يوري ساك الخبير الأوكراني والمستشار السابق لوزير الدفاع: روسيا غير جادة في السلام

حاوره: وائل الحجار
حجم الخط
0

التفاؤل الذي جلبه انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بعض الأوساط، والذي كان مسؤولا هو شخصيا عن إشاعته، بقرب إنهاء الحرب في أوكرانيا، اصطدم خلال الأشهر الأخيرة بالوقائع في السياسة والميدان، وبسياسة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي تحاول المواءمة حاليا بين نزعة ترامب إلى تقليص الانخراط في الدفاع الأوروبي، وفي دائرة الدفاع الأطلسي، وبين ضرورات وجود الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الدوائر الحيوية.
فالسياسيون الأمريكيون، وخصوصا أولئك الذين في وزارة الدفاع «البنتاغون»، وفي وزارة الخارجية، والكونغرس، وفي دوائر النفوذ المختلفة، يدركون أن منظورهم للمصلحة الوطنية الأمريكية يقتضي الإقرار بدور فاعل يحول دون أن يحقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نصرا في القارة الأوروبية.
على الأقل، هذا ما يوحي به حديث يوري ساك، الخبير الأوكراني الذي كان قد تولى خلال السنوات القليلة الماضية وظائف حكومية من بينها مستشار وزير الدفاع الأوكراني، ومستشار وزير الصناعات الاستراتيجية.
وخلال عمله هذا احتك ساك بدوائر صنع القرار الأمريكية، وكذلك في أوروبا وغيرها من الدول في العالم، في مساع قادتها كييف لحشد أكبر دعم ممكن، بالسلاح والمال، وبالدعم السياسي، للبلاد التي تواجه اجتياحا روسيا منذ شباط /فبراير عام 2022.
ويرى ساك، أن الإدارة الأمريكية الحالية، رغم ما يقال عن تذبذب سياستها تجاه أوكرانيا، لا تزال ملتزمة استراتيجيا بدعم أوكرانيا.
لكن ساك يخشى ان يكون الرئيس الروسي بدأ يأخذ تصريحات ترامب باستخفاف، وتهديداته والمهل الزمنية التي يضعها ولا تلتزم بها موسكو، وهو أمر من شأنه ان يشجع بوتين على اتخاذ مواقف متصلبة، أقلّه.
ويرى أيضا أن الحسم العسكري في أوكرانيا غير ممكن بالنسبة لطرفي الحرب، آملا بحزمة متعددة الوسائط من دعم أوروبي ـ أمريكي تكثّف الضغوط على الرئيس الروسي حتى ينهي حربه.
ويؤكد ساك أن لدى أوكرانيا خيارات تفاوضية مرنة فيما يتعلق بالأراضي التي تحتلها روسيا سواء في الدونباس، أو في زباروجيا وخيرسون، أو في شبه جزيرة القرم، تشمل العودة إلى تكتيك كانت اتبعته قبل نشوب الحرب، وهو عدم المبادرة إلى العمل العسكري لاستعادتها، والاكتفاء بالمسارات الدبلوماسية، لكنه يرفض بشكل قاطع فكرة أن تكون أوكرانيا في وارد التخلي عن هذه الأراضي لروسيا، هدية مجانية.
أما بخصوص انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، أو حلف «الناتو»، أو حتى الحصول على ضمانات أمنية، فيعتقد ساك أن بوتين لن يقبل بها في ظل الوضع الحالي.
تفاصيل الحوار مع يوري ساك فيما يلي.
○ واجهت أوكرانيا أعنف هجوم روسي من فترة طويلة. كيف تصف الوضع على الأرض؟ وهل هناك خطر حقيقي، بناءً على ملاحظاتك؟
• كان ذلك ثاني أكبر هجوم على أوكرانيا من حيث عدد المسيّرات وكثافة الضربات الصاروخية في ليلة واحدة. وهو في هذا شبه غير مسبوق. ولكن في الوقت نفسه، مرت أكثر من ثلاث سنوات الآن على هذه الحرب. لذا فإن الشعب الأوكراني، وبطريقة غريبة وغير مألوفة، اعتاد على ذلك. بالطبع، إنها مأساة. لا يجب أن يكون الأمر هكذا. لهذا السبب نقوم بكل ما نستطيع كدولة لمساعدة شركائنا للتوصل أولاً إلى وقف لإطلاق النار ثم إلى اتفاق سلام. هذا هو الوضع الآن.
○ ما هي السيناريوهات العسكرية المطروحة حالياً؟ وهل تتوقع تغيراً دراماتيكياً قريباً؟
• ليس حقاً. أعتقد أن خط الجبهة حالياً يسوده الجمود. نرى محاولات من القوات الروسية لمهاجمة الجيش الأوكراني في أجزاء مختلفة من الجبهة، ولكن بشكل عام، فإن خططهم لحملة الصيف العسكرية فشلت. لم يتمكنوا من تحقيق الكثير. كسبوا أجزاء صغيرة جداً من الأراضي، وخسروا عشرات الآلاف من الجنود وآلاف القطع من المعدات العسكرية والمدفعية وما شابه. لذا، في الجوهر، إنهم يفشلون، حتى وفق معاييرهم الخاصة، على الخطوط الأمامية. بالإضافة إلى ذلك، نحن ندمّر بنجاح كبير آلتهم الحربية، وخاصة مصافي النفط، والأهداف العسكرية، باستخدام مسيّراتنا بعيدة المدى. لذلك، من ناحية، فإن الجبهة تشهد جمودا، لكننا نرد بتدمير بنيتهم التحتية العسكرية. وبسبب فشلهم على الخطوط الأمامية، يكثّفون حملات الإرهاب التي تستهدف الأوكرانيين المدنيين في مدن آمنة، بعيدة عن خطوط المواجهة.
○ نعم، لكن أوكرانيا تقول إنها بحاجة إلى أسلحة. هل تعتقد أن أوكرانيا حصلت على ما يكفي مما طلبته من الدول الأخرى في الناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أم أنه ما زال غير كافٍ برأيك؟
• يعتمد ذلك على أنظمة الأسلحة التي تتحدث عنها، لأن هناك بعض الأسلحة التي لدينا منها عدد كافٍ. علاوة على ذلك، أكثر من 40٪ من الأسلحة التي يستخدمها الجنود الأوكرانيون على الخطوط الأمامية اليوم مُنتَجة محلياً. فخلال السنوات الثلاث الماضية، حققنا تقدماً هائلاً في بناء صناعتنا الدفاعية المحلية. لذلك نحن الآن ننتج ملايين المسيّرات، من مختلف الأنواع، من المسيّرات الصغيرة، إلى المسيّرات الكبيرة بعيدة المدى، والمسيّرات البحرية، والبرية، ومسيّرات زرع الألغام، ومسيّرات إزالة الألغام، ومسيّرات الإخلاء، كامل الطيف. لقد أصبحنا على الأرجح الآن عاصمة المسيّرات في العالم. ولهذا السبب فإن التكنولوجيا الدفاعية الأوكرانية الآن تحظى باهتمام كبير من صانعي الأسلحة حول العالم. لكن هذا جانب من المسألة، الجانب الآخر هو، على سبيل المثال، أنظمة الدفاع الجوي. هذه لا ننتجها بأنفسنا. ولحماية مدننا نحتاج إلى المزيد من هذه الأنظمة، مثل باتريوت، وNASAMS، وIRIS-T، وخاصة الباتريوت، لأنها النظام الوحيد المضاد للصواريخ القادر على حماية مدننا من الصواريخ الباليستية. أما الأنظمة الأخرى مثل ناسام، سامب-تي، إيريس – تي، فيمكن استخدامها بكفاءة لتحديد صواريخ كروز وتدميرها واعتراضها. لكن عندما يتعلق الأمر بالصواريخ الباليستية، فإن نظام باتريوت فقط، وهو أمريكي الصنع ومزوّد من الولايات المتحدة، هو الوحيد القادر على حماية مدننا. لهذا السبب يكون دائماً على الطاولة. كلما تحدثت وفودنا مع شركائنا، غالباً ما يكون البند الأول هو تحسين دفاعاتنا الجوية، وحماية أجوائنا، واستخدام كل ما هو متاح لمساعدة قوات الدفاع الجوي الأوكرانية على حماية الأطفال والعائلات والمدن الآمنة الأوكرانية.
○ هل تعتقد ان آفاق التوصل إلى سلام وصلت إلى طريق مسدود؟ وهل هناك إحباط، في كييف أو بين الشعب الأوكراني بسبب ذلك؟ لقد رأينا بعض استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن غالبية الأوكرانيين يدعمون المفاوضات أو الحل السلمي.
• كل الشعب الأوكراني يريد السلام، وهذا طبيعي. من غير الطبيعي أن تعيش في حرب. لذلك إذا أجريت استطلاعاً، فلن تجد أوكرانياً واحداً يقول: نعم، فلنواصل القتال، وهذه حرب عظيمة. كلا، نريد أن تنتهي هذه الحرب. لكن بالطبع، في الوقت نفسه، نريد جميعاً أن تنتهي هذه الحرب بطريقة لا تخلق ظروفاً لتجددها في المستقبل. وهذا فهم مشترك. فجميع شركائنا، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، يفهمون جيداً أنه أي اتفاق يتم التوصل إليه، يجب أن يكون اتفاقاً لا يسمح لروسيا بشن هجوم جديد في المستقبل. لهذا السبب نقضي الكثير من الوقت في الحديث عن الضمانات الأمنية مع شركائنا. النقطة الثانية، عندما يتعلق الأمر برغبة أوكرانيا في السلام، هي أنه يجب أن يكون سلاماً عادلاً، لا يجب أن يكون السلام مساوياً للاستسلام.
○ الرئيس الروسي بوتين حذّر من بكين بأنه سيحسم الحرب عسكرياً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام. هل يمكنه فعل ذلك؟
• لا يمكن لأي طرف، لا أوكرانيا ولا روسيا، إنهاء هذه الحرب عسكرياً. هذا واضح تماماً، لأن الجيش الروسي يفشل ولم يحقق حتى هدفاً واحداً مما وضعه لنفسه في عام 2022. بعد ثلاث سنوات وأكثر، قُتل أكثر من مليون جندي روسي، ولم يحققوا هدفاً واحداً مما أعلنوا عنه في 2022. ولكن الأمر نفسه ينطبق على أوكرانيا. نحن نفهم أننا نقف في مواجهة دولة لا تبالي بشعبها، ومستعدة لإرسال الجنود الروس بالآلاف ليموتوا من أجل لا شيء، حتى وإن لم يكن هناك أي مكاسب على الأرض. لذا فنحن عالقون، عسكرياً، الطريق مسدود. لكننا نعلم يقيناً أن روسيا الآن في وضع اقتصادي خطير جداً، وسفينتها الاقتصادية مثل التايتانيك تتجه نحو الجبل الجليدي. ونحن نعلم ذلك، وإذا مارس جميع شركائنا مزيداً من الضغط، سواء بفرض مزيد من العقوبات على روسيا، أو بفرض مزيد من العقوبات على أسطولها الظل الخاص بها، أو بمحاولة إقناع دول مثل الهند والصين بعدم شراء الكثير من النفط وموارد الطاقة من روسيا… إذن هناك أدوات ضغط، وهناك زخم حالياً يمكننا استغلاله معاً. نحن نضرب الاقتصاد الروسي وكما يبدو، دمّرنا الآن أكثر من 17٪ من قدرات تكرير النفط الروسية. ونشهد بالفعل أزمة وقود في روسيا بسبب ما تفعله ضرباتنا العميقة. والآن، ضرباتنا العميقة، وعقوبات الاتحاد الأوروبي، ومزيد من العقوبات من الولايات المتحدة، كل ذلك معاً يمكن أن يكون له تأثير تراكمي يؤدي إلى تسريع الكارثة الاقتصادية الروسية، ويقربها أكثر. وإذا واجهت روسيا هذه الصعوبات الاقتصادية الهائلة، فلن تكون قادرة على مواصلة هذه الحرب. لذلك يجب أن تكون هذه هي استراتيجية العالم، إذا كنا جميعاً نريد لهذه الحرب أن تنتهي، فيجب أن نتأكد أن روسيا لا تستطيع الاستمرار فيها.

السلام الصعب

○ هل تعتقد أن اجتماعاً بين الرئيس الروسي والرئيس الأوكراني زيلينسكي ما زال ممكناً في هذا الوضع؟
• لقد رأينا خلال السنوات الثلاث الماضية أن أشياء كثيرة بدت مستحيلة في وقت ما ثم أصبحت ممكنة. لذلك لن أقول إن أي شيء مستحيل. علاوة على ذلك، قال رئيسنا مرات عديدة إنه منفتح على أي صيغة. هو ملتزم بعملية السلام، وإذا لزم الأمر، هو مستعد للقاء رئيس روسيا. بالطبع، ليس في موسكو، ولكن في مكان يمكن أن يحدث فيه ذلك. ونعلم أن الأمريكيين يحاولون أيضاً تسهيل هذه العملية. لكن انظر، نرى أن روسيا تلعب ألعاباً قذرة، إنهم غير جادين. كنا نعلم ذلك منذ البداية، لم نثق أبداً في التزام روسيا بعملية السلام. كنا دائماً متشككين جداً بشأنها. والآن يمكن للجميع أن يرى ذلك لأنهم يخطبون ودّ دونالد ترامب من جهة، ويقولون من جهة أخرى إنهم سيواصلون هذه العملية العسكرية الخاصة حتى تتحقق أهدافهم. هذا إذلال للولايات المتحدة الأمريكية، صفعة في الوجه. أعني، أيّاً كان التشبيه الذي تستخدمه لوصف ذلك، فليس هكذا تُدار الأمور. روسيا ليست جادة في موضوع السلام.
○ إذا انتقلنا إلى استراتيجية الرئيس ترامب للحفاظ على السلام أو صنع السلام في أوكرانيا. حذّر ترامب، وقال إنكم سترون أموراً تحدث إذا لم تعجب خيارات بوتين واشنطن. كيف تصف استراتيجية ترامب؟ هل هي حقيقية لدعم أوكرانيا، أم مجرد ضغط على الجانبين من أجل أجندته الخاصة؟
• نحاول أن نتعامل مع هذا ببراغماتية شديدة، وأعتقد أننا تجاوزنا المرحلة التي نولي فيها اهتماماً مفرطاً لكل ما يقوله دونالد ترامب، لأنه حينها تصبح مفرط العاطفة وتتخذ قرارات خاطئة. نؤمن أن الولايات المتحدة هي شريكنا الاستراتيجي. نؤمن أن مساعدة أوكرانيا على مقاومة هذا العدوان وتحقيق سلام عادل في النهاية يصبّ في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية. نحن نؤمن بوجود دعم واسع من الحزبين في الولايات المتحدة لأوكرانيا، في الكونغرس الأمريكي. ونأمل أن تنجح استراتيجية دونالد ترامب.
لقد رأينا حتى الآن أنه دائماً ما يحدد (ترامب) مواعيد نهائية للروس، أسبوعين، ثلاثة أسابيع، ثم يقول سيحدث شيء ما، شيء سيئ. لذا في مرحلة ما، بالطبع، إذا لم ينفذ أقواله، إذا لم يطبق فعلاً تهديداته أو شروطه، إذا لم يفرض مزيداً من الضغط على روسيا، فعندها بالطبع ستتوقف روسيا عن أخذ تلك التهديدات على محمل الجد، وهو ما بدأنا نراه بالفعل الآن، لأن بعض المواعيد النهائية التي حددها ترامب تجاوزتها روسيا وتجاهلتها تماماً، ولم تتبعها خطوات ملموسة من الولايات المتحدة. لكننا نرى، على الأقل على مستوى الخطاب، أمرين. أولاً، أن الإدارة الأمريكية ودونالد ترامب شخصياً أصبحا أكثر إحباطاً من الطريقة التي يعاملهما بها الروس شخصياً ومن عملية السلام بشكل عام. ثانياً، نرى أن الولايات المتحدة لم تتوقف عن دعم أوكرانيا. ربما وجدوا طرقاً مختلفة للقيام بذلك، ببيع أسلحة للأوروبيين الذين يعطونها لنا، لا يهم، لكن دعم الولايات المتحدة ما زال موجوداً. الروس يعرفون جيداً أنه طالما أن شركاءنا يقفون معنا، فلا توجد أي فرصة في العالم أن ينتصروا.
وما نراه على الخطوط الأمامية دليل على ذلك. لأن الأوكرانيين يقاتلون ببسالة، ولأن شركاءنا يقدّمون الدعم، فإننا ما زلنا صامدين. بعد نصف عام سنكون دخلنا السنة الرابعة من هذه الحرب. إنه أمر لا يُصدَّق، إنه معجزة أننا ما زلنا صامدين، لكننا كذلك.

الأراضي الأوكرانية

○ وفي هذا السياق، مقترحات ترامب، استناداً إلى ما كشفته وسائل الإعلام، تضمنت تنازلات ومشاركة أمريكية محدودة. نحن نتحدث هنا عن أوكرانيا التي تتخلى عن بعض أراضيها. نتحدث عن دونباس، وأيضاً عن القرم. هل أوكرانيا مستعدة للتفاوض على وحدة أراضيها في أي عملية سلام مستقبلية؟
• موقف أوكرانيا، وموقف الرئيس والشعب والجيش وموقف الجميع في أوكرانيا بسيط وواضح جداً. نحن مستعدون لعدم الدفع باتجاه استعادة السيطرة على هذه الأراضي المحتلة مؤقتاً في هذه اللحظة، لكننا لن نوافق أبداً على إضفاء الشرعية على العدوان. هذا غير ممكن. قال رئيسنا ذلك مرات عديدة: لن نعطي القرم لروسيا كهدية. لن نعطي منطقة دونباس لروسيا كهدية. ولن نعطي أجزاء أخرى من منطقتي زاباروجيا وخيرسون المحتلتين مؤقتاً كهدية. يمكننا إيقاف إطلاق النار على طول خطوط الجبهة القائمة والتحول إلى الوسائل الدبلوماسية. هذا ممكن، ولا أحد خالد، والأمور تتغير. سنواصل فقط السعي لتحقيق أهدافنا بالوسائل الدبلوماسية، بصبر، ونعلم أن الأمر سيستغرق وقتاً. لكن قبول عدم شرعية العدوان ليس خياراً.
○ يقول بوتين إنه لم يعارض أبداً انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، لكنه يرفض انضمامها للناتو. هل تعتقد أن موقفه بشأن عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي يعدّ تحولاً أو تغييراً في سياسته، أم أنه مجرد تصريح صادق بأنه لم يعارض ذلك أبداً؟
• الرئيس بوتين مجرم حرب وكاذب. لقد رأيناه يكذب مرات عديدة من دون أن يرمش له جفن. يقول شيئاً ويفعل العكس تماماً. رأينا هذا مرات عديدة خلال السنوات الثلاث أو الخمس أو العشر الماضية. لذلك ليست لدينا ذرة ثقة في أي تغيير في موقفه. ما يريده بوتين هو أن تتوقف أوكرانيا عن الوجود. سيكون سعيداً عندما تصبح أوكرانيا، كدولة، مقاطعة، أو إقليماً من أقاليم روسيا وتخضع للكرملين. لذلك عندما يقول مثل هذه الأشياء، وإنه لم يعارض قط، فهذا هراء بصراحة. إنه مجرد كلام فارغ، لأنه يفهم أنه من دون أوكرانيا في حظيرة روسيا، فلن يكون لروسيا أي ادعاء بأنها قوة عظمى. إذا انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فهذا يعني أنه سيفقد أوكرانيا إلى الأبد. بالطبع، في قرارة نفسه، سيبذل كل ما بوسعه لوقف انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. لديه أصدقاء غريبون جداً في فريقه، مثل رئيس وزراء سلوفاكيا ورئيس وزراء المجر، إنهما عضوان في الاتحاد الأوروبي، ويضعان العصي في العجلات، ويقفان في طريق انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي، ونأمل أن يغيرا رأييهما أيضاً.
○ ولكن ألا تعتقد أن أوكرانيا قد تكون راضية بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من دون الانضمام إلى الناتو، حيث يبدو أن الانضمام إلى الناتو قضية أكثر تعقيداً في ظل هذه الظروف؟
• مرة أخرى، بطريقة ما، أنت محق. وقد قلنا ذلك بوضوح: في الوقت الراهن يمكننا أن نكتفي، وهذا هو الموقف فعلاً الذي اقترحته جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا. لقد قالت: أعطوا أوكرانيا ضمانات أمنية شبيهة بالمادة 5، ولن تكون هناك حاجة فعلياً لقبول أوكرانيا في الناتو. ولكن عليك أن تفهم شيئاً بسيطاً، أنه بالنسبة لبوتين، لا يهم كيف تسمي هذا: ناتو، أو الأمم المتحدة، يمكنك أن تبتكر عشرة أسماء جديدة أخرى. بوتين لا يريد لأوكرانيا أن تكون في دائرة نفوذ أي طرف، بوتين يريد أن يبتلع أوكرانيا. إذا حصلت أوكرانيا على أي ضمانات، فسيصبح من الصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، على بوتين أن يحقق هدفه الإمبراطوري الجديد. لهذا السبب، ليسوا خائفين من الناتو. إنهم قوة نووية. عندما يقولون إنهم يخافون من توسع الناتو، فهذه كذبة أخرى. هذا هراء، لأن لديهم أكبر ترسانة أسلحة نووية في العالم. من الذي يمكنه أن يشكل تهديداً لهم؟ هذا كلام فارغ. لكن ما يخشونه هو أنه إذا تحركت دول مثل أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا نحو الاتحاد الأوروبي والناتو أو ترتيبات مشابهة، فسيكون من المستحيل على روسيا أن تؤثر علينا. وسيكون ذلك نهاية الحلم الإمبراطوري الروسي.
○ لقد ذكرت المجر وسلوفاكيا. هل يمكن للتحالف الجديد للراغبين أن يحوّل التضامن الأوروبي إلى دعم عسكري حقيقي، خاصة مع تذبذب السياسة الأمريكية؟
• أولاً، لا أعتقد أنه يجب أن نقول إن السياسة الأمريكية متذبذبة. إنها تكتيكات تفاوضية معقدة للغاية، قد تبدو أحياناً أو تظهر كما لو أن الدعم الأمريكي متذبذب، لكن في الجوهر، حتى الآن، لا يمكننا قول ذلك، لأن الولايات المتحدة ما زالت موجودة وهي شريكنا الاستراتيجي، والولايات المتحدة تتحدث أيضاً مع الدول الأوروبية حول كيفية التعامل مع هذه الحرب في المستقبل. هذا أولاً. لكن ثانياً، بالطبع، كان دعم الدول الأوروبية عظيما لأوكرانيا، فقط لأن هذه الدول تدرك جيداً أخطار الغزو الروسي إذا استمر وتوسع. هناك دول البلطيق، وهناك دول أخرى. إذا سُمح لروسيا بالسيطرة على أوكرانيا، فستأخذ استراحة ثم ستهاجم مرة أخرى. لأنني أعتقد أنه عندما سقط جدار برلين، شعر بوتين بغضب شديد ويريد أن ينتقم، ولا يجب أن نسمح له بذلك.
○ ذكرت أيضاً نفس القضية بخصوص المجر وسلوفاكيا، والانقسام داخل الاتحاد الأوروبي. ليس الأمر متعلقاً بالمجر وسلوفاكيا فقط. هناك نقاش حول نشر قوات في أوكرانيا. كيف تصف وضع الاتحاد الأوروبي وموقفه من ذلك الآن من وجهة نظر تحليلية؟
• نحن نتلقى إشارات متباينة. هناك دول، تقول في البداية إنها مستعدة لتوفير بعض القوات، ثم تقول إنها غير مستعدة، ثم تقول إنها مستعدة، ولكن بشروط. لكن الصورة العامة تظهر أن الجميع يفهم أن الوضع في القارة الأوروبية سيكون أفضل إذا كان ثمة وجود دولي على الأراضي الأوكرانية عند تحقيق وقف إطلاق النار، وعندما تتقدم عملية السلام. لذلك، من غير الواضح الآن من سيشارك في القوة الدولية المحتملة، لكن هناك ما يصل إلى عشر دول تفكر في ذلك، وهذا بحد ذاته يجب أن يكون كافياً. وبالطبع، في الوقت نفسه نرى موقف روسيا، وقد قالوه بوضوح مرات عديدة إنهم لن يسمحوا بحدوث ذلك. وعندما يتحدثون عن هذا، لا يقولون إنهم لن يسمحوا للناتو، لكنهم يقولون إنهم لن يسمحوا لأي دولة من دول الناتو بالمساهمة في هذه القوة. لذا فهي توقعات غير واقعية من روسيا. أعتقد أنه بينما نتحدث، هناك الكثير من العمل الجاري لإيجاد أفضل الترتيبات للمستقبل. من سيساهم وبأي صفة. وبالطبع، سيكون من الضروري أن تكون الولايات المتحدة جزءاً من ذلك أيضاً.
○ لقد توليت عدداً من الوظائف الحكومية في السابق. ذهبت إلى الولايات المتحدة، إلى أوروبا، إلى دول أخرى، وتعاملت مع المسؤولين الحكوميين وغيرهم، كيف تصف تجربتك وما الصعوبات التي واجهتها في الترويج لقضية أوكرانيا بشكل عام؟
• أعتقد أنني في معظم الدول التي كانت لدي تجربة شخصية بالتعامل معها، في كل دولة تقريباً، من طوكيو في اليابان، وأستراليا، وسيدني، وواشنطن العاصمة، والدول الأوروبية، وبروكسل، ولندن، وباريس، في كل دولة هناك مجموعة من السياسيين المتحمسين. قد يكونون من ألوان سياسية مختلفة، من ديمقراطيين أو جمهوريين أو محافظين، لا يهم. هؤلاء أشخاص متحمسون لدعم أوكرانيا، وهم القوة الدافعة للعملية السياسية حول هذا الموضوع. ثم هناك المجموعة الأكبر من الأشخاص الذين يركزون على الداخل، إنهم منشغلون بالقضايا المحلية، وهو أمر مفهوم لأن كل سياسي، وبخاصة المنتخب، يجب أن تكون أولويته رعاية شعبه ومصالح بلده. لذلك فإن التغلب على هذا الجمود، والتغلب على هذا الافتقار للاهتمام، وتحفيز هؤلاء الأشخاص الذين يبدون غير مبالين على التصويت بالطريقة الصحيحة لدعم المبادرات المهمة، كان ربما واحداً من أكبر التحديات.
○ هل تتذكر لحظة من خيبة الأمل؟ إذا كان بإمكانك الحديث عنها.
• كانت هناك ستة أشهر صعبة جداً، على سبيل المثال، في الكونغرس الأمريكي، عندما كان لدينا مشروع قانون لدعم أوكرانيا، ظل معلقاً هناك ولم يكن هناك دعم. كان هناك جيش ضخم من المناصرين لأوكرانيا على مستويات مختلفة من الحكومة وفي المجتمع المدني فعلياً، كانوا يضغطون ويعملون، مستهدفين عقول أشخاص مثل مايك جونسون، وعقول الجمهوريين البارزين. ثم أخيراً حصل اختراق. نعم، ربما كان ذلك أكبر صراع واجهناه في هذا السياق.
○ رأينا العرض العسكري في الصين في بدايته، ورأينا الرئيس الصيني، وبوتين، وكيم جونغ معاً هناك. ما هو شعورك عندما رأيت ذلك؟
• هذا يجعلني أشعر بالحزن، لأن هناك دولاً مثل الصين.. الصين شريك تجاري للعالم. الصين مركز التصنيع للعالم. نفهم أن الصين دولة شيوعية، لديهم نظامهم السياسي الخاص. لكنك لا تزال ترغب في أن تكون الصين على الأقل محايدة. لذلك عندما يسير زعيم الصين جنباً إلى جنب مع هؤلاء مثل الديكتاتوريين والطغاة ومجرمي الحرب، فهذا ليس مريحاً جداً للمشاهدة، بصراحة. إنه يجعلك تشعر وكأنه تكوين لمحور شر جديد من الدول التي تحتقر الديمقراطية والحرية، وتريد إعادة كتابة النظام العالمي بطريقة تسمح لها أن تفعل ما تشاء من دون أن تُحاسب. إذا نظرت ليس فقط إلى الدول التي ذكرتها، بل إلى التركيبة الأوسع لأولئك الذين حضروا، إنها أشبه بمجموعة غريبة جداً من الدول. وآمل ألا يكون لهم ما يريدون.
○ إذا قاربنا بإيجاز مواقف الدول العربية تجاه ما يحدث في أوكرانيا منذ البداية، كيف تصفها؟ ماذا يمكنك أن تقول؟
• بصراحة، لقد رأيت الكثير من الاهتمام من الدول العربية ومن وسائل الإعلام العربية. لقد أجريت عشرات، إن لم يكن مئات المقابلات مع الجزيرة، وقناة العربية، وبي بي سي عربي، وسكاي نيوز عربية. كنت على تواصل معهم بانتظام، ورأيت الكثير من الاهتمام. أعتقد، من الناحية الجيوسياسية، أن دول الشرق الأوسط والعالم العربي سيكون لها دور كبير لتلعبه. لأنه عندما انهار الاتحاد السوفييتي، كانت دول الخليج في الواقع مساعدة في إسقاطه. فعندما يتعلق الأمر بالضغط الذي ناقشناه في البداية، الضغط الذي يشمل موارد الطاقة، وتجارة النفط، والأسعار العالمية للنفط، عندها يمكن للدول العربية بالفعل، ونأمل أن تلعب دوراً عندما يحين الوقت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية