يرى رؤوف فرح، الباحث الجزائري المتخصص في القضايا الاستراتيجية بمنطقة الساحل وشمال أفريقيا، أن منطقة الساحل لم تعد مجرد منطقة هامشية في حسابات القوى الكبرى، بل أضحى اليوم فضاءً تتقاطع فيه استراتيجيات عالمية.
ويؤكد فرح العامل في منظمة «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية» غير الحكومية، في حواره مع «القدس العربي»، أن الجزائر في خضم ذلك، مطالبة باتخاذ نهج استباقي في الساحل، والقيام باستثمارات كبيرة في تنمية جنوب البلاد، وإعادة تقييم الشراكات الاستراتيجية بناءً على المصلحة الوطنية المشتركة والمصالح الإقليمية المتقاطعة. وهنا نص الحوار.
○ أثار إسقاط الطائرة المُسيّرة المالية من قبل الجيش الجزائري توتراً دبلوماسياً كبيراً. هل من الممكن تجاوز هذه الحادثة بين الجزائر ودول الساحل الثلاث؟
• حادثة إسقاط طائرة مسيّرة تركية الصنع على مستوى منطقة تينزاواتين، في ليلة 31 اذار/مارس إلى 1 نيسان/أبريل، لم تكن مجرد واقعة أمنية معزولة، بل شكّلت نقطة تحول في مسار علاقة ثنائية كانت تعاني مسبقاً من تدهور متصاعد. بالنسبة للجزائر، شكّل الحادث انتهاكاً واضحاً لسيادتها، إذ تمّ رصد الطائرة داخل العمق الترابي الجزائري بعدة كيلومترات. أما من وجهة نظر باماكو، فهو تصرّف دفاعي على أراضيها ضد مجموعات متطرفة تنشط في أقصى شمال البلاد.
هذا التباين العميق في تفسير الحدث أدى مباشرة إلى إجراءات دبلوماسية صارمة: استدعاء السفراء، تعليق الرحلات الجوية، وإغلاق جزئي للمجالات الجوية.
غير أن اختزال هذه الأزمة في بعدها التقني سيكون خطأ في القراءة. فهي تأتي في سياق تفكك تدريجي في قنوات الحوار بين الجزائر ومالي، خصوصاً منذ الانقلاب الثاني في باماكو عام 2021، وقد تأججت بفعل تباينات سياسية حادة حول تسوية قضية الشمال (الأزواد)، وإعادة تموضعات جيوسياسية كبرى في منطقة الساحل، وتنامي الشكوك تجاه الفاعلين الخارجيين، وخاصة أولئك الذين ارتبطوا سابقاً بمسارات الحل في شمال مالي.
ظهور «تحالف دول الساحل الثلاث» في عام 2023، وقرار مالي الانسحاب من اتفاق الجزائر من طرف واحد منذ 2021، وتوسّع حضور مجموعة فاغنر في مناطق متاخمة للحدود الجزائرية، إضافة إلى الخطاب السيادي الحاد الصادر عن باماكو تجاه الجزائر ـ كل هذه العوامل ساهمت في خلق مناخ متفجّر يُنتج مثل هذه الحوادث.
ومع ذلك، فهذه الأزمة ليست قدراً محتوماً، بل يمكن احتواؤها شريطة معالجتها سياسياً لا عبر التوظيف الإعلامي أو الخطابي؟ الأمر يتطلّب قدراً أدنى من الثقة السياسية وإعادة فتح قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية. وقد تكون هذه اللحظة، بشكل مفارق، فرصة لإعادة تعريف الإطار العام للعلاقات بين الجزائر وجوارها الساحلي الجنوبي.
فرُغم استبعاد فرضية المواجهة العسكرية الكلاسيكية، فإن جوهر الأزمة اليوم يتمركز في المجال الرمزي والدبلوماسي. الخروج منها يتطلب مبادرات ملموسة، وإعادة تفعيل الوساطات الصامتة، وتجنّب الخطاب التصعيدي، بما يعكس حقيقة الروابط التاريخية العميقة التي تربط الشعبين والمصالح المشتركة التي لا يمكن تجاهلها في سياق إقليمي معقّد.
○ منذ أشهر، يوجّه مسؤولون ماليون اتهامات للجزائر بدعم جماعات مسلحة في شمال مالي. ما هي دوافع هذه الحملة الدبلوماسية في رأيكم؟
• تصاعد الخطاب العدائي الصادر عن السلطات الانتقالية في مالي تجاه الجزائر يرتبط بعدة عوامل داخلية وإقليمية. على المستوى الداخلي، يؤدي هذا الخطاب وظيفة سياسية آنية: إذ يسعى النظام العسكري الحاكم إلى تعزيز شرعيته الهشة من خلال خلق «عدو خارجي» يُحمَّل مسؤولية دعم «التمرد» في الشمال. أما على المستوى الأعمق، فهو جزء من نزعة سيادية متشددة ترى في أي وساطة أو تأثير خارجي، حتى لو كان صادراً عن طرف كالجزائر التي لطالما التزمت الحياد، تهديداً مباشراً لاستقلال القرار السياسي في باماكو.
لكن هذه العدائية تقوم في جزء كبير منها على سوء فهم متعمّد أو متراكم للدور الجزائري. فمنذ عقود، حافظت الجزائر على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في شمال مالي، بحكم روابط اجتماعية واقتصادية متجذّرة تربط جنوب الجزائر بالشمال المالي، وبفعل أدوارها التاريخية في الوساطات التي شهدتها التسعينيات والعقد الأول من الألفية.
الجزائر لا تحتضن جماعات مسلحة، بل شخصيات تعتبرها محورية في أي مسار حوار جاد. على سبيل المثال، تستضيف الجزائر الإمام محمود ديكو، المعروف بدعمه للحوار مع الفاعلين المسلحين ومواقفه المعارضة للنظام الحالي، إلى جانب شخصيات بارزة من «جبهة تحرير الأزواد» مثل الغباس أغ إنتالا.
هذا الانفتاح، الذي يُعد شرطاً لأي وساطة متوازنة، بات يُفسَّر في باماكو على أنه انحياز، خصوصاً وأن للجزائر تأثيراً حقيقياً على بعض المكونات الانفصالية بحكم التاريخ. ولهذا، سيكون من المفيد للجزائر أن تعيد التفكير في طريقة تواصلها وخطابها بخصوص علاقتها مع هذه الشخصيات، وأن تُظهر بشكل أوضح أن دورها الوسيط لا يعني الاصطفاف، بل السعي إلى تسوية دائمة.
ومع ذلك، فإن هذا التوتر الثنائي لا يمكن فصله عن السياق الأوسع: نحن أمام تحولات عميقة في بنية التوازنات الإقليمية. فمالي، عبر تحالفها المتزايد مع روسيا من خلال مجموعة فاغنر ثم «أفريكا كوربس»، وانسحابها من منظمة الإيكواس في شباط/فبراير 2025، وطردها للقوات الفرنسية في 2022، وخروج بعثة الأمم المتحدة «مينوسما» في 2024، وانسحابها من آلية تنفيذ اتفاق الجزائر، تحاول فرض خريطة نفوذ جديدة في الساحل.
لذا، لا يمكن اعتبار هذا التصعيد مجرّد حملة ظرفية. إنه يعكس توجهاً استراتيجياً يرمي إلى إعادة رسم معادلات النفوذ في الشريط الساحلي، في ظل تغييب متعمّد لأدوار الجزائر ومبادئ الوساطة الإقليمية التقليدية.
○ تُبرّر السلطات المالية تبنيها لخيار «الحسم العسكري الكامل» في شمال البلاد باعتباره ضرورياً للقضاء على الإرهاب. هل لا يزال الحل السياسي ممكناً في نظركم؟
• الاعتماد الحصري على المقاربة العسكرية، والذي تتبناه السلطات الانتقالية في باماكو تحت شعار «استعادة السيادة الكاملة»، أثبت محدوديته الميدانية منذ استئناف المواجهات المسلحة في الشمال بين القوات المالية، مدعومة بعناصر من «فاغنر»، وبين فصائل «جبهة تحرير أزواد».
صحيح أن محاربة الجماعات الإرهابية العنيفة مثل «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أو «تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى» أمر مشروع بل وضروري، لكن الاعتقاد بإمكانية فرض سلطة الدولة بالقوة فقط، من دون مصالحة أو إدماج أو حوار سياسي، هو رهان خطر ومضلّل.
السنوات الماضية أثبتت أن هذا النموذج، سواء خلال مرحلة «برخان» الفرنسية أو عبر التمكين لمجموعات شبه عسكرية، أدى إلى عسكرة مفرطة للفضاء الساحلي، أضعفت المبادرات المحلية، وعمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمعات الطرفية. تجربة «برخان»، رغم الموارد الهائلة التي خصصت لها (أكثر من مليار يورو سنوياً وقرابة 5000 جندي)، لم تنجح في إعادة الاستقرار، بل غذّت ديناميكيات العنف في مناطق متعددة.
إن أي تسوية حقيقية ودائمة في شمال مالي تقتضي قبل كل شيء الاعتراف بتعدد الهويات والتجارب التاريخية لهذا الفضاء، وبناء آليات للعدالة الانتقالية، وخلق مساحات للحوار الشامل. المسألة لا تتعلق فقط باستتباب الأمن، بل بإعادة بناء عقد اجتماعي جديد يربط بين الدولة والمجتمعات التي طالما تم تهميشها.
فالسلام لا يُفرض بالمدافع، بل يُبنى بالتفاوض، وبالاستماع للناس، وبإصلاح جذري لمعادلة الحكم والتمثيل السياسي في البلاد.
○ ما هي التداخلات الإثنية واللغوية والاجتماعية بين الجزائر ودول الساحل؟ وهل يفرض هذا على الجزائر دوراً خاصاً في استقرار المنطقة؟
• الحدود التي تفصل الجزائر عن كل من مالي والنيجر وموريتانيا ليست خطوطاً فاصلة بقدر ما هي فضاءات تواصل بشري وتداخل ثقافي عميق. فهي لا تمثل قطيعة جغرافية، بل مناطق امتداد اجتماعي وثقافي وتجاري ضارب في التاريخ.
القبائل الطوارقية والعربية والزنغية «السونغاي» التي تقطن على جانبي الحدود تتقاسم اللغات والعادات والأصول، وترتبط بروابط المصاهرة والأنساب والتبادل التجاري. بل إن بعض البلدات مثل تينزاواتين وبرج باجي مختار وتيمياوين في الجنوب الجزائري لا يمكن فهمها إلا من خلال علاقاتها اليومية والمصيرية مع بلدات مثل إن خليل وتالهنداك وأبانكور في الجانب المالي أو النيجري.
هذه المنطقة، التي تشكل جزءاً من الحوض الصحراوي–الساحلي، تشكّلت تاريخياً بفعل ديناميكيات الحركة والتنقل والرعي والتجارة، وليس وفق منطق الدولة الوطنية الحديثة. لذلك فإن أي خلل في هذه المناطق ينعكس مباشرة على الاستقرار داخل الجزائر، وبالأخص في ولاياتها الجنوبية.
من هذا المنطلق، لا يمكن للجزائر أن تتعامل مع ما يحدث جنوب حدودها وكأنه شأن خارجي صرف. فاستقرار الساحل، وبالخصوص شمال مالي، متداخل عضوياً مع استقرار جنوب الجزائر. هذا الارتباط البنيوي يجعل من الجزائر فاعلاً أساسياً سواء أرادت ذلك أم لا، في كل ما يتعلق بمسارات التهدئة أو إعادة بناء الاستقرار الإقليمي.
إن دور الجزائر هنا لا يُختزل في التأثير السياسي أو الطموح الإقليمي، بل يستند إلى مسؤولية تاريخية وجغرافية وإنسانية نابعة من كونها طرفاً معنياً بعمق، لا مراقباً من بعيد.
○ هل كان انسحاب مالي من اتفاق الجزائر خطأً استراتيجياً؟ وما هي تداعياته على الأرض؟
• الانسحاب الأحادي الذي أعلنت عنه السلطات الانتقالية في مالي من اتفاق الجزائر شكّل لحظة قطيعة مفصلية في هندسة السلام الإقليمي. لم يكن الأمر مجرد انسحاب رمزي أو سياسي، بل كانت له تداعيات ملموسة ومباشرة على الأرض: عودة الاشتباكات المسلحة في الشمال، انهيار آليات الحوار، وتهميش كامل للأطر الإقليمية التي كانت تسعى لاحتواء النزاع.
صحيح أن الاتفاق لم يكن مثالياً، وشهد عثرات كبيرة في التنفيذ، وتعرض أحياناً للتوظيف السياسي من قبل بعض الأطراف. لكن رغم عيوبه، فقد كان يشكّل فضاءً تفاوضياً ضرورياً، وإطاراً يضبط العلاقة بين الدولة المالية والحركات المسلحة، كما كان يشكّل مرجعية مشتركة للمجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة، التي كانت حاضرة عبر آلية المتابعة والضمان.
بإعلان الانسحاب، تبنت باماكو منطق القطيعة لا الإصلاح، ورسّخت قراءة أحادية للصراع: استعادة السيادة بالقوة بدل بناء شراكة مع المكونات المحلية. والنتائج على الأرض كانت سريعة ومؤلمة: تفكك في مناطق مثل كيدال وميناكا، تصاعد العنف، وانهيار الثقة مع الفاعلين الإقليميين.
الأسوأ من ذلك، أن هذا القرار أرسل رسالة خاطئة للعديد من الجماعات المسلحة الأخرى في النيجر أو التشاد: مفادها أن الاتفاقات لا تُحترم، وأن منطق القوة هو الفيصل. وهكذا أُضعفت مكانة الدولة المالية أمام شركائها، وتضررت مصداقية الجزائر كميسّر رئيسي للاتفاق، وتراجعت فرص الحل السياسي على المستوى الإقليمي.
○ بوصفكم مختصا في هذا المجال.. كيف تحوّل الساحل برأيكم إلى بؤرة للجريمة المنظمة والإتجار بالبشر وكل أنواع التهريب؟
• لم يتحوّل الساحل إلى مركز للجريمة المنظمة بين ليلة وضحاها، بل جاء ذلك نتيجة تراكُم طويل لعوامل متشابكة: ضعف الدولة، هشاشة البنى الاجتماعية، التغيرات البيئية، والسياسات الإقليمية والدولية الفاشلة.
أول ثغرة كانت التخلي شبه الكامل للدولة عن مناطق واسعة، خصوصاً في شمال مالي وغرب النيجر. هناك حيث غابت المؤسسات والخدمات والبنى التحتية، ظهرت أشكال بديلة من «الحُكم المحلي»، تقودها جماعات مسلحة متطرفة أو شبكات تهريب تتحكم في الطرق والمعابر والموردين.
الثغرة الثانية هي التواطؤ. في عدة حالات، شاركت شخصيات سياسية وعسكرية في تسهيل أو حماية هذه الأنشطة غير القانونية. فعلى سبيل المثال، يُنقل الذهب المستخرج من مناجم تقليدية في مالي إلى دبي من دون أي رقابة أو ضرائب، أحياناً بتواطؤ ضمني من سلطات محلية، ما يُفاقم التهميش الاقتصادي ويُضعف قدرة الدولة على ضبط ثرواتها.
أما الثغرة الثالثة فتتعلق بالتدخل الخارجي. إذ قامت قوى كبرى، وعلى رأسها فرنسا، بتكثيف الحضور العسكري من دون استراتيجية مرافقة لإعادة بناء المؤسسات. وبدلاً من تعزيز الحوكمة، أدى هذا التدخل إلى تفتيت السلطة، وشرعنة بعض الفاعلين المسلحين، وتجاهُل الجذور الاقتصادية والاجتماعية للفوضى.
والنتيجة اليوم أن الساحل بات خاضعاً لنظام موازٍ، تُديره شبكات التهريب والجريمة العابرة، بالتوازي مع جماعات مسلحة وإرهابية، ضمن بيئة غير خاضعة لأي قانون فعلي. إنه ليس فراغاً كما يُروَّج، بل هو «نظام ظل» اقتصادي أمني متماسك يخدم مصالح خاصة على حساب الأمن والاستقرار العام.
○ تحوّل الساحل اليوم إلى ساحة تنافس جيوسياسي حاد. برأيكم، ما هي الأسباب العميقة لهذا التزاحم الدولي؟ وهل الأمر يقتصر على الموارد فقط؟
• لم يعد الساحل مجرد منطقة هامشية في حسابات القوى الكبرى، بل أضحى اليوم فضاءً تتقاطع فيه استراتيجيات عالمية، لا بسبب هشاشته فحسب، بل لأن هذه الهشاشة تُغري الفاعلين الباحثين عن النفوذ حيث تكون كلفة التدخل منخفضة والعوائد المحتملة عالية.
صحيح أن المنطقة تزخر بثروات استراتيجية كالذهب واليورانيوم والحديد والنفط والمعادن النادرة، وهي تغذي جزئياً شهوة التنافس، لكن المسألة لا تتعلق بالموارد فقط. الساحل بات اليوم حلبةً للصراع الدبلوماسي والعسكري والرمزي بين قوى كبرى.
فروسيا، من خلال مجموعة فاغنر ثم «أفريكا كوربس»، تسعى لتثبيت حضورها في دول انقلبت على الشراكات التقليدية مع الغرب. وتركيا، بدورها، تتحرك عبر اتفاقيات أمنية وتجارية مستثمرة في خطاب التضامن الإسلامي. أما الإمارات، فتسلك طريقاً خفياً لكنه فعّال، يجمع بين التمويل السياسي، والدعم اللوجستي، والطموح الاقتصادي. وفي المقابل، تحاول أوروبا، المتوجسة من موجات الهجرة، تحويل دول الساحل إلى خطوط صدّ عبر آليات مراقبة وتمويلات أمنية موجهة.
هكذا، نجد أنفسنا أمام ثلاث معارك مترابطة: معركة على الموارد، ومعركة على النفوذ، ومعركة على صياغة النظام الإقليمي المقبل. وفي ظل هشاشة المؤسسات وضعف السيادة الفعلية، يسعى كل طرف إلى توسيع نفوذه بما يتيح له التحكم في مسارات الاقتصاد والأمن والسياسة في هذه المنطقة المفصلية.
○ الجزائر أعلنت رفضها لوجود فاغنر في مالي وليبيا. كيف تفهمون موقف موسكو المزدوج تجاه الجزائر، فهي من جهة حليف استراتيجي ومن جهة أخرى تلعب أدوارا مقلقة في محيط البلاد القريب؟
• العلاقة بين الجزائر وروسيا لطالما بُنيت على أسس تاريخية من التعاون العسكري والدبلوماسي والاستراتيجي. غير أن ما تقوم به موسكو اليوم، خصوصاً في الساحل، يثير أسئلة حقيقية حول حدود هذا التحالف التقليدي. فروسيا، من خلال فاغنر سابقاً ثم «أفريكا كوربس»، لم تكتف بتقديم الدعم للأنظمة العسكرية، بل تسللت إلى دوائر القرار الأمني، وباتت تؤثر بشكل مباشر على الخيارات السيادية لبعض الدول، وفي مناطق شديدة القرب من الحدود الجزائرية.
هذا التمدد الروسي غير المنسّق يضع الجزائر في موقف صعب: إذ ترى «حليفاً تاريخياً» يتحرك في فضاء تعتبره استراتيجياً وحساساً بدون الرجوع إليها أو التنسيق معها. والأسوأ أن هذا الحضور قد يُترجم على المدى المتوسط إلى تهديد غير مباشر لأمنها، خاصة إذا اقترن بتحالفات مع سلطات تتبنى خطاباً عدائياً تجاه الجزائر.
الجزائر، التي طالما دعت إلى حلول أفريقية للأزمات الأفريقية، ترى في هذا النمط من التغلغل الأمني إعادة إنتاج للوصاية ولكن بأدوات جديدة. ومع ذلك، فإن محاولات التقارب السياسي بين الجزائر وموسكو لم تنقطع، وهناك جهود دبلوماسية جارية لاحتواء نقاط التوتر عبر قنوات خارجية. لكن هذه التحركات، وإن كانت ضرورية، لن تؤثر جوهرياً على الاستراتيجية الروسية في الساحل، التي يبدو أنها تتحرك بمنطق استقلالي يخدم مصالح موسكو أولاً وأخيراً.
○ تشير بعض التحليلات إلى تنامي نشاط الإمارات العربية المتحدة في منطقة الساحل. هل هناك دلائل ملموسة تؤكد ضلوع أبو ظبي في توتير الأوضاع؟
• في السنوات الأخيرة، وسّعت الإمارات حضورها في مناطق متعددة من العالم العربي والأفريقي، خاصة في ليبيا، السودان، وشرق أفريقيا، وبدأت في التسلل تدريجياً إلى منطقة الساحل ضمن رؤية استراتيجية تقوم على تثبيت النفوذ عبر أدوات غير تقليدية: المال، الذهب، وشبكات النفوذ السياسي.
ورغم أن حضورها لا يضاهي من حيث العلنية حضور روسيا أو تركيا، إلا أنه فعّال ومؤثر. تقارير موثوقة أشارت إلى دعم لوجستي وتمويل عسكري قدمته أبو ظبي لبعض الفصائل في نزاعات مثل السودان وليبيا. أما في الساحل، فالبوابة الرئيسية هي الذهب: حيث يُهرّب جزء كبير من الذهب المستخرج بطرق تقليدية من مناجم مالي إلى دبي من دون رقابة ولا ضرائب، ما يحرم خزائن الدول من عائدات هامة ويغذي شبكات اقتصادية موازية، بعضها على صلة بمليشيات مسلحة أو جهات نافذة في الحكم.
بالإضافة إلى ذلك، طوّرت الإمارات علاقات وثيقة مع بعض الأنظمة العسكرية في المنطقة، وقدّمت لها أشكالاً من الدعم، سواء عبر صفقات أمنية غير معلنة أو عبر شركات أمن خاصة، بعضها على صلة بإسرائيل، تعمل في مجالات المراقبة والتجسس والتدريب.
المقلق في هذا الدور أنه لا يندرج ضمن رؤية واضحة للاستقرار أو التنمية، بل ضمن منطق نفوذ لا يخلو من نزعة تدخلية، تستفيد من هشاشة الأنظمة، وتُعيد إنتاج منطق الرعاية الخارجية. لهذا، فإن الاتهامات التي وجهها السودان مؤخراً ضد أبو ظبي أمام محكمة العدل الدولية في سياق اتهامها بـ«المشاركة في الإبادة» لا ينبغي التقليل من شأنها.
○ يرى البعض أن المغرب يحاول استثمار التوتر بين الجزائر وامتدادها الطبيعي في الساحل لتعزيز نفوذه. هل تعتقدون أن مبادرة «ممر الأطلسي» تندرج في هذا الإطار؟
• الحضور المغربي في الساحل ليس وليد اللحظة، بل هو جزء من استراتيجية طويلة النفس تسعى الرباط من خلالها إلى تثبيت موطئ قدم سياسي واقتصادي في عمق أفريقيا. ومع تراجع النفوذ الفرنسي، وبروز إشارات توتر بين الجزائر وبعض دول الساحل، كثّف المغرب من تحركاته، وبدأ يبني شراكات جديدة، خصوصاً مع الأنظمة العسكرية في مالي، النيجر وبوركينا فاسو.
في هذا السياق، جاءت «مبادرة ممر الأطلسي»، التي جرى إحياؤها مؤخراً، كإحدى أدوات هذا التموقع. المبادرة تهدف إلى ربط دول الساحل المحرومة من منافذ بحرية بالموانئ المغربية على المحيط الأطلسي، تحت شعار «التكامل الاقتصادي جنوب-جنوب». لكن في عمقها، تحمل أيضاً رسالة سياسية، مفادها أن الرباط قادرة على ملء الفراغ الذي تركته الجزائر في علاقتها بجوارها الساحلي.
مع ذلك، تبقى هذه الاستراتيجية محفوفة بعوائق عدة: من جهة، تقوم على التحالف مع أنظمة سياسية غير مستقرة، مستقبلها السياسي غير مضمون. من جهة أخرى، تواجه تحديات لوجستية وتمويلية ضخمة، في ظل تعقيدات التضاريس، وبعد المسافات، وتشابك المصالح الدولية. يضاف إلى ذلك أن الجزائر تظل، من حيث الجغرافيا والبنية التحتية والطاقة، أكثر قدرة على لعب دور الممر الطبيعي بين شمال أفريقيا وعمق الساحل.
بالتالي، يمكن القول إن المبادرة المغربية، وإن حملت طموحات توسعية، تظل حتى اللحظة مشروعاً رمزياً أكثر منها بديلاً واقعياً. لكنها تكشف عن محاولة مغربية واضحة لإعادة رسم معادلات النفوذ في منطقة لطالما ارتبطت تاريخياً، اجتماعياً وثقافياً بالجزائر.
○ تركيا أيضاً أصبحت حاضرة في المنطقة. هل دوافعها تقتصر على تسويق الأسلحة؟
• لا شك أن صادرات السلاح، خصوصاً الطائرات المسيّرة من نوع «بيرقدار»، شكّلت بوابة بارزة لدخول تركيا إلى منطقة الساحل، لكن دوافع أنقرة تتجاوز بكثير منطق البيع والربح العسكري.
تركيا تسعى إلى بناء حضور استراتيجي متعدد الأبعاد، يجمع بين الشراكات العسكرية، الاستثمارات الاقتصادية، والدبلوماسية الدينية، والمبادرات الإنسانية والتعليمية. عبر هذا المزيج، تطرح نفسها كبديل مسلم معتدل للقوى الغربية، وتقدّم نموذجاً متماسكاً في الخطاب السياسي وفي أدوات التأثير الناعم.
كما أن شركات مثل «صادات»، ذات الطابع الأمني وشبه العسكري والمقرّبة من السلطة التركية، بدأت توسّع نطاق عملها تدريجياً، ومن المتوقع أن يكون لها حضور أكبر في بعض الدول الساحلية في السنوات المقبلة.
ومع ذلك، فإن تأثير تركيا لا يزال في طور التكوين، مقارنة بقوى مثل روسيا أو الإمارات. فغياب الشبكات العميقة، وتعقيد السياق المحلي، وصعوبة التموضع في ظل تعدد الفاعلين، كلها تحديات تواجه أنقرة. لكن إذا نجحت في بناء شراكات متوازنة مع المجتمعات والأنظمة، فقد تتمكن من تحويل حضورها المؤقت إلى نفوذ مستقر.
○ الجزائر ترتبط بمصالح كبرى مع النيجر، لاسيما عبر مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء. هل من الواقعي تنفيذ هذا المشروع في الظروف الحالية؟
• مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط بين نيجيريا والجزائر مروراً بالنيجر، يُعدّ من أكبر المشاريع الطاقية على الورق في أفريقيا. من الناحية الاستراتيجية، يمثل خياراً مهماً لتعزيز التكامل الإقليمي، وتوفير بديل جزائري-نيجيري للغاز الروسي في الأسواق الأوروبية. لكن من الناحية العملية، يواجه المشروع عقبات جدية تجعل تنفيذه في المدى القريب أمراً صعباً.
أولى هذه العقبات تتعلق بالوضع الأمني في النيجر، خصوصاً منذ انقلاب تموز/يوليو 2023، إلى جانب التهديدات التي تمثّلها الجماعات المسلحة في مناطق عبور الأنبوب. ثانيها، عدم توفر التمويل الكافي، في ظل تكلفة ضخمة تتجاوز 13 مليار دولار، ومخاوف المستثمرين من الاستقرار السياسي في المنطقة. كما أن التحوّل العالمي نحو الطاقات النظيفة يطرح سؤالاً كبيراً حول جدوى استثمارات ضخمة في مشاريع طاقية تقليدية على مدى العقود المقبلة.
ومع ذلك، لا يمكن إسقاط المشروع نهائياً. فإذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية لدى الجزائر، أبوجا ونيامي، إلى جانب التزام أوروبي طويل الأمد، يمكن لهذا المشروع أن يعود إلى الواجهة لاحقاً، لا فقط كقناة لتصدير الطاقة، بل كمحور تكامل اقتصادي وأمني بين شمال إفريقيا وغربها.
○ في خلاصة هذه الجولة في الساحل.. إلى أي مدى تشكل أزمات هذه المنطقة والأزمة الليبية تهديداً للأمن القومي الجزائري؟
• التهديد لا يتمثل في احتمال اندلاع نزاع عسكري تقليدي على حدود الجزائر، وهو سيناريو مستبعد في السياقين الليبي والساحلي، بل في صعوبة إدارة حدود تتجاوز 3000 كلم في محيط إقليمي بالغ التعقيد. فالوضع في الغرب الليبي ما يزال هشاً، وإعادة تشكيل المنظومة الأمنية في طرابلس جارية، في حين يشهد الساحل تحولات جذرية زادت من حدة الهشاشة على امتداد الحدود الجنوبية للجزائر.
في هذا السياق، تتكاثر التحديات: تنامي تهديد الجماعات الإرهابية، انتشار الأسلحة الخفيفة، تفاقم التهريب بمختلف أنواعه، وغياب منظومات فعالة للمراقبة الإقليمية. ورغم وجود أجهزة إنذار مبكر وتقنيات مراقبة متطورة، تبقى المساحات شاسعة والضغط الميداني مستمراً. وقد عززت الجزائر من انتشارها العسكري في الجنوب منذ 2021، إلا أن حجم التحديات يتطلب أكثر من مجرد إجراءات دفاعية.
فما هو على المحك اليوم، ليس فقط ضبط الحدود، بل إعادة النظر في العقيدة الاستراتيجية الجزائرية. لم يعد كافياً الاعتماد على سياسة «تحصين الداخل»، بل يجب الجمع بين الأمن، والتنمية، والدبلوماسية، في رؤية متكاملة تعيد تموقع الجزائر كفاعل إقليمي. هذا يتطلب نهجاً استباقياً في الساحل، واستثماراً كبيراً في تنمية الجنوب الجزائري، وإعادة تقييم الشراكات الاستراتيجية بناءً على المصلحة الوطنية المشتركة والمصالح الإقليمية المتقاطعة.
○ يرى عدد من المحللين أن الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعبّر عن رغبة في التحرر من النفوذ الفرنسي. هل لا يزال هذا التشخيص دقيقاً في ظل التطورات الحالية؟
• من الواضح أن ما شهدته منطقة الساحل منذ عام 2020 من انقلابات سياسية وتحولات جذرية في الحكم، يعكس في جزء كبير منه رفضاً واسعاً للهيمنة الفرنسية التاريخية، أو ما يُعرف بـ«فرانس أفريك». هذا الرفض لم يأت فقط من الأنظمة، بل عبّرت عنه أيضاً شرائح واسعة من المجتمعات، من خلال التظاهرات الشعبية والخطابات الرافضة لتجديد الوصاية.
لكن هذا المسار، رغم شرعيته، لم يُفضِ بالضرورة إلى بديل ديمقراطي أو تحرري حقيقي. ففي غالب الحالات، تم استبدال النفوذ الفرنسي بعلاقات تبعية جديدة: لروسيا في المقام الأول، أو لمحاور مغلقة أمنياً واقتصادياً. وغالباً ما رافق هذا التحول تقويض للمجال المدني، وتهميش للمعارضة السياسية، كما هو الحال في مالي، حيث تم تفكيك الساحة السياسية الداخلية بالكامل لصالح الحكم العسكري.
الرهان على السيادة لا يكتمل بمجرد طرد النفوذ الاستعماري القديم. السؤال الجوهري هو: ما هو المشروع الذي يأتي بعده؟ هل هو مشروع يكرّس دولة القانون، والمشاركة الشعبية، والتنمية العادلة؟ أم مجرد استبدال لوصيّ خارجي بآخر؟
إن التحرر الحقيقي يتطلب ما هو أعمق من مجرد شعارات مضادة للغرب. إنه يمر عبر إعادة بناء الدولة من الأسفل، بمنطق الإنصاف والتمثيل والكرامة. ما نشهده اليوم هو بداية مسار تحوّل، لكنه لا يزال مفتوحاً على سيناريوهات متعددة. فالتحرر يبدأ بالرفض، نعم، لكنه لا يكتمل إلا حين يُترجم إلى نموذج سياسي أصيل، منبثق من تطلعات الشعوب لا من توازنات القوى الدولية.