يرى حسني عبيدي، مدير مركز الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والمتوسط في جنيف، أن التعديل الحكومي الذي شهدته الجزائر مؤخراً لا يعكس في جوهره تحوّلاً سياسياً بقدر ما يكرّس طبيعة الحكومة كجهاز إداري تنفيذي يتبع مباشرة لرئيس الجمهورية.
ويسلط أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنيف، في هذا الحوار مع «القدس العربي»، الضوء على تركيبة الحكومة الجديدة وأسباب الإبقاء على بعض الوجوه الوزارية مع إعادة هيكلة قطاعات أخرى، كما يناقش دور الأحزاب السياسية في ظل استمرار هيمنة الطابع التكنوقراطي على الجهاز التنفيذي.
ويتناول الحوار البعد الخارجي من خلال تحليل مسار العلاقات الجزائرية الأمريكية في ظل تنامي التعاون العسكري والاقتصادي مع إدارة دونالد ترمب، إضافة إلى التوقف عند تدهور العلاقات مع فرنسا التي تواجه بدورها أزمة سياسية داخلية غير مسبوقة، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات على العلاقة الجزائر.
○ أعلن في الجزائر عن الحكومة الجديدة التي أعقبت تعيين الوزير الأول الجديد سيفي غريب خلفا لنذير العرباوي. كيف تقرأون ظروف مجيئ هذه الحكومة وسياقات تعيينها؟
• تعيين حكومة جديدة كان منتظرا منذ التغيير الأخير الذي اقتصر على دخول الفريق الأول سعيد شنقريحة الحكومة الجزائرية برتبة نائب وزير دفاع. الحكومة الجديدة تخلت عن الوزير الأول السابق لأسباب عدة منها ما تم تداوله عن رغبة نذير العرباوي في التخلي عن منصبه وتزامن ذلك مع حادثة الحراش (فاجعة سقوط الحافلة في وادي الحراش) التي أراد الرئيس تبون احتوائها من خلال إنهاء مهام العرباوي وتشكيل حكومة جديدة. منصب الوزير الأول في الجزائر ليس سياسيا بقدر ما هو إداري وتنفيذي أصبح شماعة تعلق عليها إخفاقات الأداء الحكومي. وظيفة الوزير الأول تحولت إلى معاون لرئيس الجمهورية لكن بدون صلاحيات. رئيس الجمهورية هو الذي يضع الاستراتيجية الحكومية وهو الذي يختار الوزراء الذين توكل لهم مهمة التنفيذ والإدارة بالتعاون مع الوزير الأول. هذه الحالة تجعل من الحكومة غير سياسية ولا تعتبر نفسها أصلا مسؤولة أمام البرلمان مما يحد من طموحها وحرصها على تحسين الأداء.
○ اختار الرئيس تبون في هذه الحكومة الإبقاء على أعمدة حكومته خاصة في الخارجية والدفاع والمحروقات والسكن مع إعادة هيكلة وزارات أخرى وتوسيع الحضور النسوي. كيف تنظرون إلى تركيبة هذه الحكومة؟
• الرئيس يعين الوزراء، يراقب عملهم ويقومهم. أي أن الرئيس بحكم الدستور هو الذي دون سواه يقدر استمرار الوزير من عدمه بدون أن تتوفر لدينا معايير الاختبار المعتمدة. جل الوزراء من الإداريين وليس السياسيين، أي أن الحكومة مرآة لمسار الرئيس تبون نفسه الذي تدرج في جميع أسلاك ودرجات الوظيفة العمومية. في الخارجية والطاقة، حرص الرئيس على توطيد الاستمرارية بحكم أن الجزائر تجتاز ظرفية صعبة وتواجه تحديات كبيرة. أما السكن، وهو المجال الذي يتقنه تبون والذي يهم جميع الجزائريين فأراد تثبيت نفس الوزير بحكم الثقة والولاء. ما لم يفهمه المواطن هو إبقاء بعض الوزراء وأحيانا توسيع صلاحياتهم رغم أن قطاعاتهم تشهد الكثير من الأزمات. توزير المرأة تقليد يستحق الاهتمام، لكن أعتقد أن الكفاءة والخبرة عوامل مهمة في اختيار أعضاء الحكومة.
○ تقوم الحكومة بشكل شبه كامل على شخصيات تكنوقراطية وولاة سابقين. لماذا في رأيكم يتم اعتماد هذا الخيار رغم وجود عدة أحزاب سياسية في الموالاة تضمن للحكومة الثقة في البرلمان؟
• هناك عملية انتقاء لوزراء وليس تدوير نخب جديدة تنتجها الأحزاب المشاركة في السلطة أو من خارجها. من الصعب فهم ما هي القيمة المضافة لأحزاب سياسية تشارك في الانتخابات وتصل إلى البرلمان ولا تشارك في السلطة؟ الحزب المعارض هو القوة المضادة وهو الذي يقوم بنقد وتصويب الأداء الحكومي. أما أحزاب الموالاة فمن البديهي أن تقترح وتطالب بإدماج شخصيات منبثقة منها أو قريبة منها للمشاركة في الحكومة لإدخال أفكار جديدة والانتقال فعليا إلى ممارسة السلطة. إذا لم يكن ذلك فإن مشاركتها تبدو شكلية وتؤدي بالناخب بعدم التصويت له مستقبلا لأنه مجرد ديكور انتخابي أو العزوف عن التصويت. هذا ما يحدث اليوم، المقاطعون هم أكبر وأهم حزب سياسي لأنه مؤشر على إلغاء السياسة من الفضاء العام.
○ تدرسون مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته للسلطة ونشرتم كتابا عن ذلك. كيف تنظرون إلى تطور العلاقات الجزائرية الأمريكية في هذه المرحلة في ظل تكثيف الزيارات العسكرية واستعداد كبريات شركات الطاقة الأمريكية لدخول السوق الجزائرية؟
• التعاون العسكري بين الجزائر والولايات المتحدة ليس جديدا لكن هناك حرصا على تقويته. توقيع مذكرة التفاهم في كانون الثاني/يناير الماضي حول الرؤية المشتركة للاستقرار الإقليمي والدولي جاءت لتعزيز التعاون العسكري.
كما أن الرئيس تبون الذي يعرف أولوية الاقتصاد والصفقات بالنسبة للرئيس ترامب، اختار عدم الرد على زيادة الرسوم الجمركية بل يعمل على جذب الاستثمارات الأمريكية خارج الطاقة وتقوية العلاقات مع المستثمرين الحاليين. استقبال الرئيس الجزائري المديرين التنفيذيين لشركة إكسون موبيل وشيفرون يدخل في هذا الاطار.
السفيرة الأمريكية في الجزائر ذكرت ان أكثر من 100 شركة أمريكية موجودة في الجزائر. لكن الحوار والتعاون الأمني والعسكري لا يعني بالنسبة للجزائر الدخول في تحالفات ومحاور، لان الجزائر مرتبطة بروسيا عسكريا ولا تريد أن يفهم التعاون مع واشنطن بأنه موجه ضد روسيا. رغم التباين في الموقف الجزائري والروسي حول المجموعات المسلحة في لبيبا والساحل إذ ترفض الجزائر تواجدها في الأقليم. واشنطن تقدر المكانة المميزة للجزائر ولذلك تحاول أن تستثمر في العلاقة معها.
في نفس الوقت، من مصلحة الجزائر تنويع شراكاتها في جميع المجالات بما فيها العسكرية في ظرفية تشهد فتورا مع باريس وموسكو. التقارب الأمريكي الجزائري لن يكون على حساب الاتحاد الأوروبي كزبون تاريخي وأساسي للجزائر في وقت تريد الاتفاقية الجديدة بين الولايات المتحدة وأوروبا ضمان أسواق لصادرات الطاقة الأمريكية إلى أوروبا في مجالات الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال بشروط تفضيلية لم تمنح للجزائر.
○ فرنسا اليوم تعيش أزمة غير مسبوقة.. كيف تقرأ المشهد خاصة أن هذا الوضع يهمنا في ظل تدهور العلاقات بين الجزائر وباريس؟
• الديمقراطية التي لا تتقدم تتراجع. الحراك الفرنسي مؤشر صحي على حيوية المجتمع. النقابة الفرنسية CGT ذكرت أن مليون شخص تظاهروا اليوم ورئيس الوزراء الجديد، سيباستيان ليكورنو، يصرح بأن المطالب التي تقدم بها ممثلو المنظمات النقابية ونقلها المتظاهرون هي في صميم المشاورات التي بدأها من أجل تشكيل حكومة جديدة. أي أنه يتراجع عما أعلن عنه سلفه من إجراءات تقشفية. لكن لا يمكن إنكار وجود أزمة سياسية حقيقية منذ حل البرلمان الفرنسي.
دولة القانون لا تُقاس بوجود دستور متقدم فقط، بل بمدى تطبيقه. القانون يُختبر عبر رفع قضايا ليبت فيها القضاء الشكاوى أو عبر قرارات المجلس الدستوري، عبر الإضرابات التي تفصل فيها المحاكم، وعبر عمل الأحزاب السياسية. الممارسة الديمقراطية عبر المؤسسات هي التي تحافظ على دولة القانون وليس مجرد الحصول على نص دستوري. عندما يسود الصمت في أي دولة فهذا خطر، لأنه يعني أن المؤسسات التي تراقب تطبيق الدستور في سبات. أما في فرنسا، فالحراك الشعبي والنقابي، مثل الإضرابات المتكررة، تعكس وجود قوة مضادة للسلطة، سواء من الشارع أو من المعارضة. هذا جزء من روح الديمقراطية.
○ هل فرنسا باتت دولة غير قابلة للحكم في ظل وجود ثلاث كتل متصارعة ومتساوية القوة تقريبا؟
• هناك من يرى أن فرنسا تتجه نحو حالة من عدم الاستقرار شبيهة بما عاشته إيطاليا في فترات تغيير الحكومات المتتالي. الوضع الحالي نادر، حيث يجد الرئيس نفسه مضطراً للتعامل مع قوى مختلفة ومتصارعة مثل أقصى اليسار الذي يقوده جون لوك ميلونشون وأقصى اليمين بزعامة مارين لوبان، لأنه استنفد أغلب أوراقه بعد أن عيّن وزير دفاعه السابق رئيساً للحكومة وفقد الأغلبية بحل البرلمان.
ماكرون أخطأ بحل البرلمان، ومنذ ذلك الحين أصبح تمرير القوانين أمراً معقداً بدون تفاهمات مع اليمين أو اليسار. لا ننسى أن ماكرون جاء من خلفية مصرفية وكان يُقدَّم على أنه «موزار المالية»، الرجل الشاب الذي سينقذ فرنسا بمشاريع ثورية، لكن أثقل فرنسا بمديونية أكبر من التي كانت قبل مجيئه. ماكرون لعب على إضعاف اليمين واليسار والهيئات التمثيلية للوصول إلى الحكم لكنه اصطدم بواقع سياسي أعمق وأقوى منه جعله لا يقوى على المواجهة.
○ كيف تقرأ تعيين سيباستيان لوكرونو على رأس الحكومة؟ وهل هو قادر على بناء توافقات؟
• لوكرونو شخصية توافقية، وقد رشحته سابقاً للعب دور الوسيط في الأزمة بين الجزائر وفرنسا. زار الجزائر مع ماكرون وكان موقفه مختلفاً عن مواقف وزراء آخرين كوزير الداخلية أو حتى وزير الخارجية بحكم حرصه على التعاون الأمني مع الجزائر..
هو معروف بقدرته على التفاوض وبنفَس طويل، وليس لديه طموحات سياسية شخصية كبيرة، على عكس وزراء آخرين مثل دارمانان أو روتايو. ماكرون اختاره لأنه آخر ورقة قوية في جعبته، شخصية تحظى باحترام باعتبارها وزير دفاع سابق، وهو منصب تقليدياً يُنظر إليه على أنه «سيادي» ومهم. لوكرونو قليل الكلام حتى لا يخطئ كثيراً، وهذا يمنحه مصداقية في التفاوض الحالي لذلك يُنظر إليه في فرنسا كشخصية توافُقية مقبولة من مختلف الأطراف.
○ هل بقاء وزير الداخلية برونو روتايو سيعمّق الأزمة مع الجزائر في نظركم؟
• نعم، بقاؤه يعني استمرار نهج خاطئ أعطى للعلاقات مع الجزائر بعداً إعلامياً وانتخابيا، في حين أنها تحتاج إلى عمل وهدوء. في ملفات حساسة مثل ترحيل المهاجرين غير النظاميين، تبنى روتايو خطاب اليمين المتطرف، بل ذهب أبعد مما طالبت به مارين لوبان.
هذا سبّب مشكلة حقيقية، حتى لماكرون نفسه، لأن مقاربته لم تخدم مصالح فرنسا. كثير من السياسيين طالبوه بالصمت كي تُعالج القضايا بعيداً عن الأضواء. لكنه رأى في الملف وسيلة لتضخيم رصيده السياسي والظهور بمظهر «الرجل الذي يتحدى الجزائر».
هذا الطرح حوّل العلاقة إلى «معركة كسر عظام»، وهو ما لم يفعله وزراء سابقون. العلاقة مع الجزائر تخص أساساً رئيسي البلدين، لكن روتايو استحوذ على الملف وأحرج الإليزيه والخارجية. خروجه من الحكومة سيكون إشارة إيجابية ورغبة في استئناف الحوار مع الجزائر خاصة إذا تجاوبت مع الجزائر إيجابياً.
○ هناك في الجزائر من يدعو لقطع العلاقات مع فرنسا.. لماذا يجب أن تكون العلاقة جيدة برأيكم؟
• قطع العلاقات لا يخدم الجزائر. فرنسا قاطرة الاتحاد الأوروبي، والجزائر تحتاج شركاء داخل هذا الاتحاد في ملفات مهمة مثل اتفاق الشراكة وملف الجزائرين المقيمين في فرنسا. علاقتنا بفرنسا يجب أن تكون علاقة دولة بدولة، تحكمها المصلحة المشتركة بعيدة عن العواطف أو العداء.
الجزائر ليست جزيرة معزولة، وأي تدهور مع فرنسا ستستفيد منه قوى أخرى على حسابنا. لدينا جالية كبيرة في فرنسا، كثير منهم مواطنون فرنسيون يعودون باستمرار إلى الجزائر. تنظيم هذا الوجود يتطلب علاقات مستقرة.
التبادل التجاري يتجاوز 11 مليار دولار، ولا يمكن تعويض فرنسا بسهولة بشركاء آخرين. ثم إن فرنسا ليست ماكرون أو روتايو أو لوبان. علينا الاستثمار في المستقبل، خصوصاً أن آلاف الجزائريين وصلوا إلى مواقع حساسة في فرنسا في جميع المجالات.
الجزائر تواجه تحديات في الساحل والمغرب ومع إسرائيل التي تستغل المناطق الرخوة في محيطنا، ولا يمكنها فتح جبهات إضافية مع فرنسا.
○ بعض دول الساحل اتخذت مواقف عدائية تجاه الجزائر.. كيف يجب التعامل معها؟
• أخطأنا في غياب سياسة استباقية تجاه ما يجري في الساحل، خصوصاً التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي سمحت بانقلابات عسكرية. المطلوب مراجعة أولويات سياستنا الخارجية، وبناء علاقات مع الشعوب والنخب وليس فقط مع الأنظمة.
الجزائر كوّنت آلاف الإطارات من مالي والنيجر وتشاد، لكنها لم تستثمر في هذه القوة الناعمة. نحن نتشارك حدوداً واسعة لا يمكن السيطرة عليها أمنياً أو عسكرياً، وأمننا الوطني مرتبط باستقرار هذه الدول. لذلك الحل هو التعاون طويل الأمد معها.
○ روسيا حليف استراتيجي للجزائر، لكن يبدو أن هناك تباينات في الساحل وليبيا.. لماذا برأيكم؟
• علاقتنا بروسيا استراتيجية، خصوصاً في مجال التسليح. لكن هذا لا يعني أن أجندة الدولتين مشتركة. في ليبيا والساحل مثلاً، الجزائر لا تؤمن بالميليشيات المسلحة خارج الجيش النظامي وهذه عقيدة في الاتجاه الصحيح، بينما روسيا تعتمد على مجموعات كهذه.
في الواقع، الجزائر مؤهلة أكثر من غيرها في ليبيا والساحل بحكم الحدود والمصالح الأمنية المباشرة. لذلك يجب أن تكون لدينا شبكة حلفاء متوازنة، وألا نرهن أمننا الإقليمي بدولة واحدة.
○ تركيا اليوم تتحالف مع حفتر في ليبيا.. كيف تقرأ ذلك؟
• تركيا فهمت أن التعامل مع حفتر ضرورة استراتيجية. رغم أنها دعمت في البداية حكومة الوحدة الوطنية، إلا أنها أدركت هشاشتها وضعفها، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. حفتر أيضاً غيّر مقاربته وفتح قنوات مع أنقرة. كما أن تركيا تبحث عن مصالحها في ليبيا، في ظل قرب المنطقة البحرية التي تخضع لحكم حفتر من مجالها الحيوي. يمكن القول إن سيطرة حفتر على مناطق استراتيجية والاستمرار في السلطة جعلت تركيا تعيد حساباتها، وتعمل على بناء علاقة قوية معه تحضيراً لأي استحقاقات قادمة في ليبيا من دون التخلي عن حكومة الدبيبة في طرابلس.
○ هل سيطرة حفتر على ليبيا يمكن أن تشكّل تحدياً للجزائر في ظل الخلافات معه؟
• القضية ليست مسألة «سيطرة» بقدر ما هي مرتبطة بوجود تفاهمات وتعاون أمني. لا أستطيع الجزم إن كان ذلك يشكل خطراً مباشراً على الجزائر أم لا، لأن ذلك يتوقف على التحركات المقبلة. المهم أن مقاربة الجزائر في ليبيا واضحة وثابتة: طرابلس خط أحمر، ولا بد من دعم الحكومة الوطنية، مع رفض أي شرعنة للميليشيات المسلحة.
المشكلة أن حفتر لم يعد يُقدَّم كقائد ميليشيا فقط، بل أصبح قائد «جيش وطني»، بصفة قانونية من خلال البرلمان في الشرق. في المقابل، هناك قوة عسكرية ثانية في طرابلس. إذا تم التوافق بين الطرفين عبر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» التي تضم ضباطاً من الشرق والغرب وتجتمع بانتظام، فقد يكون ذلك مدخلاً لتوحيد المؤسسات الوطنية الليبية.
مجلس الأمن يضغط أيضاً في اتجاه التحضير للانتخابات وتوحيد المؤسسات. تركيا بدورها ترى أن حفتر أكثر تنظيماً وتسليحاً من القوى الموجودة في الغرب، التي لا تزال تعاني من الانقسام وتعدد المجموعات المسلحة. من هذا المنطلق قد يظهر حفتر كقوة قادرة على فرض نفسها في أي تسوية أو مسار لتوحيد ليبيا مدعوما من عدة دول وازنة بما فيها فرنسا..
○ تحدثتم على قناة «الخبر تي في» المحلية في الجزائر عن مشروع لإنجاز عمل حول مدينة تيميمون التاريخية. هل من تفاصيل؟
• في دراسات العلاقات الدولية المعاصرة أصبح هناك فصل جديد يُعرف بـ«الدبلوماسية الدينية»، وهي اليوم إحدى ركائز العمل الدبلوماسي إلى جانب الدبلوماسية العامة والإعلامية. الفكرة تقوم على استثمار البعد الديني والروحي كقوة ناعمة مكملة للدبلوماسية التقليدية، إذ لا يستطيع السفير أو وزير الخارجية أن يقوم بكل الأدوار وحده.
في فضائنا الإقليمي، يلعب العنصر الديني والزوايا دوراً أساسياً في الحياة اليومية للمجتمعات، بل يمكن القول إنه في بعض السياقات يمثل «قيمة الملجأ»؛ أي المرجعية التي تضمن الأمان والاستقرار عندما تغيب الدولة بمفهومها العصري.
تيميمون، على سبيل المثال، ليست مجرد مدينة في الجنوب الجزائري، بل هي منذ قرون نقطة عبور رئيسية لقوافل جاءت من أقصى غرب أفريقيا باتجاه المشرق والحجاز. هذه القوافل كانت تحمل معها بعداً دينياً وثقافياً واقتصادياً، وكان اختيارها لتيميمون مرتبطاً بمزاياها الطبيعية: توفر الماء والمرعى، فضلاً عن بعدها الروحي المرتبط بالزوايا والقصور القديمة.
أنا زرت تيميمون واطلعت على بقايا قصورها وزواياها، وبدأت أبحث في المراجع المتوفرة عنها. للأسف، لا نجد إلا القليل مما كتبه بعض المستشرقين الذين رافقوا الحملة الفرنسية واستقروا هناك. لكنني على يقين بوجود مخطوطات محلية توثق تاريخها الثقافي والروحي.
عندما يسافر السائح إلى بلدان العالم يجد عشرات الأدلة السياحية، أما في الجزائر فتكاد تكون شحيحة. من يزور الصحراء الجزائرية يكتفي غالباً بالمشهد الطبيعي، في حين أن القيمة المضافة تكمن في معرفة الإرث التاريخي العميق لهذه الأماكن.
تيميمون تمثل ذلك الإرث: مدينة جمعت بين الاقتصاد والسياسة والروحانيات. كانت القافلة تمرّ بها حاملةً معها القاضي والمفتي والتاجر والجندي والدليل، أي مزيج المجتمع المتكامل. لذلك فكرتُ في مشروع بسيط يقوم على تثمين هذا التراث من خلال إعداد دليل يشرح للزائر رمزية المكان وأبعاده التاريخية.