السفير الأوروبي السابق جيمس موران: استمرار الحرب في الشّرق الأوسط يهدد استقرار أوروبا

حاوره: وائل الحجار
حجم الخط
1

شهدت قمة الاتحاد الأوروبي المنعقدة هذا الأسبوع في بروكسل، وكذلك اجتماع وزراء خارجية الاتحاد قبلها في لوكسمبورغ، تباينات ظاهرة في مواقف الدول الأوروبية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، وفي غزة بشكل خاص.
وطفت هذه الخلافات إلى السّطح من خلال كلمة وزير خارجية لوكسمبورغ كزافييه بيتل بقوله إنه «لم يعد هناك تقريبا» من يستمع للاتحاد الأوروبي، وهو موقف يتقاطع مع مواقف الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.
وأخذ بوريل على الدول الأعضاء في التكتل تأخرها في التنديد بهجمات إسرائيل على جنود قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
لكن الخلافات لا تقف أمام هذه القضية، بل تتعداه إلى مقاربة الاتحاد للحرب في غزة، ولمستقبل الصراع، ولحل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية الذي بادرت إليه دول عديدة في الاتحاد في مقدمتها أيرلندا وإسبانيا.
وتريد هذه الدول فرض عقوبات على إسرائيل بسبب ما تقول إنه انتهاكها للقانون الدولي الإنساني وسياساتها، من بينها تعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل، ودون ذلك معارضة دول بعينها.
لكن الانقسام الأوروبي، لن يمنع على ما يبدو دولا مثل أيرلندا من التحرك منفردة، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الأيرلندي سيمون هاريس خلال القمة بقوله إن بلاده لن تنتظر الاتحاد لتتخذ هذه الخطوة.
«القدس العربي» حاورت جيمس موران، السفير الأوروبي والبريطاني السابق، والباحث الرئيس المشارك في «مركز دراسات السياسة الأوروبية» بشأن مقاربة الاتحاد لما يجري في غزة ولبنان.
وشغل موران مناصب رفيعة في الاتحاد الأوروبي، من بينها المستشار الرئيسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنصب المنسق الرئيسي للاتحاد في ليبيا خلال ثورة 2011، فضلا عن ترؤسه بعث الاتحاد خلال السنوات الماضية في مصر والأردن واليمن.
ويحذر موران، في الحوار الذي أجري قبل اغتيال زعيم «حماس» يحيى السنوار، من الانعكاسات المستقبلية لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية على الأمن والسلام الإقليميين.
ويقول إن هذه الحكومة تفتقد إلى رؤية مقبولة لمرحلة ما بعد الحرب، أو اليوم التالي. كما يحذر من أخطار تتهدد الأمن الأوروبي جراء استمرار الحرب، متوقعا أن تطول هذه الحرب في حال انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وفيما يلي نص الحوار:

○ في مقالك الأخير، ذكرت أن حكومة بنيامين نتنياهو فشلت في التوصل إلى اتفاق رغم المفاوضات التي سهّلتها الولايات المتحدة، والتي لعبت فيها قطر ومصر دور الوساطة المحورية، وعزوت ذلك إلى نتنياهو نفسه. ألا تعتقد بأن أمر هذه المفاوضات أصبح متأخراً جدًا نظرًا لأن فرصة التوصل إلى تسوية في غزة قد تكون فاتت، وأن سياسات نتنياهو تكتسب الآن مزيدًا من الدعم داخل المجتمع الإسرائيلي والمشهد السياسي الإسرائيلي؟
• نعم، للأسف، أعتقد أن هذا هو بالضبط ما حدث. علينا أن نعود قليلا إلى الوراء بضعة أشهر، إلى المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة، وأخيرا إلى الضغط الذي دعت إليه الأمم المتحدة بوحي من الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع في لبنان. في كل مرة تقترب هذه المفاوضات من التوصل إلى اتفاق، ونحن نتحدث عن فترة امتدت من 6 إلى 8 أشهر، تقوض حكومة نتنياهو هذه الجهود. لقد رأينا ذلك مرارًا وتكرارًا، سواء كان ذلك من خلال اغتيالات لقادة «حزب الله» أو «حماس» أو من خلال الهجمات على السفارات الإيرانية، بغض النظر عما كان يحدث في كل مرة. وأعتقد أن هذا جزء من استراتيجية حكومة نتنياهو للحفاظ على التوتر مرتفعًا، والحفاظ على استمرار الحرب من أجل البقاء في السلطة. ونحن نرى ذلك مرة أخرى الآن. أعتقد أن نتنياهو قد حسب، والأشخاص من حوله، أنه كلما استمرت الحرب لفترة أطول على هذا النحو، زادت فرص زيادة الدعم له داخل إسرائيل. وهذا بالضبط ما يحدث الآن. استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة تظهر أن دعمه عاد إلى مستوى 40 أو 50 في المئة، بعد أن كان عند 10 أو 15 نقطة عندما حصلت هجمات أكتوبر من جانب «حماس».
○ هناك تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية تفيد بأن رئيس الموساد، ديفيد برنياع، حثّ ويليام بيرنز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على الضغط على «حزب الله» وإيران لتأمين إطلاق سراح الرهائن في غزة كجزء من وقف إطلاق النار في لبنان. هل هذا يشير إلى أن إسرائيل غير راغبة في التوصل إلى اتفاق محدد مع غزة، وتلتزم بدلًا من ذلك بالسعي لحل عسكري؟
• نعم، أعتقد أن هذا هو الحال. في الوقت الحالي، الحل العسكري هو الأول والأخير على جدول أعمال هذه الحكومة الإسرائيلية. في الوقت نفسه، لا نرى أي شيء يأتي منهم من حيث النتيجة السياسية. وقد أثيرت انتقادات كثيرة بشأن هذا. لكن يمكنك طرح هذا السؤال الآن: ما هو الهدف النهائي؟ ماذا تنوي إسرائيل أن تفعل في نهاية هذا الصراع؟ هل ترى نهاية لهذا الصراع؟ في الوقت الحالي، لا يوجد دليل على أن نظام نتنياهو لديه أي أفكار واضحة حول ما يجب فعله بعد انتهاء الحملة العسكرية. يومًا ما، ونأمل قريبًا، سينتهي الأمر. ولكن لا يوجد دليل على وجود استراتيجية.
○ ذكرتَ أن إسرائيل لم تُحدد بعد استراتيجية سياسية طويلة الأمد، وأنّ الإدارة الإسرائيلية الحالية هي الأقل اهتمامًا بالسلام منذ تأسيس الدولة في عام 1948. بالإضافة إلى التوسع الاستيطاني، أضيف إلى ذلك رفض إسرائيل إشراك السلطة الفلسطينية في ترتيبات ما بعد الصراع، واستهدافها لـ«الأونروا» بهدف حظرها وتفكيكها. أيضًا، سمعنا تصريحات حول ضم الضفة الغربية وجعلها جزءًا من إسرائيل. نرى أيضًا معارضة من شخصيات سياسية رئيسة مثل نفتالي بينيت، وبيني غانتس، وغيرهم من الشخصيات المعارضة في إسرائيل لحل الدولتين ولقيام دولة فلسطينية، ويظهر ذلك من خلال التصويت الأخير في الكنيست. في ضوء كل هذا، أيّ سلام تتصور أنه ممكن؟
• بصراحة، في الوقت الحالي، من الصعب جدًا تصور أي سلام دائم في أي وقت قريب في الأسابيع والأشهر المقبلة. لدينا بعض الأحداث القادمة. بالطبع، الانتخابات الأمريكية على الأبواب. وبالتأكيد لن يحدث شيء قبل ذلك. إذا أتت نتيجة الانتخابات الأمريكية لصالح كمالا هاريس، ربما سيحدث تغيير في الموقف الأمريكي، وقد يؤثر بدوره على النهج الإسرائيلي، لكن هذا ليس واضحًا. بالتأكيد، إذا تم انتخاب ترامب، فتوقّع المزيد من الحرب لأشهر طويلة. إنه وضع محبط للغاية. لقد ذكرتَ الأمم المتحدة. معاملة إسرائيل للأمم المتحدة غير مسبوقة. لا نرى فقط إغلاق مكاتب «الأونروا» والهجمات على موظفيها في غزة، بل نرى أيضًا الهجمات على مجموعات «اليونيفيل» في لبنان. نرى أيضًا تصنيف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، شخصًا غير مرغوب فيه في إسرائيل، وإسرائيل دولة عضو في الأمم المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، نرى رفض إسرائيل مجرّد التفكير في رأي محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية المستوطنات. كل هذا يظهر أن إسرائيل تتجاهل المجتمع الدولي بأكمله.
هذا غير مسبوق. لم نشهد هذا السلوك من إدارة إسرائيلية في الماضي. نعم، كانت إسرائيل تشكّك في الأمم المتحدة، نحن نعلم ذلك، لكن ليس إلى هذا الحد.

«جائزة ترامب»

○ بالحديث عن الانتخابات الأمريكية المقبلة، ماذا يمكن أن يعني فوز دونالد ترامب بالنسبة للشرق الأوسط؟ هناك من يرى أنه سيواصل متابعة اتفاقات أبراهام، وأن هذا سيؤدي إلى «السلام» في فلسطين. هل هذا صحيح؟ وكيف يمكن أن تؤثّر حقبة ترامب على الشرق الأوسط؟
• أعتقد بأنه إذا أردت أن تكون متفائلًا، يمكنك القول إن الجائزة الكبرى لترامب ستكون متابعة اتفاق أبراهام آخر مع السعودية. لكننا نعرف جيدًا موقف السعودية. تم توضيحه منذ بضعة أسابيع مرة أخرى، بوضوح شديد: لا اتفاق من دون دولة فلسطينية مستقلة. هذا من جانب واحد. هذا يعني أنه إذا تم متابعة النهج الترامبي لتحقيق السلام الإقليمي، فعليه أيضًا أن يوافق على ظهور دولة فلسطينية، وهو أمر غير مرجّح بالنظر إلى سجله في إدارته الأولى، حيث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وكان موقفه مدينًا جدًا للفلسطينيين ومؤيدًا جدًا لإسرائيل. كيف سيوفق بين هذه الأمور أثناء متابعة هذه الاتفاقات؟ هذا ليس واضحًا. لكن أعتقد بأن السعوديين كانوا واضحين تمامًا، وهو أمر أراه مفيدًا أيضًا للسلام الإقليمي، لأنه يعني أن الأمر واضح للجميع بأنه لن يكون هناك سلام إلا إذا كانت هناك دولة فلسطينية على الأرض.
○ البعض يقارن ما يحدث الآن في الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بما حدث في عام 1967 من حيث التوسع الإسرائيلي. ما رأيك في ذلك؟
• هذا ممكن. مرة أخرى، لا أعلم ما هي استراتيجية الإسرائيليين. لست متأكدًا أنهم يعرفون أيضًا. لكن بالطبع، احتلوا في الماضي لبنان وغزة. لقد احتلوا الضفة الغربية بالكامل قبل اتفاقيات أوسلو. نحن نعلم كل ذلك. ربما يرغبون في إحياء هذا النموذج من الماضي. السؤال الوحيد هنا هو، ماذا قدم هذا النموذج للسلام والأمن في إسرائيل؟ بصراحة، لا شيء. حرب بعد حرب، صراع بعد صراع. إذا كان هذا هو الحال، بصراحة، لست متأكدًا. ولكن أعتقد أن آينشتاين هو من قال إن تعريف الغباء هو تكرار نفس الخطأ مرارًا وتكرارًا مع توقع نتائج مختلفة.
○ في آخر مقال لك، ذكرتَ أن سياسة إسرائيل في الصراع قد تشكل تهديدًا لأمن الاتحاد الأوروبي. لماذا وكيف؟
• هناك عدد من الأمور التي أعتقد أنها تثير القلق بالنسبة لأوروبا. أحدها هو التطرف. هناك الكثير من الناس الغاضبين في المنطقة يزيد عددهم اليوم. ليس لدينا تقليد للإرهاب يأتي من تلك المنطقة من العالم، ولكن قد يحدث ذلك في المستقبل، بسبب اليأس. أيضًا يوجد تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي. قفزت أسعار النفط قبل أسبوع أو أسبوعين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان الجنوبي. وبالطبع، القلق حول الهجوم القادم على إيران. ارتفعت أسعار النفط بنسبة 10 في المئة أو أكثر. هذا يؤثر بشكل مباشر على أوروبا. معظم النفط الأوروبي يأتي من الشرق الأوسط. ولا يهم إذا كان من الشرق الأوسط أو أي مكان آخر، فالنفط سلعة عالمية. لذلك ارتفعت الأسعار. هذا سيكلف الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن كل الاضطرابات في الداخل. هناك مشاعر قوية جدًا بين الجمهور الأوروبي حول هذه المسألة. أنت تعرف ذلك. ترى ذلك كل أسبوع، أسبوعًا بعد أسبوع، في المظاهرات، معظمها تؤيد حق تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة. وهذا يستمر ويستمر، ويشكل مشكلة حقيقية للعديد من الحكومات الأوروبية.

الضغط الأوروبي المطلوب

○ تحدثت من قبل عمّا يمكن أن يفعله الاتحاد الأوروبي؟ ماذا يمكن أن يفعله الاتحاد لتخفيف التوتر أو محاولة إيجاد مسار سلمي في الشرق الأوسط؟
• أعتقد بأنه في ظل الظروف الحالية، فإن أفضل طريقة للمضي قدمًا للاتحاد الأوروبي، هي أن يكون أكثر قوة في زيادة الضغط على إسرائيل للتراجع عن المسار العسكري الذي تتبعه حاليًا، وأن يظهر للإسرائيليين أن هناك تكلفة ستدفعها إسرائيل من الجانب الأوروبي إذا استمروا في الحملة العسكرية. أحد المجالات هو التجارة. هناك اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي تتضمن شروطًا تجارية تفضيلية للغاية. لا تنسَ أن ثلث تجارة إسرائيل هو مع الاتحاد الأوروبي. إذا تمت مراجعة هذه الاتفاقية، ومن الممكن أن يتم ذلك، فقد اقترحت أيرلندا وإسبانيا بالفعل وجوب مراجعتها، لأن كلا الجانبين، إسرائيل والاتحاد الأوروبي، قد التزما بحماية حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. الحجة هي أن هذا قد تم انتهاكه، وخاصّة في حالة غزة. والآن، مع ما يحدث ضد قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان، سيكون هناك أساس لمراجعة الاتفاقية، مما قد يؤدي إلى تعليقها، فضلا عن التعاون المهم في المجالات العلمية والتعليمية، وهو محل تقدير من كلا الجانبين، ومفيد جدًا للشعوب.
هذا، مرة أخرى، قد يلعب دورًا. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المجالات الأخرى، وبشكل خاص، الاعتراف بدولة فلسطينية. حوالي نصف دول الاتحاد الأوروبي اعترفت بفلسطين. البعض الآخر لم يفعل، وأبرزها فرنسا، وهي لاعب كبير على الساحة الدولية. هناك حركات داخل فرنسا وأماكن أخرى لفعل شيء حيال ذلك. وخارج الاتحاد الأوروبي، هناك أيضًا تحركات. المملكة المتحدة تتجه نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، وهو ما يبعث برسالة واضحة جدًا للإسرائيليين بأننا نؤمن حقًا بحل الدولتين. كما سبق وقلت، إذا كنت تريد حل الدولتين، دعنا نبدأ بدولتين ثم نتفاوض. لا تتخيل أن دولة لم يتم الاعتراف بها بعد، ستقبل أن يأتي الاعتراف بها كجزء من مكافأة على التنازلات المقدمة للطرف الآخر، هذا منطق خاطئ. يجب أن يحدث الاعتراف بالدولة الفلسطينية الآن. سيوجه ذلك أيضًا رسالة أمل إلى الفلسطينيين والمنطقة بأكملها بأن الاتحاد الأوروبي يقصد حقًا ما يقوله عندما يتحدث عن حل الدولتين.

انقسام
الاتحاد الأوروبي

○ لكن الاتحاد الأوروبي ليس موحدًا حول هذا الموضوع؟
• لا، هو ليس كذلك. وهذه هي المشكلة. هناك حركة حاليًا ناجمة عن النهج الإسرائيلي، وعن الإبادة الجارية في غزة، والقتل الذي يحدث في كل مكان في المنطقة. هناك توجه نحو دراسة جدية للقضية الفلسطينية. لكنك محق، هناك دول في أوروبا تعارض إلى حد كبير القيام بأي شيء لاستعادة بعض التوازن في نهج الاتحاد الأوروبي. وفي المقدمّة، تأتي ألمانيا. ألمانيا، بالطبع، لأسباب تاريخية تعود إلى الهولوكوست وما إلى ذلك، مترددة جدًا في فعل أي شيء يمكن تفسيره على أنه ضد مصالح إسرائيل، ومن الصعب جدًا على ألمانيا أن تتحرك. وهناك النمسا، ودولة أو دولتان أخريان في المنطقة. لكنني أعتقد أن هناك أغلبية كبيرة من الدول الأوروبية التي يمكن أن تتحرك نحو الاعتراف بدولة فلسطين. وأعتقد أن هذا مهم. سيساهم ذلك في تحريك الأمور قليلًا. لكن نعم، هناك انقسامات، ولا يمكن إخفاؤها.
○ إسرائيل منعت أخيراً الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل من زيارتها. كيف تصف تعامل السيد بوريل مع الأزمة؟ وهل تعتقد أن الممثل الأعلى الجديد سيتبع سياسة مماثلة؟
• أعتقد أن بوريل بذل جهدًا كبيرًا جدًا. أعلم أنه يؤمن بحل عادل لفلسطين. إنه يؤمن بدولة فلسطينية، وقد قال ذلك في العديد من المناسبات. لقد فعل كل ما بوسعه من موقعه. لكن الانقسامات التي يواجهها داخل الاتحاد الأوروبي، جعلت حياته صعبة للغاية. لكني لن ألوم بوريل على هذه الانقسامات في أوروبا، فهي أعمق بكثير من منصبه. في الوقت نفسه، قام بوريل أيضًا بكل ما يمكنه للحفاظ على جهود المساعدات الإنسانية وكل ما يتعلق بذلك من جانب الاتحاد الأوروبي. لكن بالطبع، هذا محدود جدًا مع هذه الانقسامات الجارية. والممثل الأعلى الجديد، كايا كالاس، سياسية بارعة جدًا من إستونيا، وشغلت منصب رئيسة وزراء إستونيا. لكنها تتمتع بسجل يرتبط بشكل شبه كامل بالمشكلات في الشرق مع أوكرانيا. هل ستتمكن من أن تكون فعالة في الشرق الأوسط؟ هذا ما سنراه. علينا أن نرى ذلك عندما تتولى المنصب بعد حوالي شهر من الآن.
○ بالحديث عن السياسية الأوروبية، تحدثت تقارير عن العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية الحالية واليمين المتطرف في أوروبا. كيف تصف هذه العلاقة؟ وما هي التداعيات لهذه العلاقات بين اليمينين المتطرفين؟
• أولًا وقبل كل شيء، يبدو لي أن هذا أمر مثير للسخرية للغاية. حزب مثل «حزب التجمع الوطني» في فرنسا، الذي تم تأسيسه منذ سنوات عديدة على يد جان ماري لوبان على أساس جزئي من معاداة السامية، كانوا معادين جدًا لليهود ومعادين للسامية عندما ظهروا، والآن يجادلون لصالح إسرائيل. إنه أمر غريب جدًا، ولكن هذا هو الواقع اليوم. هناك شيء مشابه يحدث في المجر، حيث توجد حركة يمينية متطرفة تحت قيادة فيكتور أوربان. بالطبع، هذا يتعلق بالمصالح المتبادلة، حيث يتعامل نظام أوربان مع إسرائيل في التجارة، وأيضًا في مجال السلاح. الأمر معقد في كل دولة أوروبية فيما يتعلق بموقفها، ولكن بشكل عام، يميل اليمين المتطرف إلى دعم وجهة النظر الإسرائيلية. ولكن مرة أخرى، ليسوا في السلطة. إذا وصلوا إلى السلطة، وآمل ألا يحدث ذلك، قد يتغير هذا الأمر.
○ إذا تحدثنا عن موقف بريطانيا، هل ترى أي اختلاف كبير في سياستها تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مقارنة بحكومة ريشي سوناك؟ وزير الخارجية ديفيد لامي، في زيارة أخيرة إلى البحرين، قال إن الحل الحقيقي يجب أن يستند إلى نهج حل الدولتين. ومع ذلك، بالنظر إلى رفض إسرائيل لهذا، من الواضح أن الأصوات المؤيدة للفلسطينيين تجادل بأن موقف بريطانيا غير واقعي. إذا كانت بريطانيا تعلم أن إسرائيل ترفض هذا الحل، ولا تقدم أي بدائل، ألا يترك هذا المملكة المتحدة صامتة وغير فعالة في عملية السلام أو التفاوض؟
• أعتقد أن هناك تغييرًا طفيفًا في موقف الحكومة البريطانية منذ انتخاب حزب العمال. نرى هذا، رغم أنه لم يصل إلى مستوى التغيير الذي كان يأمله الكثيرون فيما يتعلق بالموقف من الصراع الجاري الآن. لكن على سبيل المثال، قبل يوم أو يومين فقط، أصدر مكتب رئيس الوزراء في المملكة المتحدة بيانًا قويًا جدًا قالوا فيه إنهم «مذهولون» مما يجري في جنوب لبنان مع الهجمات الإسرائيلية على قوات «اليونيفيل». كما رأينا أيضًا، ولامي، الذي كان في المعارضة، كان داعمًا بشدة لأمور مثل الاعتراف بدولة فلسطينية. منذ أن تولى منصبه في الحكومة، خفّف قليلاً من مقاربته، لكنه لا يزال يتحدث عن حل الدولتين. هناك حركة داخل البرلمان البريطاني في الوقت الحالي، وليست للمرة الأولى، تتجه نحو الاعتراف بفلسطين كدولة. سنرى كيف سيتطور ذلك في الأشهر المقبلة. أعتقد بأن الطريقة التي تتصرف بها إسرائيل في الوقت الحالي، مع إفلاتها من العقاب بشكل كامل، قد تؤدي بالفعل إلى تغيير حقيقي في موقف المملكة المتحدة.

«سيناريو كابوسي» مع إيران

○ بالنسبة لإيران، هناك تكهنات حول هجوم انتقامي إسرائيلي بعد هجوم إيران في الأول من أكتوبر. هذا قد يحدث في أي يوم، ولكن ما التأثير الذي يمكن أن يحدثه مثل هذا الهجوم على الوضع في الشرق الأوسط؟ هل يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية تشمل المزيد من الدول؟ بالإضافة إلى ذلك، هل تعتقد أن إسرائيل نجحت في حشد الحلفاء الأمريكيين والأوروبيين تحت ذريعة أو مظلة الدفاع عن نفسها ضد التهديد الإيراني؟
• أعتقد بأن هناك قلقًا كبيرًا في أوروبا، كما هو الحال في الولايات المتحدة، حول هذا الأمر. لأن هناك عاملين في الحسبان: الأول هو الهجوم على منشآت النفط الإيرانية، وبشكل رئيسي تأثيراته على سوق النفط والغاز، ما قد يتسبب في أزمة طاقة جديدة خلال الشتاء المقبل هنا في أوروبا، وليس في الولايات المتحدة لأنهم مكتفون ذاتيًا بهذه المنتجات. ولكن خاصة في أوروبا. هناك قلق كبير بشأن ذلك. وفي العالم الأوسع، ليس فقط في أوروبا، في أمريكا، وبالفعل في الشرق الأوسط، هناك السيناريو الكابوسي المتمثل في احتمال حدوث هجوم على المنشآت النووية. أولًا وقبل كل شيء، سيتعين على الأمريكيين أن يكونوا مشاركين. نحن جميعًا نعرف ذلك. الإسرائيليون لا يملكون القدرة على فعل ذلك من دون مساعدة أمريكا. إذا حدث ذلك، الله وحده يعلم ما ستكون العواقب. أحدها هو دفع إيران نحو الحافة ودفعها نحو امتلاك قنبلة نووية، وهو ما سيكون كارثة على المنطقة والعالم بأسره. لذا هناك قلق كبير حاليًا بشأن ذلك.
وفيما يتعلق بحشد الجميع ضد إيران، الأمر معّقد بعض الشيء في أوروبا. معظم الدول الأوروبية لا تزال تسعى، كما هو الحال في الولايات المتحدة، لمحاولة إحياء الاتفاق النووي. وأعتقد بأن العديد من الدول في أوروبا، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، الذي كان منسقًا لتلك المحادثات، يرغب بشدة في رؤية طريق إلى الأمام. وقد أظهرت الحكومة الإيرانية الجديدة بعض العلامات على أنها ستكون مستعدة لإعادة النظر في المسار الدبلوماسي. وأعتقد أنه يوجد في أوروبا، قلق كبير من أن دعمًا مفرطًا للإسرائيليين في مهاجمة إيران قد يؤدي إلى فقدان هذا المسار إلى الأبد.
○ هل تعتقد أن تغيير النظام في إيران هو خطوة محتملة على أجندة إسرائيل؟
• بصراحة، أرى أن تغييراً للنظام تحدثه إسرائيل في إيران هو حلم بعيد المنال. هذا لن يحدث ببساطة. إذا تغيرت الحكومة في إيران يومًا ما، فسيكون ذلك نتيجة لتغيير في آراء الشعب الإيراني. وحتى هذا، صعب جدًا. رأينا ذلك في الانتخابات السابقة في إيران، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ لكن ربما يكون هذا شيئًا يحب نتنياهو وآخرون في إسرائيل أن يتحدثوا عنه، لكنني لا أعتقد أنه يجب أخذه على محمل الجد.
○ بناءً على خبرتك وتاريخك في الدبلوماسية، وخاصة في الشرق الأوسط وخارجه، لدي سؤال أريد طرحه عليك. الإرث العالمي بعد الحرب العالمية الثانية يحمل تقدما كبيراً في إعلاء قيم حقوق الإنسان والقانون الدولي. ومع ذلك، البعض، خاصة في منطقتنا العربية، يقولون ويتحدثون عن أنه خلال هذا الصراع وبعده، هناك تراجع، وكأننا عدنا إلى المربع الأول. ألا يترك هذا المجال لجميع المتطرفين والمتعصبين للظهور؟ الناس في المنطقة العربية يشككون في قيم القانون الدولي. ما رأيك في هذا؟
• أعتقد أن هذا صحيح. وبالطبع، الاتهام بازدواجية المعايير فيما يتعلق بميثاق الأمم المتحدة، من جهة، مع دعم الغرب، بما في ذلك أوروبا، بشدة، للمقاومة الأوكرانية ضد غزو بوتين لبلدهم. ومن جهة أخرى، النهج المرتبك جدًا الذي تم اتخاذه تجاه الصراع الجاري في الشرق الأوسط حاليًا قد وضع ما يسمى بالنظام الدولي القائم على القواعد في موضع شك كبير. نعم، بالفعل هناك الكثير من الناس الذين يرغبون في الاستفادة من ذلك. مبعث قلقي، وأعتقد قلق الكثير من الناس، هو أنه بدعم أفعال إسرائيل، فإن إسرائيل تعيدنا إلى الفوضى، ولا نريد ذلك. لقد رأينا ما حدث في القرن العشرين، عواقب عدم وجود قانون دولي فعال أو نظام دولي. إنه موضع شك، وما تفعله إسرائيل لا يساعد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية