استعرض الباحث التونسي في تحليل الخطاب حاتم عبيد في هذا الحوار لـ “القدس العربي” أهمية تحليل الخطاب في فهم الواقع الاجتماعي والسياسي وما فيه من تحولات ومتغيرات، معتبرا انه نوع من الدراسات اللّغوية الهادفة والمناضلة التي أعادت اللّغة إلى المجتمع. واعتبر ان “الديمقراطيّة التونسية” تواجه اليوم مصاعب شتّى لأنّ كثيرا من الزعماء السياسيّين وقادة الأحزاب ليس لهم استعداد للتضحية بمصالحهم الذاتيّة من أجل مصلحة الجماعة والوطن. كما تطرق إلى قضايا عديدة تخص واقع المرأة ومسار الديمقراطية في تونس والعلاقة بين الغرب والشرق وتأثير كورونا على المشهد العالمي.
يشار إلى أن حاتم عبيد هو أستاذ التعليم العالي في المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس، ودرّس في عدة كليات تونسية وعربية. يوّجّه اهتمامه في أغلب بحوثه إلى البعد التفاعليّ في الخطاب. وينفتح في مختلف أعماله-من أجل فهم هذا البعد-على التيّارات اللّسانيّة (اللّسانيّات التداوليّة، اللّسانيّات التفاعليّة…) التي لم تُهمل في دراسة اللّغة هذا البعد المهمّ في الخطاب، انفتاحه -في إطار اقتفائه أثر هذا البعد التفاعليّ- على الإرث الخطابيّ الأرسطيّ، وعلى نظريّات الحجاج الحديثة والمعاصرة. نشر عبيد مجموعة من الكتب، فضلا عن عدد من البحوث في مجلّات عربيّة متخصصة عدة. وفي ما يأتي نص الحوار:
*بحكم تخصصك في الجامعة التونسية في تحليل الخطاب، الذي بات تخصصا قائما نظريا فما أهميته لفهم التغيرات الفكرية والمجتمعية والسياسية الحاصلة في المجتمعات؟ وكيف تطور هذا العلم أو التخصص؟
**من الصعب أن أقدّم لكِ- في مثل هذا المقام-جوابا كافيا وشافيا. وحسْبي ههنا إشارات خاطفة آمُل أن يخرج منها القارئ غير المتخصّص بفكرة مجملة وواضحة عن أهمّية هذا الاختصاص في النهوض بالوظائف التي أشرتِ إليها أنتِ في سؤالك. نعم، يمكن القول بأنّ تحليل الخطاب، وما انحدر منه من تفرّعات وحقول بحثيّة متعدّدة لعل من أبرزها التحليل النقديّ للخطاب، يمثّل في تقديري مرحلة متقدّمة من الدرس اللّغويّ من أبرز ما يسمها الكفّ عن تناول اللّغة في أبنيتها المجرّدة وقواعدها العامّة ونظامها الداخليّ الذي يُحرّك تلك الأبنية، والاتّجاه نحو وجهة أخرى من التحليل تتناول اللّغة ساعةَ الاستعمال، وتلتفتُ إلى ما يجري بين مستعمليها من وجوه التفاعل، وما تُسهم به اللّغة-حين تكون أداة يتداولها الناس فيما بينهم-من وظائف تتعدّى تلك الوظيفة الأساسيّة التي كادت وظائف اللّغة-في كثير من الدراسات ذات المنحى التجريديّ-تُختصر فيها وتقف عندها، نعني الوظيفة الإخباريّة التي تُظهر لنا اللّغة مجرّد قناة للتعبير عن الأفكار ونقل الأخبار.
نحن-إذن-أمام نوع من التحليل اللّغويّ يجعل اللّغة بسبب من سياقها، وفي علاقة وطيدة بمستعمليها، وبما يجري بين أولئك المستعملين من تفاعلات وما ينعقد بينهم من علاقات جانبٌ كبير منها يتحدّد بكيفيّة استعمالهم اللّغة، مثلما يحدّد هذا الاستعمال رؤاهم حول العالم، والصور التي يريدون أن يسوّقوها لأنفسهم، والهويّات التي يرغبون في أدائها ونحْتها بحسب الإمكانات المتاحة لهم داخل اللّغة، وحسب ما يخدم أغراضهم. بل إنّ هذا النوع من التحليل يكشف لنا أنّ المشاعر والعواطف التي تطفو على سطح خطاباتنا ما هي إلاّ صناعة خطابيّة، وبناء نُشكّله باللّغة كلّما تفاعلنا مع الآخرين، واقتضى السياق منّا أن نتظاهر أمامهم بعاطفة معيّنة ليست بالضرورة ممّا يعتمل في داخلنا، أو أن نُحرّك فيهم جملة من العواطف، لنُخرجهم من دائرة الحياد، ونزُجَّ بهم في منطقة التأثّر بما نقول، والتعاطف مع القضايا التي نُؤمن بها وننتصر لها.
ولستُ بالمبالغ في القول إذا ذهبت بعيدا، وقلتُ لكِ إنّ الحقيقة نفسها ترتهن-إلى حدّ بعيد-باختياراتنا اللّغوية وبالكيفيّة التي نبني بها خطابنا. فالحقيقة ما هي-في نهاية الأمر-إلّا كلام يُبنى على هيأة معيّنة، ويرتبط بسياق مخصوص. وإذا بدا لكِ في هذا التعبير مبالغة قلتُ: إنّ الحقيقة لا يمكن عرضُها على الناس و”أداؤها” إلّا باللّغة التي يستخدمها الإنسان في بناء أنساق المعنى والنُظم القيميّة.
وما من شكّ في أنّ تناول اللّغة-مثل هذا التناول-يُقيم الدليل على أنّنا نصنع باللّغة أشياء كثيرة. وهيهات! هيهات! أن يقف استعمالنا هذه الأداة عند حدود الإخبار والتعبير عن المعاني. ولعلّك بدأتِ تُدركين معي حجم هذه النقلة في دراسة اللّغة، وكيف صِرنا في تحليل الخطاب ننتبه إلى دقائق وحقائق لم نكن ننتبه إليها، وكيف بتْنا نُدرك-على سبيل المثال-أنّ هويّاتنا الجنسيّة والاجتماعيّة، ووجهات النظر التي نُريد التعبير والدفاع عنها، وطبيعة العلاقات التي نروم أن نعقدها مع الآخرين، والحقائق التي نسعى إلى إثباتها، والمشاعر التي نريد أن نتراءى بها، والصور التي نُحبّ أن نظهر عليها-أنّ ذلك كلّه ليس شيئا جاهزا أو ثابتا، ولا هو بالمعطى السابق. بل هو شيء نفعله، ونٌؤدّيه بالخطاب، ونُعيد باستمرار بناءه، كلّما التقينا الآخرين، وانخرطنا معهم في محادثات وتفاعلات كلاميّة. وهو ما يجعل هذه الأشياء التي كنّا نظنّ أنها من الجاهز وممّا تُزوّدُنا به الطبيعة، قابلةً للتفاوض وإعادة البناء، ويجعلها أحيانا محلّ نزاع. ومن حُسْن حظّ الإنسان أن وجد في اللّغة والخطاب الذي يتشكّل منها وسيلة تُجنّبه استعمال القوّة والعنف من أجل تسوية خلافاته مع مَن يُخالفه الرأي.
مِن هذا المنطلق، يمكن اعتبار تحليل الخطاب نوعا من الدراسات اللّغوية الهادفة والمناضلة التي أعادت اللّغة إلى المجتمع الذي يمثّل حاضنتها الطبيعيّة ومجال تداولها، بعد أن تخلّصت من تلك النزعة الوصفيّة والتفسيريّة المجرّدة التي كان الدرس اللّغوي-بدافع الالتزام المبالغ فيه بضوابط العلم-واقعا تحت قبضتها. وهذا البعد الهادف والالتزاميّ في تحليل الخطاب سيظهر بوضوح في الفرع الذي أشرتُ إليه في بداية جوابي، أعني التحليل النقديّ للخطاب الذي يسعى الدارسون فيه إلى تعرية مختلف وجوه السلطة المتخفّية في نسيج الخطاب، استنادا إلى عدد من الأبنية والاستخدامات اللّغوية التي تُظهر لنا وجوها من التحيّز مختلفة، وتُميط لنا اللّثام عن أوجه التسلّط، وما ينهض به الخطاب من دور في إعادة إنتاج السلطة وفي إضفاء الشرعيّة عليها، وفي تمكين أصحابها من السيطرة على أفعال الناس وعقولهم.
ولا أشكّ في أنّ القارئ قد فهم الآن أهمّية مثل هذا الضرب من دراسة اللّغة حين ندخل مناطق “ملغومة” ونتناول بالدرس والتحليل خطابات مثل الخطاب الدينيّ والخطاب السياسيّ والخطاب الإعلاميّ. وهي خطابات تنهض اللّغة بدور جليل في ترويج أفكار أصحابها ومقالاتهم ومعتقداتهم، وتمكينها من “التجوّل الحرّ” والانتقال السلس في الفضاء العامّ.
*لننتقل إلى الوضع التونسي، فما هي أبرز المصاعب التي تواجه الديمقراطية التونسية في رأيكم؟ وكيف تفسرون ظاهرة التفتت والانقسام الحزبي؟
**بالفعل “الديمقراطيّة التونسية” تواجه اليوم مصاعب شتّى، وتعترض سبيل المؤمنين بها عقبات كأداء تحول دون ترسيخها وتحويلها إلى قيمة يلتفّ مختلف أفراد المجتمع التونسيّ حولها، ولا يشكّك أحدٌ في جدواها وعدالتها، ولا يُخلّ بقواعد لعبتها أو يسعى إلى تغيير قواعد تلك اللّعبة واستبدال أخرى بها مَن يجد نفسَه خارج الحكم. وفي الشطر الثاني من سؤالك إشارة إلى واحد من المخاطر التي تهدّد “الديمقراطية التونسية” أعني التفتّت والانقسام السياسيّ الذي هو في الأصل ثمرة من ثمار الديمقراطيّة ونعمة من نعمها. ولكن يبدو أنّ هذه النعمة انقلبت عندنا إلى نقمة، لأنّ كثيرا منّا لم يستوعب روح الديمقراطيّة، ولأنّ كثيرا من الزعماء السياسيّين وقادة الأحزاب عندنا ليس لهم استعداد واضح وصادق، كي يضحّوا بمصالحهم الذاتيّة من أجل مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن، ولأنّ السياسة لا تزال عند أغلب الأحزاب ممارسة تطلق فيها النفوس على هواها، ونوعا من المضاربة والتجارة التي يدخلها الناشطون السياسيّون بمنطق الربح والخسارة، ظانّين أنّ الذي يعتلي السلطة ويبقى فيها هو الرابح، وأنّ من يخرج منها خاسرٌ.
ومن الطبيعيّ أنّ التعاطي مع السياسة بمثل هذه الروح النفعيّة ترتّب عليه منطق نفعيّ في التعامل مع الديمقراطيّة في تونس بعد الثورة. ومن المفيد أن نذكّر ههنا بأنّ الرئيس السابق زين العابدين بن علي كان يتحيّل بطريقته على الديمقراطيّة، عندما كان-على غرار سائر الأنظمة الكليانيّة-يٌخوّف الناس من مخاطرها، ولا يفتح من أبوابها إلاّ ذلك الباب الضيّق الذي كان يفتح من خلاله باب المشاركة في الانتخابات للأحزاب التي لا تُشكّل معارضة قويّة، ولا حظوظ لها في الوصول إلى الحكم. والمطلوب اليوم ألاّ نحتال على الديمقراطية، وألّا نتعامل معها حسب الأهواء والمصالح، وألّا نختصرها في صناديق الاقتراع وما تُسفر عنه تلك الصناديق من نتائج، وألاّ نكفر بها في أوّل اختبار نتعثّر فيه، وأن نكون صادقين في دعم كلّ ما من شأنه أن يرسّخ هذه التجربة، ويبني في تونس مجتمعا ديمقراطيّا ومؤسّسات قويّة تدعم الديمقراطيّة، وتحول دون اختطافها من أيّ طرف كان، وأن نتسلّح-ونحن نخوض غمار هذه التجربة-بقدر من الأمل والحذر في الآن ذاته، وأن نستحضر تجارب الآخرين الذين سبقونا في الديمقراطيّة والذين عاشوا معاناة طويلة، ليصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن ويذوقوا حلاوة ثمار الديمقراطيّة، بعد أن ذاقوا الويلات وخاضوا الحروب في سبيل ترسيخها.
نعم، إنّ الديمقراطيّة-في تقديري-هي المكسب الذي جنيناه من الثورة، بعد أن ضاعت في خضمّ الخصومات والاختلافات والتجاذبات مكاسب أخرى كان من الممكن أن نحصل عليها وننعم بها. وهي لذلك تمثّل الحبل المتين الذي يجب أن نعتصم به في الأوقات التي يشهد فيها المدّ الثوريّ في تونس ارتخاء وتقلّصا. والديمقراطيّة-إذا عرفنا كيف نُترجمها على أرض الواقع ونلتزم بقواعدها ونحافظ عليها-هي التي ستُبدّد الشكوك التي حامت حول الثورة التونسيّة، وستجعل التونسيّين وغيرهم ينظرون دائما إلى ما حدث في 14 كانون الثاني/يناير 2011 بعين الإعجاب. وهي التي-إن أحسنّا تصريفها-ستأتي للشعب التونسيّ بذلك الصبح الذي كان يراه بعيدا.
*تونس كانت رائدة في مجال الحقوق والحريات خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة خاصة في المستوى النظري والحقوقي والقانوني، لكن في الواقع نرى أوضاعا سيئة تعاني منها المرأة في بعض القطاعات مثل الفلاحات اللواتي يتعرضن دائما لحوادث عديدة في العمل ويعملن في ظروف مجحفة؟ فكيف ترى السبيل إلى تفادي ذلك لكي تصبح العدالة المجتمعية أمرا واقعا وليس نظريا أو فلسفيا؟
**يحسن-في تقديري-أن نفرّق بين مثال تتطلّعُ إليه الحركات النسائيّة التونسيّة والكتابات النسويّة، وترسم ملامحَه القوانينُ والتشريعات التونسيّة التي جاءت تحفظ حقوق المرأة في بيتها وأثناء عملها خارج البيت وتنادي بحقّها في التعلّم والشغل من جهة أولى، وما تناله المرأة التونسيّة على صعيد الحقيقة والواقع من تلك الحقوق في كلّ من مدن البلاد وقراها من جهة ثانية. نعم، لا بدّ من تنسيب الأمور ووضعها في نصابها، حتّى تظهر لنا تلك المسافة التي تفصل بين القانون والواقع، والتي إن كنّا على وعي بها، سنعمل شيئا فشيئا على تجسيرها، ونسعى جاهدين إلى البحث في العوامل والأسباب التي جعلت المرأة التونسيّة -ولاسيّما المرأة الريفيّة-لا تتمتّع بكلّ ما يمنحه إيّاها القانون من حقوق، وكأنّ لسان حالها يردّدُ: “ما أكثرَ ما أعطت القوانين! ما أقلَّ ما أخذتُ!”.
وما من شكّ في أنّ جهودا لا بدّ أن تُبذل في فهم وضع المرأة التونسيّة، وفهم الحركة النسائيّة في تونس فهما لا يستقيم إلاّ باقتفاء أثر هذه الحركة في نشأتها وتطوّرها وما آلت إليه في السنوات الأخيرة من تطوّر ملحوظ. ولا بدّ أن تكون الصورة التي نقدّمها عن أوضاع المرأة التونسيّة واضحة ودقيقة وقريبة جدّا من الواقع، حتّى نُدرك إلى أيّ حدّ استطاعت هذه المرأة-في ضوء ما حدث في البلاد التونسيّة من تحوّلات سياسيّة وإصلاحات اجتماعيّة وتنقيحات تشريعيّة- أن تكون مساوية للرجل وطرفا فاعلا في مختلف مجالات الحياة، وحتّى نقف على التطوّرات الحاصلة عبر الزمن، وعلى الفروق الموجودة بين أوضاع المرأة في المدينة والريف، وبين أوضاعها وأوضاع الرجل في مختلف مجالات الحياة، وحتّى نستطيع-في آخر المطاف-أن نتطلّع إلى واقع فيه تكون العدالة المجتمعيّة حقيقة تمشي على قدميها، ويكون وضع المرأة التونسيّة أفضل ممّا هي عليه بالأمس واليوم.
وهذه غاية دونها شروط عديدة لا بدّ أن تتوفّر لعلّ من أبرزها إخراج قضيّة المرأة من تلك الزاوية الضيّقة التي تريد اليوم أغلب الأحزاب السياسيّة في تونس الزجّ بها فيها، كي يتسنّى لها-من خلال اختزال قضيّة المرأة في شعارات رنّانة يُصدّقها من يسمعها، وينتشي بها المتحمّسون لقضايا المرأة والذائدون عن حقوقها-يتسنّى لتلك الأحزاب تحويل النساء التونسيّات إلى خزّان سياسيّ وأصوات انتخابيّة يقع حشدها في الحملات الانتخابيّة. وهو ما حصل مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي مات وفي نفوس مَن انتخبْنه شيء مِن “حتّى” ومِن ذلك النصيب الذي وُعدن به في الميراث.
ومن تلك الشروط أيضا أن يخرج تاريخ المرأة التونسيّة من عنق الزجاجة التي ظلّ حبيسا فيها، والتي تمثّلها تلك الأصوات والكتابات التي بقي الدارسون يراوحون فيها، ويُعوّلون عليها، ويكتفون بها، ويردّدون ما جاء في ثناياها، شأن الكتاب الشهير للمصلح التونسيّ الطاهر الحدّاد المعروف ب”إمرأتنا في الشريعة والمجتمع”. أجل، مَن يريد أن يكتب تاريخ المرأة والحركة النسائيّة التونسيّة فعليه أن يعود، على سبيل المثال -فضلا عن تلك الكتابات الكلاسيكيّة-إلى الأرشيف كي يجمع أكثر ما يمكن من الوثائق المفيدة له في بحثه والمتوفّرة في عدد من مراكز البحث المهتمّة بالمرأة التونسيّة وفي الجمعيّات النسائيّة وفي وزارة المرأة. وهو مدعوّ أيضا إلى أن يعود إلى القوانين التونسيّة الصادرة منذ الاستقلال في حقوق المرأة، ويتتبّع مختلف التنقيحات والإضافات المتعلّقة بهذا المجال. ولا بدّ أن يكون الباحث في هذه القضيّة الشائكة، أعني قضيّة المرأة التونسيّة قريبا من موضوعه ومن الواقع الذي يكتب عنه. ولا بأس أن ينزل بنفسه إلى الميدان، ويتنقّل بين المدن والأرياف، ويعتمد تقنية الاستجواب، وينقل شهادات وآراء يُدلي بها نسوة من مختلف الشرائح والأعمار، ويستأنس بعدد من المرشدين الاجتماعيّين، كي يساعدوه على فهم أمور وخفايا تتّصل بتقاليد بعض الجهات واللّهجات المستعملة فيها، حتّى تكون المعاينة أصدق والاستجوابات أدقّ.
*حمل فيروس كورونا تداعيات عديدة وانعكاسات على العالم برمته فكيف ترون ذلك؟ وهل نحن أمام عالم جديد بصدد التشكل؟
**قد يكون من المفيد أن أذكّر بأنّ هذا السؤال كان ولا يزال مدار حديث الساعة منذ الأيّام الأولى التي هزّ فيها فيروس كورونا العالم من عروشه، وخلق-في مختلف أنحاء المعمورة-شعورا جماعيّا بنوع من الرعب غير مسبوق، وجعل الإنسانيّة تقف-لأوّل مرّة-في صفّ واحد في مواجهة عدوّ خفيّ ولكنّه شرس، وتنكفئ في الآن ذاته-وهذا من باب المفارقة-داخل حدود الدول على نفسها، بموجب الحجر الصحّي الذي فُرض عليها، والذي لا يستطيع أحد بمقتضاه السفر، وحتّى الانتقال من مكان إلى مكان داخل حدود الدولة الواحدة.
أجل، لقد قرأتُ كغيري تحاليل كثيرة ووجهات نظر متعدّدة صادرة بالخصوص من فلاسفة ومفكّرين مرموقين من أمثال ألان توران وإدغار مونان وبيتر سلوتردايك. وقد كان إقبال القرّاء واسعا على أمثال هذه الأفكار التي جاءت في الغالب في شكل حوارات تتنافس الصحف في الفوز بها، وفي نشرها وجمعها بعد ذلك، والدفع بها إلى دور نشر مرموقة، لأنّهم يعرفون أنّ الناس في الأزمات والمحن الكبرى عادة ما يتشوّفون لسماع أصوات الحكماء والعقلاء التي تخفُت في سائر الأيّام، وتضيع في زحمة الأصوات المرتفعة والضجيج الإعلاميّ الذي لا تسمع فيه إلّا أصوات نجوم الفنّ والرياضة والسياسة.
ولا بدّ أن نُنبّه ههنا إلى أنّ الأفكار التي عبّر عنها أولئك المفكّرون لم تكن دائما تجري في واد واحد. لا، ولم تخْلُ في بعض الأحيان من طابع إيديولوجيّ يدعونا إلى أن نكون متسلّحين بقدر من الحذر، ونحن نُقلّب النظر فيها، حتّى نميز الخبيث من الطيّب منها، ونعرف ما يهمّنا فيها وما لا يعنينا منها، وهل كنّا نخطُر ببال أصحابها، حين عبّروا عنها.
نعم، لقد كانت أزمة الكورونا عند بعض المفكّرين أمارة على إفلاس العولمة والقوى التي تُدير خيوطها، وعنوانا على تهاوي السرديّات اللّيبيراليّة، ومن ثمّ دليلا على فشل النظام الرأسمالي الذي ازداد في العقود الأخيرة شراسة، وعلى وصوله إلى القطرة التي ستفيض معها كأسُه. وكانت عند آخرين فرصة للنفْخ في صورة الصين التي توفّر عند أفرادها وفي تقاليد شعبها قدرٌ من التضامن لم يوجد مثلُه في العالم الغربيّ. وهو ما جعلها تنجح في التدابير التي اتّخذتها لمقاومة وباء الكورونا. وكانت هذه الأزمة أيضا عند فريق ثالث مدعاة للتفاؤل والتبشير بعالم جديد ومشهد مختلف عن سابقه ستتدارك فيه الإنسانيّة أخطاءها السابقة، وتستعيد فيه الذات إنسانيّتها المسلوبة منها. بينما كانت هذه الأزمة عند فريق رابع مجرّد قوْس سرعان ما ستَعرف الأنظمة الرأسماليّة كيف تُغلقه، ليستعيد اقتصادها-في أقرب وقت ممكن-عافيته، وتعود عجلة المصانع إلى العمل، وتتدفّق المنتوجات في الأسواق، وتجني الشركات العملاقة أرباحا ربما تفوق الأرباح التي كانت تحصل عليها قبل الكورونا.
ويمكن أن أسترسل في هذا النهج قائلا بأنّ الكورونا كانت فرصة لإثارة قضايا أخرى كثيرة لعلّ من أبرزها النظُم الصحّية التي أظهرت في كثير من دول العالم المتخلّف وكذلك المتقدّم عجزها عن التعامل مع الوباء وعدم جاهزيّتها لمثل هذه الأزمات، والنظم التعليميّة التي تَبيّن لنا بالكاشف اعتمادُها مناهج لا يمكن أن تُربّي المتعلّمين على روح التعاون والعمل المشترك، ولا على أن يتعلّم الواحد منهم من الآخر ويُفيد منه. وهذه المناهج لم تتّسع لأحلام مَن يؤمُّها، ولم تُتح لهم الفرصة كي يفعلوا ما أنفسهم راغبةٌ في فعله، لا، ولم تُهيّئهم هذه المدارس التهيئة الكافية لجعلهم قادرين على مواجهة المشاكل التي تعرفها مجتمعاتهم، وتعاني منها محيطاتهم.
وإنّه لمن المهمّ جدّا أن نُنصت جيّدا إلى ما يقوله المفكّرون الغربيّون في غمرة أزمة كورونا، وأن نستوعب فحوى الرسائل التي يوجّهونها إلى قادة دولهم وإلى شعوبهم، وفحوى القليل منها الموجّه إلينا. وأهمّ من ذلك في تقديري أن ندخل في حوار بنّاء مع ما يعنينا من هذه الأفكار، وأن نتفاعل معها، حتّى يكون لنا فيها نصيب، وإليها إضافة. وهاكِ على سبيل المثال تفاعلي مع فكرة عبّر عنها أكثر من مفكّر تتمثّل في حقيقة مُرّة كشفت عنها أزمة كورونا، ألا وهي افتقار نظام العولمة والاتّحادات التي ترتّبت عليه إلى روح التعاون والتضامن. وهو ما جعل العديد من دول الاتّحاد الأوروبي تُواجه الكورونا بمفردها، ولا تجد-في مثل هذه اللّحظة العسيرة-الحدّ الأدنى من العوْن والمساعدة المنتظريْن من أجوارها المنتمين إلى نفس الاتّحاد. ولعلّ تلك الصُور التي رأينا فيها بعض المواطنين في كلّ من إيطاليا وإسبانيا يحرقون علم الاتّحاد الأوروبي دلالة على تلك الخيبة التي أصابتهم وجعلتهم يشعرون في تلك اللحظة بأنّ ذلك الاتحاد كيانٌ لا يتعلّق بهم، وأنّهم ليسوا جزءا منه. هذا حال الأوروبيّين فيما بينهم. فما بالكِ بحالنا نحن فيما بيننا، وفي علاقتنا بالغرب على وجه أخصّ. لذلك حريّ بنا في خضمّ مناسبة هذه الأزمة أن نُفكّر في هذا الشيء الذي غاب في علاقة بعضنا ببعض وفي علاقتنا بالغرب والذي كشفت أزمة الكورونا عن العواقب الوخيمة الناتجة عن انعدامه، والذي حال دون إنجاز أمور كان من الممكن أن نُنجزها سويّة، ومن ثمّ أن نُخفّف من حجم تلك الخسائر التي كبّدنا إيّاها فيروس الكورونا، نعني بذلك التعاون الذي لا شكّ في أنّه يتطلّب من الجميع مهارة فائقة، حتّى يفهم أحدنا الآخر، ويتجاوب معه من أجل العمل سويّا، وإنجاز ما لا يقدر كلُّ واحد منّا بمفرده على إنجازه. مهمّةٌ في منتهى الصعوبة، لأنّنا أمام نوع من أشقّ أنواع التعاون، ولأنّنا أمام أطراف لم يفهم بعضهم بعضا، ولم تتحقّق بينهم المساواة، ولم تتطابق مصالحُهم، ولم يكنّوا على مرّ التاريخ تجاه بعضهم البعض شعورا إيجابيّا مثل الرضا أو الإعجاب. بل إن اللّقاءات الأولى التي تمّت بين الطرفين، نعني الغرب والإسلام جاءت في إطار اكتنفه الغزو والتدافع الدينيّ أوّلا، ثمّ الهيمنة الاستعماريّة. وهو ما أثّر لاحقا في نوع المعرفة التي حصّلها كلُّ طرف عن الآخر والتي ظلّت فيما بعدُ سجينة تلك الأطر الأولى المشوبة بمشاعر الكره والنقمة، وحبيسة تلك الصور النمطيّة السلبيّة التي ظلّ يحملها كلُّ طرف عن الآخر والتي حالت بدورها دون أن يُسفر اللّقاء بين الغرب والإسلام عن رغبة حقيقيّة في الفهم المشترك وسعي صادق إلى التعاون.
*يعني هل نفهم اليوم من كلامك بأنّنا نحن والغرب أمام تحدٍّ كبير واختبار حقيقيّ؟
**نعم، صحيح ، فالتعاون الذي ننشدُ إقامتَه يضعنا بالفعل أمام مفارقة حقيقية. والمطلوب منّا أن نعرف كيف نجمع بين طرفيْ تلك المفارقة: فنحن-بحكم حدود قدراتنا-عاجزون عن سبر أغوار نفوس الآخرين. ونحن أيضا لا نفهم في غالب الأحيان ما يدور في خلَد وفي عقول الأشخاص القريبين منّا والبعيدين عنّا والذين يتعيّن علينا العملُ معهم. ونحن كذلك لا نعرف مقدار محبّتهم لنا أو كرههم إيّانا. ولكن عدم حصول التفاهم والتعارف المتبادلين بيننا وبينهم يجب ألّا يحرمنا أو يُزهّدنا في التعامل معهم، ومدّ أيدينا إليهم، كي نُنجز عملا مشتركا من جهة أخرى.
ولنكنْ على ثقة ويقين من أنّ هناك أطرا أخرى للتلاقي بيننا وبين الغرب لم نقدر بعدُ على إيجادها، وأنّ ثمّة شيئا مّا ساكنٌ في قرارة أنفسنا نتوق إلى أن نُنجزه معًا، ولكنّنا لم نهتدِ بعدُ إلى السبل الكفيلة بتحقيقه، وأنّ الأزمات التي حلّت بنا والمخاطر العديدة التي لا تزال تُحدّق بنا كان من الممكن تجنّبُها لو عرفنا كيف نُنجز معًا ذلك الشيء الذي لم نُنجزه بعدُ، وأنّ هناك إمكاناتٍ واسعة للتلاقي وأشكالا متنوّعة ومتعدّدة للتعاون تتعدّى تلك التي تُتيحها وتسمح بها الاتّحادات والمنظّمات والجمعيّات الدوليّة، وأنّ المطلوب منّا إذا أردنا أن يتحوّل هذا التعاون المنشود إلى حقيقة أن نعرف على وجه الدقّة ما نحتاجه من الآخرين، ونعرف على وجه التحديد ذلك الشيء الذي يتوقّعون منّا أن نُقدّمه إليهم.