تونس ـ «القدس العربي»: الطبقة السياسية في تونس في حال استعداد على قدم وساق للاستحقاقين الانتخابيين القادمين اللذين سيتم تنظيمهما نهاية هذا العام، أي الانتخابات التشريعية والرئاسية في بلد لم يحدد شكل نظامه الجديد. فهو شبه برلماني من المفروض أن رئيس الجمهورية لا ينتخب فيه بالاقتراع المباشر من قبل الشعب باعتباره محدود الصلاحيات مقارنة برئيس الحكومة، لكن الدستور التونسي الجديد جعل رئيس الجمهورية ينتخب من الشعب على دورتين، فتكون له سلطة معنوية تعادل سلطة نواب البرلمان مجتمعين لكنه لا يحكم.
وفي إطار هذه الاستعدادات تجتمع قيادات عديد الأحزاب وتتواصل فيما بينها من أجل تشكيل تحالفات قوية قادرة على منافسة حركة النهضة التي تنطلق بحظوظ وافرة للفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان. ولعل ما يجعل الحركة الإخوانية في تونس في طريق مفتوح هو تفكك حركة نداء تونس الفائزة بانتخابات 2014 وانقسامها إلى أربعة أحزاب، وكذا كتلتها البرلمانية التي لم تستطع المحافظة على وحدتها وتصدعت.
ولعل أكثر الأحزاب رغبة في التوحد هي ما تعرف بـ»الأحزاب الوسطية» وهي ذات منحى ليبرالي اجتماعي تؤمن بالوسطية والاعتدال ولا يمكن التمييز بين برامجها ولا إيجاد أي شكل من أشكال الاختلاف في رؤيتها لمستقبل تونس. وبعض هذه الأحزاب منبثقة عن حركة نداء تونس على غرار حزب مشروع تونس الذي أسسه الأمين العام السابق للنداء محسن مرزوق، كما أن من بينها أحزاب تنتمي إلى العائلة الدستورية مثل حزب المبادرة الدستورية الديمقراطية الذي أسسه وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان.
كما تضم كتلة الأحزاب الوسطية أحزابا تأسست حديثا بعد «الثورة» مثل حزب آفاق تونس الذي أسسه الوزير السابق ياسين إبراهيم، وحزب البديل الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة. كما تضم أيضا أحزابا «تاريخية» عرفت بنضالها ضد النظام السابق ومنها الحزب الجمهوري الذي يعتبر الوريث للحزب الديمقراطي التقدمي الذي أسسه أحمد نجيب الشابي وأيضا حزب البديل الديمقراطي وريث حركة التجديد.
ويؤكد جل الخبراء والمحللين أن هذه الأحزاب «الوسطية» التي تتشابه في البرامج والرؤى لو نجحت في تشكيل جبهة انتخابية متماسكة لن يقدر أحد على هزمها مهما كانت قوة شارعه ومهما بلغت تمويلاته. لكن داء الزعامة ينخر رؤساءها إذ لا يخفى مثلا أن كلا من كمال مرجان رئيس حزب المبادرة الدستورية الديمقراطية ووزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري الحالي ووزير الخارجية الأسبق يطمح لرئاسة البلاد شأنه شأن أحمد نجيب الشابي، فلو تمكنت هذه الأحزاب من لم الشمل يصعب أن تتفق على مرشح واحد لرئاسة البلاد.
ويخشى البعض من أن يوصل هذا المناخ المحتقن في تونس والوضع الاقتصادي المزري وانفراط عقد التوافق بين الشيخين وكثير من مكونات المشهد السياسي التونسي، الراديكاليين إلى سدة الحكم فيحصل الصدام خلال المرحلة المقبلة ويحصل ما لا يحمد عقباه. إذ يتوقع كثيرون أن يكتسح الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسى الساحة الدستورية ويأخذ من رصيد حركة نداء تونس والأحزاب المنبثقة عن النظام القديم، فيما يتوقع البعض أن تأخذ سامية عبو وحزبها التيار الديمقراطي الذي أسسه زوجها محمد عبو، من رصيد حركة النهضة والأحزاب المساندة للثورة.
فاستطلاعات الرأي تضع موسى وعبو في مواقع متقدمة وترشحهما للفوز في الاستحقاق التشريعي المقبل وهو ما ينبئ بفشل المشروع التوافقي والمصالحة بين القديم والجديد بعد مسار عدالة انتقالية لم ينجح إلا في إثارة الأحقاد وعدم تجاوز الخلافات. لذلك تدعو أطراف عديدة إلى الدفع بالمعتدلين على غرار كمال مرجان وحزب المبادرة إلى الواجهة مع قوى ثورية معتدلة لتجنيب تونس سيناريوهات مرعبة قد يتسبب فيها وصول الراديكاليين إلى سدة الحكم.
ويرى البعض أن صعود نجم الراديكاليين في هذه الفترة يأتي في سياق موجة عالمية أوصلت هؤلاء إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة وكثير من البلدان الأوروبية. فالاحتقان الاجتماعي بلغ مداه خاصة مع الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات وعادة ما يجد حملة الأفكار الاقصائية الاستئصالية ضالتهم في هذا المناخ فيوهمون الناخب بأنهم الأقدر على تغيير الوضع المزري الذي تسبب فيه دعاة التوافق.