صنعاء – «القدس العربي»: بينما حمّل مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية استمرار الأزمة في حضرموت، ألمح المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي)، أمس الخميس، إلى إمكانية أن يتشارك مع مؤتمر حضرموت الجامع إدارة حضرموت، في لغة مرنة تصدر عنه لأول مرة، ولعلها تبدو محاولة لاستمالة «الجامع» وحلف قبائل حضرموت، عوضًا عن التنافس معهما في المحافظة الواقعة شرقي اليمن، وهي الأكبر مساحة والأغنى نفطًا في البلاد الغارقة في الاحتراب منذ أكثر من عشر سنوات.
وفي أول تعليق من جانب حلف قبائل حضرموت، قال قيادي في الحلف لـ«القدس العربي» إنهم لا يعتبرون ما صدر موقفًا رسميًا من الانتقالي بقدر ما هو موقفا حضرميًا متزنًا (الكثيري من أبناء حضرموت)، مرحبًا، في الوقت ذاته، بالشراكة والحوار، لكنه اشترط أن تكون قائمة على أساس من الاعتراف بحق حضرموت في الحكم الذاتي والالتزام بمبدأ العدالة الانتقالية.
وقال رئيس ما تُسمى الجمعية الوطنية للانتقالي، علي الكثيري، خلال لقائه بأعضاء الجمعية ومجلس المستشارين للانتقالي في حضرموت: «إن حضرموت يجب أن تُدار بالشراكة، ولا يمكن القبول بأن ينفرد طرف سياسي بإدارتها بعيداً عن القوى الحية بالمحافظة، وفي طليعتها المجلس الانتقالي الجنوبي ومؤتمر حضرموت الجامع، وهي القوى التي نهضت من الميدان وحمت المؤسسات حين غابت القوى الأخرى التي يُراد إحيائها اليوم».
وأكدَّ الكثيري، «أن قضايا حضرموت ومطالب أهلها في صدارة أولويات المجلس الانتقالي الجنوبي»، مجددًا رفضه «احتكار القرار في المحافظة من قبل أي طرف أو حزب أو جهة»، في إشارة إلى حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع.
أن يضع الانتقالي اسمه مع مؤتمر حضرموت الجامع في طليعة القوى التي يفترض أن تُدير حضرموت بالشراكة، يظهر كمؤشر يُبدي، من خلاله، الانتقالي، لأول مرة، رغبته في أن يتشارك مع الجامع إدارة حضرموت، بعد مرحلة شهدت مدًا وجزرًا بين الطرفين، بهدف تصدر المشهد الحضرمي.
لكن لا يبدو أن الانتقالي، ككيان سياسي، وصل إلى قناعة بأنه بات من الصعب هزيمة الجامع والحلف في أرضهم، بعدما صار لهم حضورًا جماهيريًا يمّكن مشروعهما من مواجهة شعبية الانتقالي، لكنه بهذه اللغة يحاول ارسال رسالة تحمل في طياتها، الرغبة في الاستمالة، لكن دون تقديم أي تنازلات، مما يعني تقديم إغراءات السلطة للحلف والجامع، بهدف الانضواء تحت لواء الانتقالي، لكنه لم يكن دبلوماسيا بقدر كاف في طرحه.
ما يعزز من قناة الخلاف بينهما أن الجامع والحلف يتبنيا المطالبة بالحكم الذاتي لحضرموت في سياق دولة يمنيّة، بينما يتبنى الانتقالي المطالبة بانفصال جنوب وشرق اليمن عن شماله وغربه؛ وفي الوقت نفسه يرفض الحلف والجامع العودة بحضرموت إلى ما يعتبراه هيمنة قوى جنوبية أو شمالية.
لكن الانتقالي، في ذات كلمة الكثيري، مازال متمسكًا بمشروعه، ويريد من بقية القوى الجنوبية والشرقية الانضواء تحت بيرقه، في مرحلة مازال عدد من المكونات الجنوبية الفاعلة ترفض تمثيل الانتقالي للجنوب وللقضية الجنوبية.
وقال الكثيري إن «مشروع المجلس الانتقالي هو إقامة دولة جنوبية فدرالية مستقلة، وفق ما أقرّه الميثاق الوطني الجنوبي»، مضيفًا «أن لجنة وطنية من جميع محافظات الجنوب ستتولى صياغة الدستور الجنوبي».
وأوضح الكثيري أن «المجلس الانتقالي الجنوبي سعى منذ تأسيسه إلى التقارب والحوار الجنوبي الشامل، الذي تُوج بميثاق وطني»، مشيرًا إلى أن «المجلس تواصل مع مختلف المكونات، بما فيها مؤتمر حضرموت الجامع، إلا أن بعض المسارات لم تصل إلى توافقات»، مؤكداً أن «أيدي الانتقالي ونوافذه لا تزال ممدودة ومفتوحة للحوار ولن تُغلق أبداً».
وإمعانًا في إرسال رسائل تطمين، حمّل الكثيري «مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية استمرار الأزمة في حضرموت، وما نتج عنها من تدهور في الخدمات والأوضاع الاقتصادية، وتهديد للنسيج الاجتماعي».
وأوضح «أن المجلس الرئاسي أعلن عن مصفوفة قرارات، لكنها لم تُنفذ حتى اليوم»، لكن الكثيري عاد للحديث عن «نتائج لجنة التواصل التي شكلها المجلس الانتقالي، والتي خرجت بوثيقة تُعد برنامج عمل لهيئات المجلس في حضرموت، كونها تضمنت كل ما يهم المحافظة ومستقبلها».
وما خرجت به لجنة التواصل التي شكلها الانتقالي يتعارض جملة وتفصيلًا مع ما يتبناه الحلف والجامع؛ مما يعني أن ما أعلن عنه الكثيري، تحت عنوان الشراكة، ليس سوى مناورة.
في تعليق حلف قبائل حضرموت على ما صدر عن الكثيري يقول القيادي في الحلف، صبري بن مخاشن، متحدثًا لـ«القدس العربي»: «الأستاذ علي الكثيري ابن حضرموت، ورئيس الجمعية العمومية في المجلس الانتقالي، وعضو رئاسة مؤتمر حضرموت الجامع، ومن الطبيعي أن يتحدث بهذا الوعي والانفتاح، فهو يعرف جيدًا حجم الإجماع الحضرمي حول مؤتمر حضرموت الجامع ومخرجاته، ويدرك أنه الكيان الذي يجسد الإرادة الجامعة لأبناء حضرموت».
وأضاف: «لكننا في حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع لا نعتبر هذا التصريح موقفًا رسميًا للمجلس الانتقالي الجنوبي بعدن، بقدر ما نراه موقفًا حضرميًا متزنًا يعبّر عن رغبة بعض القيادات الحضرمية في تجاوز لغة العداء نحو لغة الشراكة». وأردف ابن مخاشن: «نحن بدورنا نرحب دائمًا بلغة المرونة والشراكة والحوار في أي مرحلة، ولكن متى ما كانت قائمة على أساس الاعتراف بحق حضرموت في الحكم الذاتي، والالتزام بمبدأ العدالة الانتقالية التي تضمن عدم تكرار جرائم ومآسي الماضي».
وقال: «نلمس من حديث الكثيري ما يؤكد أيضًا تنامي مواقف رافضة من القيادات الحضرمية داخل الانتقالي، والتي بدأت تعكس تباينًا واضحًا مع سياسات المجلس غير المتزنة والعدائية تجاه حضرموت وحلفها وجامعها، وقد رصدنا مؤخرًا رسائل إعلامية مماثلة من قيادات حضرمية أخرى داخل رئاسة الانتقالي تتجه نحو خطاب أكثر تفهمًا وواقعية».
وتابع: «لا شك أن الأستاذ الكثيري كان صادقًا حين حمّل مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية استمرار الأزمة في حضرموت وتأخير تلبية حقوقها ومطالبها المشروعة، خاصة وأن أبرز ثلاثة من أعضاء المجلس المحسوبين على الانتقالي هم في الواقع الأكثر مسؤولية عن هذا الجمود، وتفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية في حضرموت».
كما تطرق الكثيري، إلى ما صدر عن بيان تأسيس ما تُسمى «المقاومة الوطنية الجنوبية» بقيادة أمجد خالد، معتبرًا ذلك «جزءا من مؤامرات تستهدف إسقاط الجنوب وإعادة احتلاله» حد قوله.
وأُعلن الخميس، تأسيس ما تسمى قوات «المقاومة الوطنية الجنوبية». وجاء في بيان التأسيس المنشور على حسابات تم انشاءها باسم هذا الفصيل على منصات التواصل الاجتماعي: «تشكيل المقاومة الوطنية المسلحة، بقيادة العميد أمجد خالد القحطاني – قائد لواء النقل السابق – وبمشاركة ستين ضابطًا وصفًا من أفراد الجيش».
وأضاف «وإدراكًا منهم لخطورة سيطرة قوى خارجية على الجنوب، وما تترتب عليه من تبعات تاريخية على الأجيال القادمة، رأوا وجوب التحرك نحو تحرير الأرض والدفاع عن سيادة الوطن».
وأضاف: «الإعلان عن تأسيس مقاومة وطنية مسلحة تنطلق من مناطق تقع بين محافظتي لحج وتعز، بهدف تحرير الأراضي الجنوبية وطرد القوى الأجنبية المتحكمة».