تونس-“القدس العربي”: يأخذ موضوع الاستثمار في قطاع الطاقات المتجددة أو الاقتصاد الأخضر، حيزا هاما من اهتمام أصحاب القرار في تونس، ويرى عديد المراقبين ان الارتكاز على الطاقات البديلة في إطار التنمية المستدامة يمكن ان يشكل طريقا للخلاص من الأزمات الاقتصادية والأعباء الكبرى التي تواجهها ديمقراطية تونس الناشئة في ظل انتقالها السياسي والاقتصادي الصعب.
و”الأمن الطاقي والمائي والغذائي” وأهمية التكنولوجيا المتقدمة وتأثيرها على التنمية الاقتصادية وغيرها من المسائل، كانت محور المباحثات والنقاشات التي تضمنتها الدورة الأولى للندوة الدولية حول التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والتنمية الاقتصادية التي احتضنتها تونس مؤخرا بتنظيم جمعية المجتمع الدولي للمعرفة ومعهد الدراسات التجاربة العليا في قرطاج وعدد من الفاعلين الاقتصاديين المحليين والدوليين. وتؤكد أميرة قدور الاستاذة الجامعية الباحثة في المالية بجامعة قرطاج لـ “القدس العربي” على أهمية خلق منظومة تشاركية بين المجتمع الأكاديمي والمهنيين ومراكز البحث والتطوير وذلك من أجل تفعيل منظومة اقتصادية مستدامة تنبني على استعمال الطاقات المتجددة والتكنولوجيات الحديثة. وأضافت “ان خلق ثقافة اقتصاد يحترم البيئة هو من الأهمية بمكان باعتباره يأخذ بصفة جادة التحديات المناخية التي يشهدها العالم”. وقالت إن من الضروري أيضا توجيه جهود الباحثين نحو الأولويات الوطنية أي الاكتفاء الطاقي الغذائي والمائي باستعمال التكنولوجيات الحديثة بما تمتلكه من مقومات أساسية وموارد خصبة كفيلة بدفع عجلة الاستثمار والنمو الاقتصادي.
والطاقة المتجددة هي المستمدة من الموارد الطبيعية التي تتجدد أي الّتي لا تنفد. وتختلف جوهرياً عن الوقود من بترول وفحم وغاز طبيعي، أو الوقود النووي الّذي يستخدم في المفاعلات النووية. ولا تنشأ عن الطّاقة المتجددة عادةً مخلّفات كثنائي أكسيد الكربون أو غازات ضارة تعمل على زيادة الاحتباس الحراري. وتنتج الطّاقة المتجددة من الرياح والمياه والشمس، كما يمكن إنتاجها من حركة الأمواج والمد والجزر أو من طاقة حرارية أرضية وكذلك من المحاصيل الزراعية والأشجار المنتجة للزيوت، وتستخدم الطّرق التي تعتمد على الرياح والطّاقة الشمسيّة على نطاق واسع في البلدان المتقدّمة وبعض البلدان النّامية؛ وهناك بلدان عديدة وضعت خططاً لزيادة نسبة إنتاجها للطّاقة المتجددة بحيث تغطي احتياجاتها من الطّاقة بنسبة 20 في المئة من استهلاكها عام 2020.
ويشار إلى أن ثماني مركزيات لطاقة الشمس والرياح، ستنجز قريبا في تونس بقدرة إجمالية تصل إلى 1000 ميغاوات، منها 60 في المئة مصدرها الشمس و40 في المئة متأتية من الرياح. وينتظر أن تشهد السنة المقبلة مع دخول محطة توزر الفوتوضوئية التي بصدد الإنجاز والمقدرة استثماراتها بأكثر من 600 مليون يورو تحسنا في نسبة الطاقة البديلة المستخدمة في تونس.
توجه استراتيجي
لقد أحدثت تونس صندوقا للاستثمار في الطاقة المتجددة الهدف منه تطوير استعمال هذه الطاقة غير الملوثة للبيئة بالتوازي مع استعدادها لإنشاء أكبر محطة للطاقة الشمسية بالتعاون مع بريطانيا. وبالتوازي مع ذلك أعلن في مجلس وزاري منذ يومين إنشاء محطات للطاقة الشمسية في مدن تونسية درجة حرارتها مرتفعة على مدار السنة كما تطاوين وتوزر والقيروان وغيرها، بالإضافة إلى تركيز محطات جديدة لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح بالشمال تضاف إلى المحطات السابقة وأخرى جنوبية بولاية قبلي بتكلفة 2.5 مليار دينار.
ويبدو من خلال هذا التوجه الطاقي الاستراتيجي أن تونس راغبة في الحفاظ على مخزونها من المحروقات خصوصا ما تم اكتشافه مؤخرا بحرا وبرا من قبل بعض شركات التنقيب الأجنبية العاملة في البلاد. كما يبدو أن التونسيين غير متحمسين لاستغلال غاز الشيست المتوفر في البلاد وبكميات معتبرة وذلك حفاظا على المائدة المائية في زمن تعاني فيه بلدان كثيرة من شح المياه نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري.
أما الطاقة النووية والتي تحمس البعض لاستغلالها في وقت ما وتم إبرام بعض الاتفاقيات مع روسيا في هذا المجال، فيبدو أنه قد تم صرف النظر عن استغلالها رغم توفر مخزون هائل من الفوسفات يتوفر على كميات هامة من اليورانيوم القادر على توفير المادة الخام لإنتاج هذه الطاقة. فالحفاظ على البيئة هي المحدد في الخيارات الاستراتيجية الطاقية لتونس الراغبة في بناء اقتصاد أخضر والتي أكدت دراسة حديثة صادرة عن معهد العالم العربي في باريس، أنها من بين البلدان القليلة في العالم التي لن تعرف في المستقبل أزمة طاقية إذا عرفت كيف تستغل مواردها ولديها القدرة على الحفاظ على مخزونها من المحروقات للأجيال القادمة لأن البدائل متوفرة.
وتشهد تونس اهتماما أوروبيا بقدرتها على توفير الطاقات المتجددة بسبب توفر الرياح والمياه والسدود والبحيرات شمالا والشمس الحارقة خصوصا في ولايات الجنوب والوسط. فبالإضافة إلى المشروع البريطاني الضخم المشار إليه، وما أنجز مع الفرنسيين، ستنجز ألمانيا بالتعاون مع تونس جملة من المشاريع الاستثمارية في الطاقة الشمسية سيستفيد منها البلدان.
وفي هذا الإطار زار تونس وفد يضم ممثلين عن شركات ألمانية مختصة في الطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الشمسية. ونظمت الغرفة التونسية الألمانية للصناعة والتجارة بالتعاون مع الأكاديمية الألمانية المتخصصة في الطاقات المتجددة حلقة دراسية لفائدة الخبراء والمهنيين في تونس حول آخر ما توصل إليه الألمان في مجال استغلال الطاقة الشمسية وتم إبرام اتفاقيات وشراكات بين الطرفين.
وأكد وزير الصناعة سليم الفرياني في هذه الندوة التي استفاد منها الطرفان على كافة المستويات أن هدف تونس الآن هو إنتاج 3500 ميغاوات سنة 2030 من طاقة الشمس والرياح أي 30 في المئة من الإنتاج الطاقي للبلاد. فقد تعمق العجز الطاقي للبلاد في السنوات الأخيرة، حسب الوزير وذلك بعد تقلص إنتاج البلاد من البترول من 55 ألف برميل يوميا في سنة 2015 إلى 39 ألف برميل حاليا .