يشكل دونالد ترامب، ملياردير العقارات الأمريكي، والرئيس العائد بزخم إعلامي-وضجيج لا مثيل له – إلى البيت الأبيض، ظاهرة مثيرة للجدل في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.
قد يكون انتخاب ترامب لولاية ثانية أتى نتيجة تقاطع ظروف لعبت دورًا لمصلحته في الزمان والمكان الصحيحين. وكان ترامب خلال حقبة رئاسته الأولى، وخلال فترة حكم الرئيس جو بايدن مستقطبًا للأضواء ومدفوعًا في ذلك بإعلام أمريكي وفي العالم، يحمل في جانب أساسي منه مزايا «ترفيهية»، يجري عبرها التلاعب بالحقائق والوقائع، على النحو الذي يعجب الجمهور، أو يثير فضوله وانتباهه، وربما ذهوله، وتعجبه، ورفضه وغضبه، وكثير من المشاعر الأخرى التي قد يقول قائل إذا أراد أن يتطرّف في الوصف، إنها أحالت النظام الديمقراطي العريق في الولايات المتحدة ألعوبة بيد مهرّجين.
ولكأن فترة ترامب الأولى، لم تكن كافية، ها هو الرئيس الذي قاوم ببلطجة مشهود لها خروجه من المكتب البيضاوي، ودافع عن البلطجية الذين اقتحموا مبنى الكونغرس في 6 كانون الثاني/يناير 2021، ثم يعفو عنهم في مطلع ولايته الثانية، يعود بزخم أكبر، وبحلفاء أكثر وضوحًا، مكتسحًا ما تبقى من عقل في الحزب الجمهوري، وفي أوساط المحافظين، أولًا، ومكتسحًا البلاد بمجموعة كبيرة من القرارات التنفيذية لا سابق لها، وتنذر بمخاطر كبيرة على الأمريكيين، وعلى العالم، من خلال سياسة خارجية ضرب فيها بعرض الحائط تراثًا امتدّ على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويقوم على ادّعاء احترام القوانين الدولية والحريات وحقوق الإنسان، على كل إشكالياته وما اعتراه من شوائب بل وأكثر من ذلك، من جرائم وحروب. وهو يفتتحها اليوم بجريمة دولية ضد الشعب الفلسطيني.
ويتساءل البعض في الولايات المتحدة، ويتفكرون، في السبب الذي يجعل معارضة ترامب داخل الولايات المتحدة، ومقاومته، قاصرة عن اللحاق بالدينامية السلبية التي تحوط بسياسة هذا الرجل وفريقه. ومن هؤلاء، جيمس إس. هنري، الاقتصادي، والمحامي، والصحافي الاستقصائي، المتخصص في العدالة المالية العالمية.
شغل هنري مناصب قيادية بارزة خلال مسيرته، من بينها، حسب تعريف نشرته «منظمة العفو الدولية – الولايات المتحدة»، على موقعها على الإنترنت، كبير الاقتصاديين في شركة «ماكينزي»، ونائب رئيس الاستراتيجية في IBM/Lotus، وغيرها من المناصب القيادية في شركات عالمية.
وهنري، زميل العدالة العالمية في جامعة ييل، ومستشار شبكة العدالة الضريبية، سبق له أن لاحق ملفات ترامب الشائكة، ولا سيما صلات بالأوليغارشيا الروسية، وسبق أن قدم شهادات أمام الكونغرس الأمريكي في قضايا اقتصادية، وهو عضو في نقابة المحامين في نيويورك منذ 1979.
ويرى هنري، من منظوره، أن ترامب يلحق ضررا بالديمقراطية الأمريكية، كما يشكل خطرًا على علاقات الولايات المتحدة بالعالم، من خلال سياساته الداخلية والخارجية.
ويذهب أبعد منذ ذلك بوصفه، ردّا على سؤال «القدس العربي»، ترامب، بأنه wanna be – dictator، أو أنه يطمح إلى أن يكون ديكتاتورًا، مشيرًا إلى أن مساره الحالي يناقض خلاصة وعوده الانتخابية، وخصوصًا في الاقتصاد والنمو وخدمة مصالح ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
«القدس العربي» حاورت جيمس. إس هنري حول مختلف جوانب سياسة ترامب، وفيما يلي أبرز ما جاء في هذا الحوار.
تصرف ترامب مع الصحافة أقرب إلى ما قد تفعله بيونغ يانغ
○ لقد شاركت قبل قليل على منصة أكس تغريدة لويليام كريستول عن مؤتمر صحافي لمتحدثة البيت الأبيض يقول فيها إن على الصحافيين أن لا يتوقعوا أن طرحهم الأسئلة قد يقود إلى إجابات فيها معلومات. وإن أسئلتهم كأنها توجّه إلى مسؤول في بيونغ يانغ.. هل توافقه الرأي إذن؟
• نحن نتحدث عن إدارة كانت علاقاتها عدائية للغاية مع الصحافة، وعموماً قامت بمقاضاة مؤسسات إعلامية مثل ABC News، بل وفازت في قضايا ربما لم يكن ينبغي لها أن تفوز بها. لديهم تاريخ في لوم وسائل الإعلام في الكثير من الأمور التي لا يتفقون فيها معها. وهذا هو الفصل الأحدث في العلاقة العدائية التي كانت لدى ترامب مع وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة.
لست مدافعًا بشكل خاص عن وسائل الإعلام الرئيسية، فلدينا الكثير من العيوب في الولايات المتحدة، لكن فكرة طرد صحافيين مرموقين ومؤسسات موثوقة مثل وكالة «أسوشيتد برس» من فريق الصحافة في البيت الأبيض لمجرد أنهم لا يتفقون معك بشأن الجغرافيا هو أمر مبالغ فيه للغاية. إنه أقرب إلى ما قد تفعله بيونغ يانغ (عاصمة كوريا الشمالية) أكثر مما اعتدنا عليه في بلد معروف بحرية الصحافة.
○ لقد رأينا أن الرئيس ترامب أصدر عددًا من الأوامر التنفيذية في مدة قياسية.. كمتابع لترامب، ما هي أبرز المخاطر التي تشكلها هذه الأوامر التنفيذية في الولايات المتحدة؟ وما أوجه الخطورة فيها؟
• هناك مخاوف بشأن السلطة المطلقة التي يفرضها على قضايا مثل الميزانية والسلطة التنفيذية. تقليديًا، كان للكونغرس دور كبير في أي تغييرات جوهرية في الميزانيات، وما فعله ترامب، من بين عدة أمور، فيما يتعلق بالاعتمادات والإيرادات والتمويل هو أنه جمّد التمويل بشكل أساسي، وبدأ فورًا في إغلاق الوكالات بدون استشارة الكونغرس. كما اتخذ العديد من الخطوات التي سمحت لمساعده المقرب، إيلون ماسك، وفريقه، باقتحام الوكالات الحكومية والاستحواذ على السيطرة على سجلاتها.
هذا أحد الأبعاد، أي فرض السلطة التنفيذية بطريقة لم نشهد لها مثيلًا من قبل في تاريخ أي رئيس. المحور الثاني يتعلق، باهتمامه في العفو عن أشكال مختلفة من الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك الأشخاص الذين كانوا يتظاهرون خلال التمرد في السادس من كانون الثاني/يناير 2021. وهذا أمر يثير القلق لدى الناس. لقد منح العفو لأكثر من 1.500 شخص ممن أُدينوا. كما منح العفو لعدد من تجار المخدرات. بالإضافة إلى ذلك، بدأ في تقويض تنفيذ القانون في مجال الفساد، والفساد الدولي، ودور مكتب التحقيقات الفيدرالي في ملاحقة الجريمة المنظمة.
وهذا يوائم فكرة أن لدى ترامب نفسه تاريخًا إجراميًا مثيرًا للاهتمام، وأنه محاط بأشخاص أُدينوا في قضايا مختلفة، ولديه علاقة تاريخية مثيرة للاهتمام مع أشخاص قدموا مبالغ طائلة إلى منظمته من خلفيات مشبوهة.
يسعى لفرض السلطة التنفيذية بطريقة لا مثيل لها في تاريخ أي رئيس
المسألة الثالثة الواضحة، هي شيطنته الأساسية للمهاجرين ومحاولته جعل الحياة في الولايات المتحدة جحيمًا لغير الحاصلين على وثائق قانونية. هذا لا يشكل صعوبة فقط للمهاجرين، بل أيضًا للمزارعين، حيث إن 44 في المئة من العاملين في القطاع الزراعي هم من المهاجرين غير الموثّقين (ليست لديهم إقامات). لذا، فإن طردهم ببساطة سيصعّب عليه الالتزام بوعوده بخفض أسعار المواد الغذائية.
في الواقع، أحد الموضوعات التي رأيناها هنا هو سلسلة التناقضات بين الوعود المختلفة التي قدمها في حملته الانتخابية. فقد أراد محاربة التضخم، لكن ذلك لا يتماشى مع سياسته في طرد المهاجرين. كما أنه يفرض رسومًا جمركية على بعض أقدم شركائنا التجاريين مثل المكسيك وكندا.
وهذا سيؤدي إلى زيادة التضخم. لقد رأينا اليوم أن مؤشر الأسعار ارتفع أكثر مما كان متوقعًا. لقد وعد ترامب بتمديد التخفيضات الضريبية التي أقرها في عام 2017. هذه المرة، لن يتمكن من استخدام تمويل العجز كما فعل آنذاك. عندما أقر تلك التخفيضات الضريبية الأولى، زاد العجز الفيدرالي بحوالي 2 تريليون دولار عن طريق اقتراض الأموال التي منحها بشكل أساسي للشركات الكبرى.
هذه المرة، يأمل في العثور على هذه الإيرادات من خلال تقليص الإنفاق الفيدرالي بشكل كبير. لذلك، فقد أعد تخفيضات في الإنفاق تزيد عن 2 تريليون دولار، وهي الآن مصدر آخر للإزعاج والقلق بشأن دستورية استخدامه لهذه الأساليب الأحادية دون استشارة الكونغرس لخفض الميزانية الفيدرالية.
أعتقد أنه إذا كان مصممًا على تقديم تخفيضات ضريبية عميقة للشركات الكبرى، والخيارات الوحيدة المتاحة له هي إما زيادة العجز في الميزانية أو تقليص الإنفاق. ومعظم هذا الإنفاق، وفقًا للسيناريو الخاص به، سيؤثر في الطبقة الوسطى والفقراء، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من قاعدة ناخبيه. لذا، سيُفاجَأون عندما يستيقظون ليجدوا تضخمًا أعلى، وعجزًا أكبر، وأن معظم الأموال ذهبت إلى الطبقات الأكثر ثراءً، مثل المليارديرات المحيطين به، بدلًا من تمويل برامج مثل «برنامج التأمين الصحي الفدرالي» و«برنامج المساعدة الطبية» التي يأمل في تقليصها، وتستفيد منها بشكل خاصّ الطبقة الوسطى والفئات ذات الدخل المنخفض.
○ ولكن… الكثيرون يتحدثون عن أن ترامب يمثّل ما يسمى بالطبقة الوسطى التقليدية في الولايات المتحدة، أنت تقول إنه سوف يضرّ بمصالحهم؟
• أعتقد أنه على المدى القصير، على الأقل خلال العام المقبل أو نحو ذلك، سنرى أن الواقع بدأ يفرض نفسه، حيث إن العديد من الأشخاص في قاعدته الشعبية، الذين يُفترض أنهم من الطبقة العاملة، ويشعرون بقلق بالغ بشأن تراجع مستويات معيشتهم، والأشخاص ذوي التعليم المتواضع، سيكتشفون أن التمويل الذي يحصلون عليه للرعاية الصحية والتعليم سيتناقص.
في الواقع، سيشهدون ارتفاعًا في أسعار السلع العادية، والمواد الغذائية، والفواكه، والخضروات. أرى أن سوق العمل سيتأثر سلبًا بسياسة التعريفات الجمركية التي ينتهجها. ستكون إجراءات انتقامية من كندا والمكسيك، وربما الصين وأوروبا، ردًا على التعريفات الجمركية التي أعلن عنها أخيرًا على الصّلب. ومن المحتمل أن تؤثّر هذه الإجراءات الانتقامية سلبًا على نمو الوظائف ومعدل نمو الاقتصاد الأمريكي.
الحقيقة هي أن ترامب تولى منصبه بينما كان الاقتصاد الأمريكي في حالة جيدة نسبيًا، باستثناء مستوى الدّين المرتفع. كان معدل النمو الاقتصادي العام الماضي 2.4 في المئة، وهو معدل مرتفع نسبيًا مقارنة بالـعشرين عامًا الماضية.
كان التضخم يقترب من هدف 2 في المئة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي. في حين أن العجز كان يتراجع منذ حالة الطوارئ التي فرضها وباء كوفيد-19 عندما ارتفع بشكل حاد، ومنذ التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب والتي أضافت 2 تريليون دولار إلى العجز. لكن من المحتمل أن يواجه صعوبة في الاستمرار في الاستفادة من «الهدية» التي حصل عليها، أي الاقتصاد القوي الذي تسلمته إدارته.
ولهذا السبب، يركز ترامب بشكل كبير على قضايا جانبية، وهي قضايا تمكّنه من شيطنة خصومه والسيطرة وإعلاء الحيل السياسية بوضوح. فالمعارك التي اختار خوضها بشأن بنما وغرينلاند وكندا وغزة، وتتصاعد في هذه اللحظة، جميعها، ومن منظور وعوده الاقتصادية لأنصاره من الطبقة الوسطى، مجرد أمور هامشية، وإلهاء عن القضايا الحقيقية. معظم هؤلاء الناس لا يعرفون الكثير عن غرينلاند أو بنما، ناهيك عن غزة.
أعتقد أن لدى ترامب أسلوبًا في تشتيت الانتباه عن الأمور الحقيقية التي تجري. وبالفعل، سنواجه بعض المشكلات الاقتصادية مع مرور الوقت. الجانب الآخر من الاقتصاد الأمريكي حاليًا هو أنه، ورغم قوة سوق الأسهم، فإن الكثير من هذا النمو يتركز في ما يسمى بصناعة الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا شركات MAG7، أي أكبر سبع شركات في بورصتي نيويورك وناسداك، التي سيبغ إجمالي قيمتها السوقية اليوم حوالي 19 تريليون دولار.
ومستقبلًا، أعتقد أنه لأجل تبرير هذه التقييمات وتجنب حدوث انهيار في سوق الأسهم، سيتعين على المستثمرين في الذكاء الاصطناعي البدء في إيجاد طرق لبيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهذا يثير القلق لدى الناس لأنه سيعني الكثير من عمليات التسريح من العمل، حيث ستختفي العديد من الوظائف. وهذا عامل سلبي آخر قد يجعل من الصعب على ترامب تحقيق وعوده.
○ ماذا عن قطاع الطاقة؟ لقد دعا ترامب الدول المصدرة للنفط ومنظمة «أوبك» إلى زيادة إنتاجها وخفض أسعار النفط والغاز، وحذّر من أنه سوف يجعل الولايات المتحدة نفسها تزيد من الإنتاج.. كيف ترون هذه السياسة؟ هل هو جاد؟
• أعتقد أن سياسة ترامب فيما يتعلق بصناعة الوقود الأحفوري بشكل عام، وبالتأكيد فيما يتعلق بالطاقة المتجددة، تتمثل أساسًا في تفضيل النفط والغاز، وخصوصًا النفط والغاز المحلي في الولايات المتحدة. «احفروا، احفروا، احفروا» هي واحدة من عباراته المفضلة.
أحد الأمور التي قام بها في أول يوم له في المنصب كان إلغاء ما يقرب من 78 أمرًا رئاسيًا أصدرها (الرئيس السابق جو) بايدن، التي كان العديد منها يهدف إلى تسريع نمو الصناعة الخضراء والحد من اعتمادنا على النفط والغاز المحليين. لقد هدّد دول الشرق الأوسط لأنه أراد أن يظهر بأنه يضغط على (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في حرب أوكرانيا من خلال خفض أسعار النفط، لأنّ روسيا تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط. أعتقد أن هذا تكتيك لكسب بعض النفوذ إزاء روسيا. لكننا رأينا اليوم أنه يجري مفاوضات مسبقة قبل أيّ خفض محتمل لأسعار النفط. ليس من المؤكد أن هذا سيدفع بوتين إلى طاولة المفاوضات. لست متأكدًا من مدى جديته في الضغط على «أوبك» لخفض الأسعار، لكن لديه قطعًا ميل واضح لهذه الصناعة التي قدمت له مئات ملايين الدولارات في تمويل حملته الانتخابية الأخيرة.
وزارة العدل في عهد بايدن تهاونت في ملاحقة جرائم ترامب
○ لقد أثرت أيضا مواجهة ترامب من خلال القضاء، والقضاء الأمريكي بشكل خاص. ما الذي حدث ويحدث؟
• هذه قصة طويلة، وقد كتبت الكثير عنها. يمكنني أن أحيلك إلى مقالاتي في مجلة The American Interest حيث تناولت بالتفصيل الجرائم الاقتصادية المشبوهة لترامب.
القضية الحقيقية هنا هي سبب عدم النجاح في محاكمته أبدًا بسبب الجرائم المالية، وهذا الأمر يظلّ ساريًا حتى اللحظة، باستثناء ما حدث في نيويورك، حيث أدين بالتهرب الضريبي. أعتقد بأن السجل الطويل في هذا المجال يظهر أن دونالد ترامب لديه قدرة على تجنب الملاحقة القضائية بسبب شبكة علاقاته الواسعة.
فأحد مستشاريه الرئيسيين، داخل «منظمة ترامب»، كان مخبرًا سريًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI لمدة 20 عامًا، وهذه كانت حقيقة محرجة، ومن الواضح أن الـFBI، ووزارة العدل، لم يرغبا في الإعلان عنها أو تسليط الضوء عليها. وأعتقد بأن ذلك كان له تأثير على عجزهم عن تقديمه إلى العدالة.
راهن الديمقراطيون بشكل كبير على الإطاحة به من خلال الإجراءات القانونية، لكنهم استغرقوا وقتًا طويلاً جدًا في تحريك تلك القضايا بعد خروجه من المنصب – ثلاث سنوات قبل أن يتم توجيه أي لوائح اتهام. القضية الوحيدة التي وصلت بالفعل إلى المحاكمة كانت من قبل الدولة، عبر المدعي العام لمنطقة مانهاتن، وتعلّقت بدفع أموال لامرأة تعمل في الدعارة.
لكن جميع القضايا الأخرى فات أوانها عمليًا، ولم تُستكمل في الوقت المناسب. لذلك، علينا أن نبحث بعمق أكبر في سبب تهاون وزارة العدل في عهد بايدن، واستغراقها وقتًا في توجيه الاتهامات، ولماذا تجاهلت تمامًا القضايا المالية، وقضايا غسيل الأموال.
قُمت عام 2017، مع فريق من الصحافيين الدوليين الآخرين، بتقديم وثائق تفصيلية للسلطات الهولندية، تتصل بعدد من أقرب مساعدي ترامب. لكنني أعتقد أن هولندا، وهو أمر ليس غريبًا لدى الدول الأوروبية، لم تكن مستعدة لملاحقة رئيس دولة موجود في منصبه. وبعد ذلك الوقت، كان الأوان قد فات على الأرجح لجلب ترامب إلى العدالة.
لذا في نظرة إلى الخلف، نرى أن جزءًا كبيرًا من المسؤولية يقع على عاتق حزب المعارضة من حيث الفشل في محاسبته.
الآن، نحن جميعًا نحاول الاستعداد للمواجهة. هذا هو الأمر الأول. نحاول معرفة كيفية الرد. لقد شعرت بالقلق إزاء غياب استجابة منظمة من قبل كبار السياسيين الديمقراطيين. هناك قلة ممن تحدثوا بوضوح وبشكل فردي، لكنهم يقضون معظم وقتهم في التدقيق في تعييناته السياسية، بدلاً من قيادة حركة جماهيرية في الشوارع لمحاسبته والدفاع عن الدستور.
لا أحد يقف ويدير الأمور على النحو التي رأيناه مثلًا في كوريا الجنوبية، حيث خرجت حشود ضخمة من الكوريين لحماية ديمقراطيتهم خلال الأشهر القليلة الماضية، ولا كما حدث في دول أخرى مثل صربيا، حيث اندلعت احتجاجات جماهيرية ضخمة ضد استيلاء الحكومة على السلطة.
أما في الولايات المتحدة، فربما يكون السبب أننا سئمنا من كل هذا. وربما لا نفهم البدائل المتاحة. وربما يكون الأمر مجرد غياب تامّ للقيادة داخل صفوف المعارضة. وعلى كلّ حال، نجد أنفسنا عالقين في موقف تتسم فيه الاستجابة بالهزال الشديد تجاه واحدة من أكثر المحاولات عدوانية من قبل أيّ رئيس للاستيلاء على السلطة.
○ سبق لك أن أثرت روابط ترامب المالية مع روسيا وما أسميته الأوليغارشيا في دول ما بعد الاتحاد السوفييتي السابق. قبل بضع سنوات أثرت هذا مثلًا في مقابلة مع موقع The Real News Network، ما الذي يمكن قوله عن هذا اليوم؟
• لا أعتقد بأن أحدًا قد دحض أيًا من التقارير التي نشرناها حول هذا الموضوع. والأمر الأساسي الذي لاحظته هو أن ترامب استفاد على مدار السنوات من مساعدات مالية قُدمت له في لحظات حاسمة في مسيرته، ليس فقط من قبل الأوليغارشية الروسية، ولكن أيضًا من قبل عدة بنوك كبرى، وخاصة «دويتشه بنك»، الذي ربطته صلات وثيقة بالنظام الروسي.
ولم يكن الأمر مجرد علاقة واحدة، بل كان هناك أيضًا أوليغارشيون في كندا، وأوليغارشيون من كازاخستان! لقد رأينا أحد أغنى رجال الأعمال في صناعة البوتاس (المحرر: رجل الأعمال الروسي ديمتري ريبولوفليف) يتدخل ويشتري منزل دونالد ترامب في ميامي عام 2008 بمبلغ يزيد بحوالي 40 مليون دولار عن قيمته الفعلية، في وقت حرج حيث كان ترامب بحاجة ماسة إلى 40 مليون دولار لسداد ديونه.
لقد تعرض لسبع حالات إفلاس خلال عقد التسعينيات، وبعد ذلك، لم يكن أي بنك أمريكي كبير على استعداد لمنحه قروضًا. لذلك، كان بحاجة ماسة إلى إعادة بناء نفسه ماليًا، وحصل على دعم مالي كبير من مصادر روسية.
وهذه الروابط الخاصة، وليس أموال الحكومات، هي التي كان يجب أن تكون محل تحقيق أعمق بكثير. لكن الإعلام الأمريكي في عام 2016 انحرف في اتجاه الادعاءات حول تدخل بوتين في الانتخابات الأمريكية، و«مذكرة ستيل» (المحرر: مذكرات زعمت أن لدى روسيا مواد فاضحة بشأن ترامب، أعدها الضابط السابق في جهاز الاستخبارات البريطاني الخارجي (أم آي 6) كريستوفر ستيل)، والجدل المرافق.
○ على صعيد السياسة الخارجية للرئيس ترامب. كيف تقيّم سياسته تجاه الشرق الأوسط، ولا سيما غزة؟ لقد دعا إلى استيلاء أمريكا على القطاع ونقل سكانه إلى الأردن ومصر، ودعم ضمّ الضفة الغربية..
• أعتقد بأن ترامب كان يلعب لعبة مثيرة للاهتمام خلال الانتخابات. ذهب إلى ميشيغان، على سبيل المثال، وقام بحملة مكثفة في بعض المجتمعات العربية أو المسلمة هناك، وهي تشكل كتلة تصويتية كبيرة في الولاية. في ذلك الوقت، قدم وعودًا بأنه سيولي اهتمامًا للمطالب المشروعة لأهالي غزة والفلسطينيين.
لكننا نجد اليوم يدعم واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي في التاريخ الحديث. يبدو وكأنه يتصرف على أساس أن الولايات المتحدة ستحاول بطريقة ما الاستيلاء على غزة وتحويلها إلى «ريفييرا» على البحر الأبيض المتوسط الشرقي. لا يمكنني تخيّل أن أي شخص قد يرغب في الذهاب إلى هناك بعد كل الدماء التي أريقت على تلك الأرض.
ومع ذلك، ها هو يحاول إجبار الأردن ومصر على قبول نقل السكان، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. لا أعتقد بأن هذا الأمر يجب حتى أن يكون محل تفاوض معه. يجب أن يتّحد المجتمع الدولي ويقول بوضوح: «نحن لسنا حتى بصدد الحديث عن نقل السكان. الفلسطينيون لن يُجردوا من وطنهم».
أما فيما يخص حل الدولتين، فقد كان الموقف الأمريكي الرسمي لعقود، لكنه ظل صعب التحقيق ولم يُحرز أي تقدم ملموس بشأنه.
إسرائيل كانت متعنتة للغاية. ورأينا أن بايدن لم يمارس الكثير من الضغط، بل على العكس، قام بتسليح إسرائيل بشكل مكثف ردًا على حماس. لا أقول هذا كمحاولة للتبرير لـ«حماس»، بل أعتقد أنه، وبالنظر إلى الأمور بأثر رجعي، ربما ارتكبوا خطأً فادحًا من الناحية الاستراتيجية. لكن هذا ليس شيئًا يجب أن يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني في غزة أو في الضفة الغربية في الوقت الحالي.
هناك فرضية تستحق المزيد من الدراسة، وهي أن هذه النتيجة كانت شيئًا أراده بنيامين نتنياهو بشدة ولم يسعَ لمنعها. وبالتالي، نجد أن الأطراف المتطرفة في هذا الصراع تعتمد على بعضها البعض لتحقيق مكاسبها. وهذه هي «المأساة الحقيقية» في هذا الوضع، حيث أن الشعب الفلسطيني هو من سيدفع الثمن الأكبر.
○ هل تعتقد أن الاتحاد الأوروبي سيواجه سياسات ترامب هذه تجاه الفلسطينيين؟ لقد سمعنا مواقف من فرنسا وألمانيا وغيرها..
• أرى أن الاتحاد الأوروبي يدرك أن الفشل سيكون مصير أحدث محاولات ترامب في سياسة التهجير، وأن هذه المحاولة ليست سوى وصفة لكارثة جديدة.
لكنني أشعر بخيبة أمل من ردود فعل بعض الدول مثل المملكة المتحدة، التي تواصل بيع الأسلحة لإسرائيل. أما الاتحاد الأوروبي، فقد كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحًا في مواقفه بشأن العدالة في تلك المنطقة، لكنه يبقى استثناءً. والدول الأكثر صراحة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن هذا الموضوع كانت أيرلندا وإسبانيا، لكن إسرائيل لا تهتم كثيرًا بهاتين الدولتين. التأثير الحقيقي يكون عندما يتعلق الأمر بألمانيا وفرنسا. ووجود موقف موحد هو أمر ضروري إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يكون له أي تأثير في هذا الملف. عليه أن يبتعد تمامًا عن سياسات ترامب.
تراجع عن الموقف الصارم في الدفاع عن أوكرانيا
○ بالحديث عن السياسة الخارجية. الرئيس ترامب يعد بإنهاء الحرب في أوكرانيا.. هل ينجح في ذلك؟ وكيف ستؤثر سياسته تجاه روسيا وأوكرانيا على أوروبا والإنفاق الدفاعي الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟
• أوكرانيا مأساة، وكنا نراها دائمًا من منظور هذا العدوان غير المبرر الذي يمارسه فلاديمير بوتين. كان الرد الصحيح على ذلك هو ما قامت به الولايات المتحدة وبدعم من أوروبا، وهو رفض توسع الفاشية والعدوان الذي يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.
لكن ترامب تراجع عن هذا الموقف الصارم في الدفاع عن أوكرانيا. لقد أوضح تمامًا أنه لا يريد انضمام أوكرانيا إلى الناتو. والرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي يبحث الآن عن ضمانات، فهو بحاجة إلى تأكيدات بأنه إذا وقع اتفاقًا مع بوتين، فسيكون هناك التزام بإنهاء هذه الحرب البائسة.
في رأيي، بوتين يواجه ضغوطًا داخلية كبيرة، لا نملك رؤية واضحة بشأنها. فالاقتصاد الروسي ليس في حالة جيدة، وقد تباطأ بشكل حاد. ولا يوجد أي استثمار أجنبي تقريبًا في الوقت الحالي. كما نرى مؤشرات على أن الروس بدأوا يشعرون بالضيق من دفع أسعار فائدة تصل إلى 25 في المئة ومعدلات تضخم مرتفعة.
لهذا، أعتقد بأن بوتين قد يكون في حالة مزاجية تجعله يفكر في صفقة تمنحه شيئًا يبرر به الثمن الباهظ الذي دفعه، سواء لناحية مئات الآلاف من الجنود الروس الذين قتلوا أو أصيبوا، أو من حيث الأعباء الاقتصادية التي تتحملها بلاده.
وهناك بالتأكيد فرصة لإبرام صفقة، لكن ذلك يعتمد بشكل أساسي على ضمان عدم ترك أوكرانيا تحت رحمة بوتين في المستقبل. وهذا أمر من الصعب تصوره.
والاتحاد الأوروبي عليه أيضًا أن يتخذ قرارًا كبيرًا بشأن الضمانات التي يمكن أن يقدمها لأوكرانيا، لا سيما في ظل غياب الضمانات الأمريكية، وعدم رغبة «الناتو» بالتدخل بشكل مباشر.
○ هل يمكن تشبيه ترامب بالديكتاتور؟ إن لم يكن في الولايات المتحدة ففي سلوكه تجاه العالم؟
• ترامب يطمح أن يكون ديكتاتورًا، وهو لا يحترم سيادة القانون، سواء في الداخل أو الخارج، بل يفهم القوة والمال. ومع ذلك، فإن سلطته في الواقع غير مستقرة. فهو يتجاوز بكثير «التفويض» الذي حصل بنيله 49.7 في المئة من أصوات الناخبين الفعليين (فقط 25 في المئة من الناخبين المؤهلين) في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر الرئاسية. ويسيطر على الكونغرس بأغلبية ضئيلة. لكنه لا يسيطر على القضاء الفيدرالي، رغم امتلاكه أغلبية 4 من 5 في المحكمة العليا. كما أنه لا يسيطر على ولايات رئيسية مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وإلينوي، وواشنطن، وأوريغون، وميشيغان، وماساتشوستس. لقد استفز بالفعل كلّ جيرانه المباشرين، كندا والمكسيك، وكذلك بنما، وكولومبيا، والبرازيل، وفنزويلا، وبوليفيا، وتشيلي، والدنمارك، وبولندا، والدول الاسكندنافية، وتركيا ومعظم الشرق الأوسط، لا سيما الشارع العربي، العراق وإيران، و79 دولة من دول الجنوب العالمي التي دعمت العريضة الموجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية المقدمة من جنوب أفريقيا. أما روسيا والصين والهند فهي أكثر صعوبة في قراءتها، لكن لا يمكنه المراهنة على أنهم سيبكون سقوطه.
معظم الأمريكيين مؤيدون لسيادة القانون وللنظام الدستوري الديمقراطي
○ قرأت للتو مقتطفات من رسالة حديثة لزعيم قبيلة الهوبي (من قبائل السكان الأصليين في الولايات المتحدة)، «النسر الأبيض»، يتحدث فيها عن استراتيجية المقاومة، وقد قال: «تعلموا المقاومة من الشعوب الأصلية والأفريقية، لقد كنا وما زلنا مهددين بالانقراض، لكننا لم نتوقف أبدًا عن الغناء، والرقص، وإشعال النيران، والاستمتاع بالحياة..».. وهو يتحدث عن الوضع الحالي المستمر. هل لديك تعليق؟
• كما يقول نسيبي البعيد ويليام جيمس إذا كنت تريد أن تشعر بالشجاعة فتصرّف بشجاعة، والمشاعر ستلي ذلك.
يجب أن نتذكر أن ترامب هو خطأنا. وعلى مثال هتلر، كان من الممكن إيقافه بسهولة في العديد من المراحل على طول الطريق. لم يكن ترامب رجل أعمال ناجحًا أبدًا، كان طفلًا ثريًا مدللًا ومتهربًا من التجنيد، وكان لديه العديد من الأصدقاء الفاسدين. تعرض لسبع حالات إفلاس، وقام بغسيل مليارات الدولارات في شكل قروض واستثمارات من الأوليغارشيين الروس ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وفشل المدعون العامون واحدًا تلو الآخر بالإضافة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي في اتخاذ أي إجراء. ظنوا أنه انتهى أو كانوا متواطئين معه.
○ هل تخشى على سيادة القانون وحقوق الإنسان، في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العالم، في ظل هذه الإدارة الأمريكية؟
• عائلتي كانت في الولايات المتحدة منذ عام 1607، وجاء أجدادي في الأصل كعمال بيض متعاقدين على متن سفينة. لم نذهب إلى أي مكان آخر. جئنا إلى هنا وقاتلنا في كل حرب. وكنا في الجانب الصحيح في معظم الحالات، على ما أعتقد. هناك الكثير من الدماء والجهود والطاقة التي بُذلت في بناء أمريكا التي نحبها، والتي في أفضل حالاتها غالبًا ما تخالف هذه الالتزامات. لكن الأمر يتعلق بتحقيق رؤيتنا لبلدنا، وأعتقد أننا لا نزال متمسكين بهذا الالتزام.
لذلك أعتقد أن معظم الأمريكيين، عندما يفكرون في الأمر، سيكونون مؤيدين لسيادة القانون، ومؤيدين للنظام الدستوري الديمقراطي، ولا يريدون رؤية حرب أهلية دموية أخرى هنا. لذا، أعتقد أن العقلانية يمكن أن تسود في النهاية، لكن في الوقت الحالي، سنحتاج إلى المرور بفترة من المقاومة النشطة جدًا، والمقاومة المنظمة، وهو شيء لم نشهده حتى الآن ضد هذه السياسات.