر السابع تتكرّر في التاسع، وقافية السطر الثامن تتكرّر في العاشر، وقافية السطر التاسع نفسها تتكرّر في السطر الحادي عشر. ويختتم المقطع بقافية السطر الثاني عشر، التي تتكرّر في السطر الثالث عشر، والأخير.

هذه إذن قصيدة فيها وزن وقافية لا تتبع النظام التراثي في الغنائية الشكسبيرية مثلا، ولا في نمط  “البالاد” وكلاهما مستعارٌ من خارج التراث الإنكليزي. فلماذا نستغرب أن يقوم شاعر لاحق بتغيير أو تطوير نظام وزن وقافية إذا كان ما يقدِّم من شعر يفيد معنى، وهو الشرط المفضّل في تراثنا الشعري، ويفوق شرطي الوزن والقافية؟ والمعنى في “مقدِّمات” كما في القصائد الأطول مثل “أغنيه حُبّ جي. الفريد بروفروك” و”جيرونشن” و”الرجال الجوف” وحتما في “الأرض اليباب” هو معنى يعرض في أفكار تُقدَّم موسيقياً في عرض موجز أوّلاً، يتبعُه ُتوسيعٌ واستطرادٌ وعودةٌ الى المسار الأوّل، وإشاراتٌ وتلميحاتٌ إلى قصائد أخرى تستدعي حضورها في الذهن أثناء القراءة، وتُغني النص بين يَدي القارئ، أو تستثير شعوراً بالتقصير في عدم معرفة ما يشير إليه الشاعر من أفضل ما قاله الشعراء من هوميروس إلى المعاصرين، كما يريد إليوت في حديثه عن التراث والموهبة الفردية.

ما هي الأفكار التي تقدّمها “مقدّمات” موسيقيا ًهنا؟ أفكار عن حياةٍ شبه عقيم: مساء شتائي ينتهي برائحة الشواء في ممرّات مجمّع سكني، والعشاء في بريطانيا هو الوجبة الأهمّ في يوم شتائي، بعد نهار مدخّن: ضباباً أو دخان مصانع، وليس حول المجمع السكني سوى قطع أراضٍ خاوية لا مساكن فيها، بل أوراق شجر ذاوية ومِزَق جرائدٍ تعصف بها ريح الشتاء التي كسّرت أغطية المداخن أعالي البناية. وعلى الأرض على ناصية الشارع عربةٌ، حصانُها بَرِمَ بوقوفه تحت المطر، ولا من راكبٍ في العربة يريد توصيلة، ولا حركةَ سوى دقّ الأرض بحوافرَ تنتظر حركةً ولا مِن حركة… ولا يحدث شيء سوى ظهور النور في مصابيح الشوارع مساءً، نور لا يبدّد كثيراً من ظلام المساء الشتائي في حياةٍ لا حياةَ فيها.

هذه الأفكار تتكرّر في صور أخرى، في قصائد لاحقةٍ عن حياةٍ شبه عقيم. ففي “أغنية حُب جي. الفريد بروفروك” ما يستثير السخرية في الإسم نفسه الذي يتشبّه باسم شخص مهم. لكن بروفروك هذا لم يقع في الحب، بل راح يبحث عن الجنس بديلا، في “غُرف فنادق لليلة واحدة” في شوارع مظلمة شبه خاوية. يذهب متردّداً خائفاُ، يقدِّم خطوةً ويرجع بأخرى، لأنه مثل إنسان عصره، خائفٌ متردِّد، يعرفُ ولا يعرفُ ما يريد، ويُحاول أن يقنع نفسه “أنه قد عرَفهنّ جميعاً” لأنّه قد خَبِر الحياة التي كان “يقيسها بملاعق القهوة” التي يستهلكها كل صباح، وياله ُمن إنجازٍ عظيم!

الإقدام المتردّد والإحجام صفه إنسان بدايات القرن العشرين، كما يرى إليوت ويصوّره في مجموعة قصائده الأولى عام 1917.

وفي “الأرض اليباب” نجد هذه الصورة بتوسّع أكبر. فالحياة في بدايات القرن العشرين، وخاصة في شرق أوروبا، قد انقلبت إلى ضدّها، كما يراها إليوت بعد الحرب العالمية الأولى. فالربيع من الزمان لم يعُد ربيعا ًمُمرِعاً، بل صار “نيسان من أقسى الشهور، يولِّد الليلَك في الأرض الموات” وصار الحديث عن “دفن الموتى” وليس عن انبثاق الحياة في الأرض وقد غدت يباباً لانحباس المطر عنها، لأن إنسان العصر قد نسي التراث والإيمان، ولن يعود المطر باعث الحياة في الأرض اليباب إلا ّعندما يستعيد إنسان العصر عنايته بالتراث والإيمان. هذه صور شديدة التوسّع عن صورة العُقم في حياة بروفروك، والوحدة والفراغ في صُوَر “مقدّمات” إذ تتكبّر فكرةً في بروفروك وتغدو أكثر وضوحًا بل إيلاما ًفي صورة المرأة المستوحدة في غرفتها التي لا حياةَ فيها ولا علاقةَ مع الناس، سوى ذلك العاشق العابر، دميم الخِلقة، ذي الوجه المدمّل، الذي لا تخرج أحاديثها معه عن: ماذا سنفعل اليوم… الماء الساخن في العاشرة، أي الذي لا يشبه الشاي المأمول، وعربة مسقوفة إذا أمطرت. تتردّد صوَر الخواء وتتصادى في قصيدة “الأرض اليباب”. فالحب على المستوى الأعلى ضائع في عودة الحبيبة المنتظَرة، لأن “البحر فارغ وعميق” ولا أثر للسفينة العائدة بالحبيبة. والمدينة المعاصرة مدينة وَهمٍ، والعابرون على الجسر نحو مكاتب أعمالهم أشبه بمسيرة الموتى في أوصاف “الكوميديا الإلهية”. حياتُهم تبدأ بدَقّةِ الساعة التاسعة حيث يَدلفون إلى ظلام المكاتب إلى الساعة الخامسة مساءً. صُوَر الجمال الأنثوي هنا ليس جمالاً، بل هو “حُسن ُالحضارةِ مَجلوبٌ بتَطريةٍ” من أنواع المراهم، والدهون، والعطور أمام امرأةٍ “عاشقةٍ بالرُّغم منها”. والمرأة المستوحدة المعاصرة تتوسع صورتها في شخصية “ليل” التي بقيت تنتظر عودة زوجها من الحرب، نجدها مع امرأةٍ مستوحدةٍ أخرى تجالسها في حانة. والحديث الشيّق عن ماذا؟ اعن أسنان “ليل” التي سقطت ولم تحاول إصلاحها بصرف النقود التي أعطاها الزوج قبل الذهاب إلى الحرب! أيّ حديثٍ ممتعٍ ٍهذا وأية حياةٍ أشبَه بدَرَناتٍ يابسةٍ! كل هذا يقف على النقيض من مشهد حُب لم يعُد موجوداً إلاّ في ذاكره نهر التيمس الذي كانت زوارق العشاق تجري فوقه. أمّا اليوم فالنهر لا يحمل سوى قناني فارغة وذكرياتِ عشّاق عابرين من “أبناء مديري الأعمال التجارية في قلب العاصمة” فالكلّ باطلٌ وقبضُ ريح!

 وتستمر صور الحياة اليباب وغياب الحب، حتى يستعيد الإنسان المعاصر تُراثه الحضاري في تذكّر جوانب من ذلك التراث في مقتطفات شعرية بلغات عديدة، ويستعيد إيمانه. عند ذلك يهدر الرعد ويهطل المطر وتنتهي الصورة إلى: سلام، سلام، سلام. ولكن باللغةِ السنسكريتية، لغةِ أقدم الحضارات، قبل الحضارة الأوروبية.

تكرّر هذه الصور للأفكار التي تقدّمها هذه القصيدة عَرضاً وتطويراَ وتنويعاً هي ما يريد الناقد قوله: إنّها موسيقى أفكار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية