في الوقت الذي يتهافت القادة العرب لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتباره نصرا مؤزرا، تجري خلفهم تحضيرات حثيثة جدا لتفعيل خطة أمريكية قديمة تحل محل تقسيمات «سايكس وبيكو»، التي جرت قبل أكثر من مئة عام وتحول هذه الدول الى التبعية الأمريكية بدل التبعية التقليدية للاستعمار الأوروبي.
يميط المفكر المصري المعروف وسيم السيسي في مقابلة تلفزيونية حديثة مع برنامج «ديوان الملا» الخليجي، اللثام عن مخطط مرسوم وموجود، أعده برنارد لويس، وتقدم به عام 1980 زبيجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الراحل جيمي كارتر، وخضع لدراسة من الكونغرس الأمريكي لمدة ثلاث سنين، وفي 1983 صوتوا عليه بالإجماع وأقر الكونغرس الأمريكي هذا التقسيم والذي أتى كالتالي:
السعودية قسمت الى ثلاث دول. مصر قسمت الى أربع دول. العراق قسم الى ثلاث دول. وسورية قسمت الى أربع دول. والسودان قسم الى ثلاث دول.
العراق على سبيل المثال قسم الى دولة شيعية في الجنوب عاصمتها البصرة. سنية في الوسط عاصمتها بغداد. كردية في الشمال عاصمتها الموصل.
مصر قسمت الى دولة مسيحية في الشمال، عاصمتها الإسكندرية. دولة سنية من جنوب الدلتا حتى أسيوط عاصمتها القاهرة. من الدلتا مع جزيرة سيناء كلها دولة فلسطينية، تحت الهيمنة الإسرائيلية. ومن أسيوط حتى شمال السودان دولة نوبية عاصمتها أسوان.
كما أن وسط السودان دولة سنية عاصمتها الخرطوم. وجنوب السودان ينفصل ويصبح دولة مسيحية عاصمتها جوبا. تحقق هذا في السودان بعد 31 سنة، وهذا يؤكد أن نفس الغربيين طويل ومتحقق.
ولم تخف وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس ذلك، بعد سقوط العراق، حيث تحدثت عن مستقبل سوريا واليمن وليبيا، وقالت إن مصر هي الجائزة الكبرى، لأن مصر والموجودة منذ 5619 قبل الميلاد، حتى الآن هي حكومة مركزية لم ينفرط عقدها في كل تاريخها أبدا.
ويرى المفكر المصري في المقابلة أن تقسيم مصر بالتحديد هو «عشم إبليس بالجنة»، لأن سقوط مصر يعني سقوط المنطقة كلها والعالم القديم.
ولو نظرنا الى سوريا، فإنها وفق الكثير من الخرائط الحديثة المنتشرة والمسربة الآن قسمت بالفعل الى دولة كردية في الشمال، تضم أربع محافظات، وسنية في الوسط تضم دمشق وحمص وحماة وإدلب، وربما حلب، ودولة علوية في الساحل، تضم اللاذقية وطرطوس وجبلة، وما جاورها تحت نفوذ روسي. ومنطقة جنوبية درزية تضم محافظة السويداء والقنيطرة ودرعا، حتى حدود ريف دمشق في مدينة جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا والدير علي، على تخوم العاصمة دمشق.
ولم يخف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في مقابلة تلفزيونية معه هذا الأسبوع تحقيق هذا النصر التاريخي في سوريا، وعرج على مستقبل اليمن كذلك.
ويبدو أن عزف الطبول في نيويورك والعرس عند الجيران. والقمم العربية تنام في عسل السلطة.
لعنة المهاجرين
في الوقت الذي أظهر فيديو انتشر هذا الأسبوع على وسائط التواصل رجال الشرطة الأمريكية يتعاملون بوحشية مع مواطنة تعترض على الترحيل المهين للمهاجرين الى بلادها باعتبار أن أمريكا كلها بلد وموطن المهاجرين، نرى صورتين مغايرتين واحدة من كندا وأخرى من بريطانيا حول الحملة المسعورة ضد المهاجرين.
في الفيديو الأول تقول القاضية الكندية للمهاجرين، الذين كانوا قد دخلوا البلاد بطرق غير شرعية في جلسة منح الجنسية لثمانين مهاجرا: «أيها السيدات والسادة.. نحن نعلم الرحلة الصعبة التي قطعتم، والأوطان الغالية التي فارقتم طمعا بمصير أفضل، لتستقروا في هذا البلد الرائع. أيها الناس نحن فخورون بهذا الاستقطاب لثمانين إنسانا ينتمون إلى أكثر من ثلاثين جنسية. دخلتم هذه القاعة مهاجرين وتخرجون منها مواطنين مثلي لا أتميز عنكم بشيء. أقول لكم، أنتم بهذا البلد في سلام آمنين! اعتنقوا الدين الذي به تؤمنون. تنقلوا واعملوا في أي مكان تحبون. وادخلوا البلد وغادروه في اللحظة التي ترغبون. تعلموا قول الحق والعمل به ولا تخشوا في ذلك لومة لائم.. علموا أولادكم ذلك.. وعلى محاربة كل ألوان التمييز العنصري كونوا حريصين».
ثم ختمت: «والآن قوموا فلنسلم بعضنا على بعض».
عندها لم يستطع معظم من في القاعة إمساك دموعه مبللة بذكريات مؤلمة من جمهوريات الخوف وبلدان التشرد العربية والافريقية التي أتوا منها. هكذا فقط تبنى الأوطان ويربى البشر التربية التي تليق بهم.
على الجانب الآخر من الأطلسي يوبخ ماثيو رايت، مذيع راديو «أل بي سي» البريطاني الشهير، محتجة بريطانية تتصل لتهاجم المهاجرين الى بلادها، فتقول له: نحن ننفق أكثر من تسعة ملايين جنيه إسترليني في اليوم. نحن نستقبل أكثر من ألف مواطن كل يوم. لا نعرف ما هي الأمراض التي يحملونها معهم وما هي الجرائم التي ارتكبوها»!
ليقاطعها المذيع قائلا: ولا نعلم أيضا ما هي الفوائد العظيمة التي يجلبوها معهم لمساعدة هذا البلد؟ ويضيف إذا كنت تريدين فقط تشويه هؤلاء المساكين، فعليك أن تخجلي من نفسك أولا، هل هذا كل ما تفكرين فيه، فهم بشر مثلك أخوة وأخوات في الإنسانية. فأضافت « لا أريد لابني أو ابنتي أن يعيشوا في بلد مسلم»!
في المقابل توجه المذيعة الأمريكية أنا كاسباريان رسالة من منبرها التلفزيوني، تقول فيها: «لا أريد أن أسمع نحيبكم عن المهاجرين، وأنتم تدعمون الحروب في الشرق الأوسط»!
وتضيف: أريد من الحكومات الغربية كلها أن تسمعني وأنا أوجه هذه الرسالة، بما فيها الولايات المتحدة وخاصة أوروبا، لا أريد أن أسمع أي شيء من قبلكم حول مسألة الهجرة وأنتم تدعمون كل الديكتاتوريات في الشرق الأوسط، أو تلتزمون الصمت، في ما يحدث في الشرق الأوسط، لأن إسرائيل تريد أن تبني إمبراطوريتها! فالتهجير الجماعي الذي نشهده الآن هو نتيجة دخولنا الى تلك الدول وتفجيرها وتخريبها والاطاحة بالحكومات، التي لا تعجب إسرائيل! كل هذا يؤدي الى هذه الهجرة التي تسمونها «غير شرعية». وتتساءل: هل تعتقدون أن هؤلاء يريدون الذهاب الى بلدانكم المتعفنة؟ وتجيب أعتقد أنهم يفضلون البقاء في بلدانهم بين أهلهم وأحبائهم، لكنهم لا يستطيعون الآن العيش في أوطانهم لأنكم تخربونها وتدمرونها، هذه هي الحقيقة الساطعة، وعليه إذا كنتم لا تريدون أسلمة بلادكم، ما رأيكم أن تتوقفوا عن دعم استباحة إسرائيل لهذه المجتمعات ومساعدتكم لها على هذا التخريب الممنهج»!؟
طبعا، بعض التوجهات العنصرية تحاربها الدولة البريطانية دون هوادة، وكذلك غالبية الشعب هنا، لكن في المقابل هي رسالة للمهاجرين والمغتربين أن سلوكهم في المجتمعات الغربية يحدد مستقبل العلاقة لهم ولأبنائهم وأبناء جلدتهم في دولهم الجديدة، فمحاربة التطرف واليمين تبدأ من سلوك هؤلاء وانخراطهم في هذه المجتمعات والخدمات التي يقدمونها ويساهمون بها في المجتمعات المتحضرة الجديدة.
كاتب من أسرة «القدس العربي»