البابا فرنسيس يختتم زيارته إلى العراق اليوم: قساوة الحرب في الموصل واضحة… ولا للإرهاب واستغلال الدين

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: يغادر بابا الفاتيكان فرنسيس، اليوم الإثنين، بغداد، عائداً إلى روما، عقب زيارة استمرت أربعة أيام، شملت العاصمة ومحافظات النجف وذي قار (جنوباً) ونينوى وأربيل (شمالاً) مطلّعاً على «قساوة الحرب» التي خاضتها القوات العراقية لطرد تنظيم «الدولة الإسلامية» (2014-2017) وفيما عبّر عن رفضه «استغلال الدين» للمصالح الضيّقة، انتقد التناقص الكبير في أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط.
ووصل الحبر الأعظم إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في ثالث أيام زيارة يجريها إلى العراق.
والتقى فور وصوله مطار أربيل الدولي، رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إذ علّق الأخير عقب اللقاء قائلاً: «يشرفني أن استقبل البابا فرنسيس في أربيل».

التزام بالسلام

وأضاف في «تدوينة» له أن «مع بدء الزيارة الرسولية في كردستان، نكرر التزامنا الدائم بالسلام والحرية الدينية والأخوة، كما نتذكر البيشمركه وكل من قدم التضحيات المطلقة للدفاع عن السلام والحرية لجميع العراقيين».
وأعلنت رئاسة إقليم كردستان تفاصيل لقاء رئيس الإقليم وبابا الفاتيكان، وفيما أكد بارزاني عدم رغبته بهجرة ومغادرة المسيحيين والإيزيديين وأبناء أي مكون للوطن، خاطب البابا، قيادة كردستان، بالقول أن «الحرب دمار وخراب، لكنكم هزمتم العدو وتعيدون إعمار البلد». وقالت الرئاسة في بيان صحافي، إن «بارزاني استقبل في مطار أربيل الدولي قداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، ولدى ترجله من الطائرة أشار قداسته إلى الأرض قائلاً لرئيس الإقليم يسعدني أن نلتقي من جديد هنا».

«حدث تاريخي»

وأضافت أن «بارزاني رحب في اجتماع حضره رئيس الوزراء مسرور بارزاني، ونائب رئيس إقليم كردستان مصطفى سيد قادر، ونائب رئيس الوزراء قوباد طالباني وسكرتير برلمان كردستان ومنى قهوجي، بقداسة البابا قائلاً: باسم كل مكونات شعب كردستان أرحب أحر الترحيب بقداستكم. إن زيارتكم هذه حدث تاريخي عظيم، وهي موضع غاية السرور والتشريف لنا نحن ومحل اعتزاز لكل شعب كردستان».
وفي جانب آخر من كلمته، قال بارزاني: «نؤمن تمام الإيمان بالحرية الدينية وبالتعددية الدينية. وإن التسامح والتعايش وقبول الآخر بين المكونات، هوية وثقافة عريقة بكردستان، ونعمل بكل الصور على حماية هذه الثقافة. إننا دائماً إلى جانب السلام والحوار، ونرفض الإرهاب والتشدد، ولا نسمح أبداً أن يكون أي مكون ديني أو قومي في كردستان ضحية للإرهاب والتشدد».
وأضاف، أن «مكونات كردستان تصدت معاً وعلى مدى سنين كثيرة للدكتاتورية والإرهاب، وقدمت معاً تضحيات جسيمة، ولنا معاً جميعاً ماضٍ مشترك، ونعمل كلنا معاً في سبيل مستقبل مشترك أفضل».
وأوضح أن «التعددية والمكونات الدينية والقومية هي مصدر قوة وثراء لإقليم كردستان، ولا نريد للمسيحيين ولا للإيزيديين ولا لأبناء أي مكون أن يهاجروا ويغادروا الوطن».
وأكد أن «المسيحيين مكون أصيل ورئيسي لكردستان، وأنهم مجتمع مسالم، كان له، ولا يزال، دور كبير في بناء وتطوير وحماية البلد، وقد بذلنا كل ما في وسعنا ولم ندخر جهداً من أجل حمايتهم».
وختم بالقول: «زيارة قداستكم تحمل معها البركة، ونتطلع إلى دعائكم وصلواتكم ودعمكم لمساعدة كردستان ومكوناتها من كافة الأوجه».
ووفق البيان فإن البابا وجه «شكراً جزيلاً لهذا الاستقبال الحار الذي أحطتمونا به، كنت منذ زمن بعيد أريد زيارة إقليم كردستان، ويسعدني أنني لبّيت اليوم دعواتكم».
وتابع: «أكنّ لكم كل التقدير لقيامكم، رغم كونكم تخوضون الحرب، باحتضان النازحين المسيحيين من الموصل وسهل نينوى وقرقوش، والنازحين من المكونات الأخرى، أنتم من استقبل المسيحيين بأحضان مفتوحة».
وقال أيضاً، «جئت لكي ندعو ونصلي معاً من أجلكم ومن أجل المسيحيين والإنسانية جمعاء». وأضاف: «جاء العدو ليخرب هذا البلد، لكنكم بأصالتكم خدمتم واستقبلتم النازحين والمكونات الأخرى» مبينا أن «الحرب دمار وخراب، لكنكم هزمتم العدو وتعيدون إعمار البلد».
وزاد: «جئت لمباركة هذه الأرض، أنتم أطهار، مددتم يد العطف للجميع، فادعوا لي أيضاً، شكراً لما تفعلونه وتبذلونه لكل الأديان وكل المكونات، الحرية مستتبة في كردستان. أشكركم مرة أخرى على الاستقبال الحار وعلى ضيافتكم».
وتوجه البابا فرنسيس من أربيل إلى مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى الشمالية، وتحديداً إلى «حوش البيعة» في المدينة القديمة، إذ كان في استقباله فور وصوله، بطائرة مروحية، محافظ نينوى، نجم الجبوري.
ودعا البابا، المكون المسيحي للعودة إلى الموصل.

صلّى لضحايا النزاعات المسلّحة وعدّ تناقص أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط ضررا جسيما

وقال في كلمته في كنيسة حوش البيعة في مدينة الموصل، أن «تعاونا كبيرا وجدناه عند زيارة العراق» مبينا أن «التناقص في أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط ضرر جسيم».
وأضاف: «نرفع اليوم صلاتنا من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة، وفي الموصل تبدو واضحة جدا القساوة التي خلفتها الحرب بحق المكونات كافة» مشددا أن «الموصل فيها رمزان للاقتراب من الله جامع النوري ومنارة الحدباء، وإن الابتعاد عن القيم الإلهية أدى إلى انتشار الشر».
وتابع بالقول: «نؤكد قناعتنا أن الأخوة أقوى من قتل الأخوة والرجاء أقوى من الموت والسلام أقوى من الحرب، وهذا الصوت أكثر بلاغة من الكراهية والعنف».
وتجوّل البابا في «سيارة غولف» في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، مطلعاً على حجم الدمار الذي خلّفته العمليات العسكرية لقتال تنظيم «الدولة الإسلامية» (2014-2017).
وقال المطران نجيب ميخائيل رئيس أساقفة أبرشية الموصل وعقرة الكلدانية للبابا «معا نقول لا للتطرف. لا للطائفية. ولا للفساد».
وزاد:»إنها لقسوة شديدة أن تكون هذه البلاد، مهد الحضارات، قد تعرضت لمثل هذه العاصفة اللاإنسانية التي دمرت دور العبادة القديمة، وألوف الألوف من الناس، مسلمين ومسيحيين ويزيديين وغيرهم، هجروا بالقوة أو قتلوا».
وروى الأب رائد عادل كلو مسؤول كنائس الموصل للسريان الكاثوليك وراعي كنيسة البشارة، التي دمرت في الموصل كيف نزح في 2014 مع نحو 500 أسرة مسيحية بينما لم يبق الآن سوى أقل من 70 أسرة.
وقال «غادرت المدينة في 2014 مع رعية متكونة من حوالي 500 عائلة مسيحية هاجرت معظمها إلى خارج القطر والبقية الباقية تخاف العودة والذين يسكنون المدينة اليوم من المسيحيين لا يتجاوزون السبعين عائلة».
وتابع قائلا «لكني اليوم أسكن مع مليوني مسلم ينادوني أبونا رائد، أعيش رسالتي معهم وأعمل مع مجلس أسر وعوائل الموصل من أجل تعزيز رسالة التعايش السلمي».
وحث قتيبة الأغا، وهو عضو مسلم يرأس مجلس أسر وعوائل الموصل الاجتماعي الثقافي، المسيحين الذي فروا على «العودة إلى مدينتهم وأملاكهم وأعمالهم».
وتوجه البابا، بعد ذلك، إلى كنيسة الطاهرة الكبرى، في مدينة قره قوش ذات الغالبية المسيحية في الموصل، حاضراً «صلاة التبشير الملائكي».

«ترميم الروابط»

وقال في كلمة ألقاها هناك: «نقول مع أصحاب النوايا الحسنة لا للإرهاب واستغلال الدين للمصالح الضيقة» وزاد: «انتظرت هذه اللحظة بفارغ الصبر لأكون بينكم في قرقوش».
وتابع القول: «بحزن شديد ننظر حولنا ونشاهد آثار القوة المدمرة بسبب الكراهية والحرب، ويعترينا الحزن لمشاهد الدمار الذي خلفه العنف والدمار في مدينة قرقوش» مبيناً أن «هذا الوقت ليس لترميم المباني فقط، وقبل كل شيء لترميم الروابط بين العوائل والشباب والكبار في السن وللنظر إلى أبنائنا».
وواصل: «أشجعكم كي لا تنسوا من أنتم ومن أين أتيتم وحافظوا على الروابط وعلى جذوركم ولا تيأسوا وإغفروا كونها شجاعة على الكفاح».
ومن الموصل، عاد البابا إلى عاصمة إقليم كردستان، لإقامة القداس في ملعب فرنسوا الحريري (يتسع لـ20 ألف متفرج) وسط أربيل.
وقال هناك إن الكثيرين في العراق يحملون جراح العنف المرئية وغير المرئية.
وأضاف في القداس الذي حضره نحو عشرة آلاف شخص، «نحن بحاجة أن نزيل من قلوبنا الطمع بالسلطة بينما يعاني إخوتنا وأخواتنا، ففي العراق كثيرون يحملون جراح الحرب والعنف، جراح مرئية وغير مرئية».
وتابع: «الرد عليها بالقوة البشرية والحكمة البشرية» مشيراً إلى أن «الكنيسة في العراق حية، والمسيح حي فيها، وصبركم هو ما جعلني أحج إلى العراق».
كما قدم البابا شكره للعراقيين بمناسبة تنظيم زيارته إلى أربيل، قائلا: «وفقكم الله» مؤكدا أن «الأيام التي مضت وهو في العراق سمع آلام الناس» مشيرا إلى «فضل جميع المؤسسات الدينية والمنظمات في إعادة الإعمار والبناء».
وختم قائلاً: «سأغادر إلى روما لكن العراق باق في قلبي دائماً» داعيا «الله أن تتعاون الطوائف في خدمة الصالح العام» مؤكداً «السلام، السلام، السلام».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية