الجزائري حسني عبيدي مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط: ترى فرنسا في الوتيرة المتسارعة للانقلابات العسكرية في منطقة الساحل تهديدا لمصالحها

حاوره: محمد سيدمو
حجم الخط
2

يقدم حسني عبيدي مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط، في هذا الحوار مع «القدس العربي» تحليلا دقيقا للأزمة في النيجر وخيارات الحل المتاحة وآخرها المبادرة الجزائرية.
ويعود الباحث الجزائري وهو عضو في اللجنة الدولية للبحث عن الخروج من العنف، في قراءته إلى أسباب الانقلابات التي تطيح بالأنظمة كأحجار الدومينو في أفريقيا وارتباط ذلك باستمرار الهيمنة الفرنسية ويتحدث عن فرص نجاح أفريقيا في التحرر من كل التبعيات في ظل وجود قوى أخرى تريد تعويض باريس في المنطقة. كما يتناول الأستاذ المحاضر في معهد الدراسات الشاملة بجامعة جنيف ومعهد العلوم السياسية في باريس، موضوع عدم انضمام الجزائر لمنظمة بريكس والجدل المثار حوله ويعطي رأيه في جدوى هذه المنظمة ومعايير الانضمام إليها.
ويقف عبيدي في الجزء الأخير من الحوار عند مخاطر التطبيع بعد الأزمة التي أحدثتها نجلاء المنقوش، ومساعي إسرائيل من وراء استدراج دول في المغرب العربي والمخاوف الجزائرية من ذلك. وهنا نص الحوار.
○ كيف تتوقع تطور الأحداث في النيجر بعد نحو شهر من الانقلاب العسكري، إلى الحل السياسي أو التدخل العسكري؟
• لا يوجد إجماع على خيار التدخل العسكري لكن يوجد قبول بمواصلة المفاوضات من أجل إيجاد حل سلمي يمر عبر البوابة الدستورية. الجميع يتفق على أن الخيار العسكري ليس حلا لأن تداعيات التدخل المسلح ستضعف الدولة وتسرع انهيار النيجر وأمن الدول المجاورة ناهيك عن صعوبة أي قوات عسكرية البقاء في النيجر في بيئة معادية تغذيها مقاومة من الداخل ومن بعض دول الجوار المعادية للتدخل. في نفس الوقت لا يريد الغرب إظهار ضعفه في النيجر خاصة أمام الطموح الكبير الذي تبديه الصين وروسيا في هذه المنطقة. ولذا فإن الحل يجمع بين التهديد العسكري الذي تمارسه الإكواس بالوكالة وقبول مبدأ التفاوض.
النيجر أمام خيارات متعددة وكلها مكلفة بالنسبة للانقلابيين ولدول الإكواس. النظام الجديد استطاع البقاء في الحكم والتحكم في مقاليد السلطة دون إراقة دماء ودون انشقاقات في صفوفه كما راهنت فرنسا وبعض دول الجوار. وقد تمكن من ذلك عندما سارع في استعمال ثلاث أوراق: الأولى- تحريك الشارع ليظهر دعمه لقادته الجدد، عدم الرغبة في عودة الرئيس السابق منتقدين سياساته. الثانية- ضمان دعم دولة مالي وبوركينافاسو ما يعني احتمال توسيع دائرة الصراع من خلاف بين العسكريين في النيجر ودول الإكواس مدعومة من فرنسا إلى حرب ضد النيجر. الثالثة- الإسراع في تعيين رئيس حكومة مدني من التكنوقراط لطمأنة الخارج، وهو ما أضعف من قوة الخيار العسكري وأدخل دولا وازنة على الخط مثل الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر.
هذا لا يعني أن أسوأ الاحتمالات وهو القيام بتدخل عسكري قد سقط. لكن استعماله يزيد الوضع تعقيدا من خلال إضعاف قدرات النيجر وينهك دول منظمة الإكواس المالية والدفاعية مع تداعيات أمنية على منطقة الساحل، دول شمال أفريقيا وأوروبا خاصة في الشق الإنساني المترتب عن عمليات النزوح داخليا وخارجيا.
الاحتمال الأقل تكلفة بالنسبة للجميع هو اعتماد مقاربة وسطية من الداخل أو من الخارج تتيح الوصول إلى تنازلات من قبل جميع الأطراف وذلك من خلال تقريب وجهات النظر في مسألة المرحلة الانتقالية وانسحاب العسكر من المسرح السياسي. يبدو أن الجزائر تبنت هذا الاتجاه. عدم الاستجابة للعرض الدبلوماسي أو للوساطة مع صعوبة الحسم العسكري تؤدي إلى إبقاء ضغط متزايد عسكريا واقتصاديا ودوليا على القادة الجدد لخلق حالة من التذمر الشعبي والاقتصادي ومحاولة شق صفوف الجيش للتقليل من نفوذه من خلال عدم التصدي لضربات الجماعات الإرهابية وفقدان الأمن في العاصمة تجعل من النيجر دولة خارجة عن السيطرة.
○ لماذا سارعت دول الإكواس للتلويح بالتدخل العسكري في النيجر على الرغم من وجود سوابق انقلابات في المنطقة لم تحرك أمامها ساكنا؟
• تطرح أزمة النيجر إشكالا سياسيا وقانونيا مهما في علاقته بالإكواس. كيف يمكن تبربر عملية عسكرية في دولة سيادية دون تفويض دولي عادة لا يخول إلا من قبل مجلس الأمن الدولي بإجماع أعضائه عند الاخلال بالسلم والأمن الدوليين؟ قطعا لا. من هنا جاء اندفاع الإكواس للتدخل بتوكيل من فرنسا التي لا تريد أن تقوم بهذا الدور ولا تريد التفريط في موقع حساس. ونظرا لعلاقاتها القوية مع دول هذا التجمع الإقليمي لم تجد فرنسا صعوبة في اقناعهم بالقيام بهذا الدور حتى لا تعطي بعدا استعماريا في حالة التدخل المباشر. هذا لا يعني أن دول المجموعة مرغمة على التدخل. هي أيضا تريد المحافظة على مصداقيتها ومصالحها منها عدم تشجيع موجة الانقلابات ضد الحكم المدني. من الصعب على فرنسا القبول بالأمر الواقع. منذ نهاية الوجود الفرنسي في مالي وخروجها المذل بفشل عملية بركان والانسحاب العسكري منها، أصبحت النيجر تشكل قاعدة بديلة وأساسية بالنسبة لفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. واشنطن جعلت من محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ومواجهة التوغل الروسي في منطقة الساحل وأفريقيا الوسطى من اهتماماتها الاستراتيجية. سقوط النيجر يعيد النظر في الاستراتيجية الفرنسية والأوروبية والأمريكية في منطقة أصبحت الحلقة الأضعف في أفريقيا.
○ كيف تنظر إلى التباين الحاصل حاليا بين الموقفين الفرنسي والأمريكي حيال الوضع في النيجر وهل بإمكان ذلك أن يعطل الحل العسكري؟
• ما يسمى بسياسة فرنسا أفريقيا لا توجد أمريكيا. الاهتمام بالثروات المعدنية التي تزخر بها النيجر يمر بالضرورة عبر نفوذ سياسي عسكري وأمني وبين الحرص على المحافظة على العلاقة التقليدية ومحاربة الإرهاب.
ترى فرنسا في الوتيرة المتسارعة للانقلابات العسكرية في منطقة الساحل تهديدا لمصالحها وبأن الانقلابات العسكرية المرتبطة هي بمثابة نهاية حقبة غلب عليها النفوذ الفرنسي وبداية عصر النفوذ الجديد الذي تدفع به الصين وروسيا في أفريقيا. إذا خسرت فرنسا النيجر فإنها تخسر مصداقيتها في أفريقيا ومصداقيتها مع الغرب في الحفاظ على مصالحه في أفريقيا وبالتالي ضياع دولة مهمة مترامية الأطراف لديها حدود مع دول تعتبر حليفة ودول أخرى تعتبر ذات أهمية استراتيجية.
سقوط نظام القذافي في ليبيا وتزايد العمليات العسكرية في ليبيا التي أفرزت انتشارا غير مسبوق للسلاح وتنامي التشكيلات المسلحة على حساب الدولة، عوامل ساهمت بقوة في خلق حالة من الصراع على النفوذ الذي يعتمد على دول بالوكالة أو على مجموعات مسلحة لا تخضع لسلطة القانون من العوامل الأساسية التي تفسر الاهتمام المتزايد الأمريكي في أفريقيا لردع لاعبين جدد من احتلال مساحات داخل الدول أو استغلال أطراف داخلية تعمل كمقاولين سياسيين أو أمنيين.
رغم التنسيق المستمر بينهما، لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تصوران مختلفان حول أحداث النيجر. كما أن لهما أهدافا مختلفة وأجندات تبدو متناقضة. لكن خاب ظن فرنسا التي كانت تنتظر دعما لا مشروطا من قبل واشنطن ورفض الانقلاب العسكري بقوة. ذهبت واشنطن إلى عدم قطع الصلة مع الانقلابيين في النيجر وتفضيل الحوار حتى تحافظ على مكتسباتها في النيجر وفي منطقة الساحل كما أن لواشنطن استثمارات في شمال النيجر تتمثل في قاعدة عسكرية مخصصة للطائرات المسيرة. كما أن القيادة العسكرية أفريكوم تعول على النيجر من أجل أن تكون دولة تقيم فيها إحدى قواعدها العسكرية الهامة في أفريقيا لصد التوغل الروسي ومضايقة الصين في البحث عن أسواق جديدة. بالنسبة لفرنسا فإن الحوار مع الانقلابيين أو إيفاد سفيرة جديدة يعتبر قبولا بالأمر الواقع وإضفاء للشرعية على سلطة العسكر. يبقى البعد الأمني مهيمنا على المقاربة الأمريكية في حين أن فرنسا تعتبر النيجر منطقة نفوذ وحديقتها الخلفية ولا يمكن أن تسمح بهامش الحركة لدى الحكام الجدد في النيجر ولا يمكن أن تتخلى بسهولة عن مصالحها التي تجعلها تلعب أدوارا خارجية متقدمة. إذا فقدت فرنسا النيجر، ستطرح أمريكا سؤالا مفاده ما فائدة الالتصاق بحليف أصبح مرفوضا في أفريقيا بل أصبح غير مرغوب فيه.
○ هل تعتقد أن الجزائر مستهدفة في حالة تدخل عسكري في النيجر؟
• تمثل النيجر تحديا إضافيا للجزائر في حدودها الجنوبية إضافة إلى حدودها مع مالي وليبيا. كما تخشى الجزائر من تداعيات جمود الوضع في النيجر أو تعثره. التغير المفاجئ على هرم السلطة في نيامي ينهك قدرات الدولة في ضبط حدود البلد ومحاربة التنظيمات المسلحة والشبكات الإرهابية التي تمتلك القدرة على تسليح أفرادها وتحولها إلى مصدر تهديد للأمن القومي الجزائري. كما أن تعاظم خطر المجموعات الإرهابية الموجودة في المنطقة يخدم بعض الأجندات الغربية التي تعتبره عنصرا كافيا لزيادة وتقنين تواجدها العسكري باسم حماية أمنها الوطني ووفقا لمهام التحالف الدولي ضد الإرهاب. ترفض الجزائر هذا التواجد المكثف الغربي لأنه يشكل سببا كافيا لجلب العناصر الإرهابية التي تستعمل سردية مكافحة المشركين في بلاد الإسلام لتقوية صفوفها في المنطقة. كما لن تستطيع الجزائر التذرع بقراءة دوغماتية لتجاهل دعوات محاربة الإرهاب والاستمرار في غلق مجالها الجوي أو رفض التعاون مع جيوش أجنبية. هنا تكمن ضرورة القيام بخطوات استباقية لتخفيف تكلفة الانتظار وتحمل نتائج الانقلاب العسكري أو تداعيات التدخل الخارجي ما يفقد الجزائر القدرة على إدارة الأزمة وفقا لمصالحها.
○ قدمت الجزائر مبادرة عملية لدعم الحل السياسي في النيجر وتبدي رفضها الشديد لأي تدخل عسكري، ما هي الأدوات التي تملكها لمنع التدخل العسكري؟
• الجزائر مرشحة أكثر من غيرها للقيام بالوساطة بحكم جاهزيتها سياسيا وعسكريا وقبولها من قبل أغلب الأطراف لطرح مقترحاتها. عرف الموقف الجزائري محطات عديدة أعطى في البداية انطباعا اتسم بالتردد والغموض. صحيح أن الجزائر كيفت دستورها الجديد وفقا لتحديات الإقليم من خلال الترخيص لقواتها المسلحة القيام بعمليات خارج الحدود، لكن تأخر الدور الجزائري في الظهور أعلن إلى غاية الأسبوع الأخير من عمر الأزمة النيجرية. هذا التريث في الموقف الجزائري يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يقدم سياسة خارجية جديدة طموحة لمواجهة التحديات الحقيقية التي تواجهها الدولة وعلى السجل الحافل للوساطات الجزائرية السابقة التي حققت اختراقات مهمة أفريقيا ودوليا. خاصة ما حققته الجزائر في دولة مالي والذي توج باتفاق في سنة 2015 بين باماكو والجماعات المسلحة بعد خمس جولات من المفاوضات وكذا الوساطة بين الإكواس ومالي سنة 2022.
بطرح الجزائر لمبادرتها في النيجر، نحن أمام تطور منتظم في الموقف الجزائري بالرغم من أن هذا الموقف كان مترددا ولم يعلن عن محتواه إلا مؤخرا بزيارة بعض عواصم الدول الأفريقية أعضاء الإكواس للاستماع لهم قبل صياغة مقترح الوساطة. القيمة المضافة لخطة الوساطة أنها تضعف من حجج أصحاب مشروع الحسم العسكري وتدخل دينامية دبلوماسية يمكن البناء عليها.
هذا المقترح يجمع بين وجهات نظر مختلفة. البعد الأول فيه أنه يعجل من إنهاء حكم العسكر ويدعو لحوار وطني تشرف عليه شخصية مقبولة. يبقى المقترح في أعين البعض غامض الهدف حين يتحدث على «عودة إلى النظام الدستوري والديمقراطي». هل سيتعلق الأمر بإعادة محمد بازوم إلى منصبه، إذا لماذا التحضير لعملية انتقال ديمقراطي؟ هل سيكون بازوم الحق (والرغبة) في أن يكون مرشحاً جديداً؟ البعد الثاني يكمن في أن الجزائر ترفض أي تدخل عسكري. البعد الثالث البارز في الخطة الجزائرية هو تقصير الفترة الانتقالية حيث تصبح مدتها ستة أشهر فقط، في حين أن العسكر يريدون ستة أضعاف الحد الأقصى. تبقى مسألة الضمانات لجميع الأطراف أمرا أساسيا في إنجاح الوساطة إضافة إلى مدى استجابة باريس وواشنطن للمقترح.
○ ما هو السبب وراء الحذر الجزائري؟
• الحذر الشديد والانتظار ليس جديدا في أبجديات السياسية الخارجية التي تلتزم الصمت وتفضل الكواليس. في الأزمة النيجرية تعاملت الجزائر بحذر شديد حتى لا يفهم موقفها بانه مضاد لفرنسا والتي ما زالت علاقاتها مع الجزائر باهتة. وربما أرادت الجزائر أن لا تشوش على الموقف الرسمي لإكواس الذي لم يكن موفقا لتغليبه لغة التهديد بالحسم العسكري في ظرف قصير لا يترك المجال للتفاوض وطرح المبادرات. هكذا موقف جعل العسكر في النيجر أكثر تماسكا وتشددا وزرع الخلافات داخل الإكواس وزاد في تعقيد الأزمة. بما أن الانقلاب العسكري في نيامي وضع الجزائر أمام الأمر الواقع، سرعة الموقف الفرنسي وسرعة تحرك دول الإكواس حتم على الجزائر البحث عن مقاربة توافقية.
كان من الأجدر أن تبدأ الدبلوماسية الجزائرية بعد الانقلاب مباشرة بالإتصال بالقادة الجدد والرئيس السابق لتحييد الأطراف الخارجية وحصر الخلاف بين الرئيس السابق محمد بازوم والقادة العسكريين الجدد منعا لتوسع الخلاف وتعقد الموقف. وكنت قد اقترحت مخططا يدفع نحو تقليل الفترة الزمنية لعملية الانتقال السلمي وانتقال السلطة من العسكريين إلى المدنيين في ظرف أقل من الظرف الذي حدده العسكريون وإطلاق سراح الرئيس السابق محمد بازوم والإبقاء على الاتفاقيات مع الحق في إعادة التفاوض حول الاتفاقيات التي تعتبرها السلطات الجديدة بأنها مجحفة في حق النيجر. كما أنه يمكن الاستعانة بلجنة حكماء أو شخصيات توافقية تشرف على عملية الانتقال السلمي للسلطة وتسليم الحكم للمدنيين مع ضمان عدم ترشح رجالات النظام الجديد. وتشكل لجنة الحكماء ضمانة بالنسبة إلى السلطات الجديدة في معاملاتهم مع الغرب. كما لابد أن يقترن هذا التنازل من قبل العسكريين برفع كل العقوبات المفروضة على النيجر والتي تخلق يوميا مصاعب جديدة للشعب النيجري.
○ القاسم المشترك بين أنظمة أفريقيا الغربية حاليا هو الموقف من فرنسا. النيجر ومالي وبوركينافاسو تروج للتحرر من الهيمنة الفرنسية ودول أخرى مثل السنغال وكوت ديفوار تريد إبقاء علاقات قوية من باريس. لماذا في رأيك لا تزال القوة الاستعمارية السابقة حاضرة بقوة في المنطقة عكس قوى استعمارية أخرى مثل بريطانيا زال تأثيرها مع الوقت؟
• القوى الاستعمارية ما زالت حاضرة بقوة لأنها لا تريد فقدان منطقة حساسة لممارسة نفوذها وهي غير مستعدة أن تترك فراغا تعتقد بأن أعداءها سيستفيدون منه وأن أمنها الداخلي مرتبط بالوضع في الساحل. الولايات المتحدة الأمريكية تخشى من التوغل الروسي الذي يعتمد على المقاربة الأمنية للتحكم في المؤسسات العسكرية والأمنية في أفريقيا الغربية ومن ثم الانتقال إلى دول أفريقيا الوسطى وربما كذلك في شرق أفريقيا. في حين أن فرنسا ما زالت متمسكة بعلاقتها الخاصة مع مستعمراتها السابقة وما زال لديها ارتباط وثيق مع النخبة التي تحكم أو من هي قريبة من صانعي القرار. إضافة إلى البعد الاقتصادي الذي يتحكم في العلاقة ما بين فرنسا ودول أفريقيا حيث لها استثمارات في الطاقة والتعدين والعديد من الخدمات لا يمكن تعويضه وبالتالي من السابق لأوانه التنبؤ بخروج فرنسا من هذه المنطقة دون أن تكون هناك ضمانات حقيقية. أكثر من ذلك، الرئيس ماكرون لا يريد نهاية العلاقة بين فرنسا وأفريقيا. يريد بناء علاقة جديدة مبنية على شركات جديدة ولا يريد المغادرة والتفريط في دور الحليف الأوروبي الذي يتحكم في أفريقيا.
موازاة مع ذلك، ينبغي عدم الابتهاج بتنامي النفوذين الصيني والروسي إلى المنطقة. درجات الفساد والرشوة نجدها بقوة في التعاملات الصينية. كما أن الشفافية واحترام البيئة، القضايا المتعلقة بقضايا الحكم الراشد وحقوق الإنسان والحريات العامة مفقودة تماما في سجلات المفاوضين الروس والصينيين. إذا كانت أفريقيا وصلت إلى إنتاج نخبة تريد التحرر من المستعمرات السابقة فلن تكون مهمتها مكتملة إذا لم تتحرر من كل أنواع التبعية بما فيها التبعية لروسيا والصين.
○ لم تعرف الأزمة في النيجر طريقها للحل حتى اطيح برئيس جديد في غرب أفريقيا.. هل يدخل الانقلاب في الغابون في نفس سياق ما حدث في دول الساحل؟
• أن تسقط خمس دول أفريقية في وقت قياسي ليس صدفة. فرنسا تفقد النيجر نقطة ارتكاز للقوات العسكرية والغابون التي تعتبرها حصنا في أفريقيا حيث حمت الرئيس السابق لمدة تجاوزت خمسين سنة واستمرت مع نجله علي بانغو الذي فرض نفسه بالقوة والفساد وبفضل حماية فرنسا. رغم اختلاف السياق الغابوني على النيجر، إلا أنه يوجد قاسم مشترك بين جميع هذه الانقلابات. العسكر هم الذين يصححون الحكم المدني وليس العكس ويعيدون النظر في ما يمكن أن تقدمه الديمقراطية في وسط تصفيق وحماس المواطنين. لكن لا يمكن اعتبار الحكم المدني في عهد بانغو أو بازوم حكما ديمقراطيا عندما ينعدم التنافس النزيه، الإعلام الحر وتضييع الحقوق وتهمش العدالة. الحكم المدني يمكن أن يكون أشد استبدادا من حكم العسكر. فرنسا تكتشف الآن أن أفريقيا قارة تعج بجيل جديد خلق تغيرا ديموغرافيا أحدث بدوره قطيعة في العلاقة مع النخب السابقة التي استولت على السلطة والتي راهنت على فرنسا وعلى حداثة مستوردة ثم تحالفت تارة مع القوى الخارجية وتارة مع الجيش للبقاء في السلطة.
○ أثار استبعاد الجزائر من قائمة الأعضاء الجدد في بريكس جدلا واسعا في البلاد. هل كانت معايير الانضمام الجديدة سياسية أو اقتصادية، وما فعلا ما خسرته الجزائر بعدم انضمامها لهذه المنظمة؟
• خسارة وهمية لجائزة وهمية. أعتقد أن دراما البريكس كان من الممكن الاستغناء عنها لو تبنت السلطة نهجا علميا وواقعيا بدل تسويق سردية تتسم بالاندفاع والحماسة المفرطة. تكمن قوة البريكس في قوة أعضائه المؤسسين وليس في البريكس كمجموعة لم ترق إلى مستوى منظمة تكاملية اقتصادية على غرار الاتحاد الأوروبي بتجانس اقتصادي وسياسي وتوافق في الساسة الخارجية. لكن مرة أخرى الخطاب الرسمي في الجزائر والخطاب الإعلامي صور مشروع الدخول إلى البريكس وكأنه تتويج للسياسة الخارجية ونهاية لمصاعب الدولة الاقتصادية. قرار البريكس كان منتظرا ومن الأحسن أن يكون تدريجيا يساعد في تحسين الأداء الاقتصادي والمصرفي ويعطي صورة واضحة لجدوى المشاركة في بنك التنمية الجديد. الرفض فرصة تتاح للجزائر لبناء منظومة اقتصادية عصرية منفتحة على العالم. كما أن تقوية الاقتصاد ومصادر الدخل تشكل اًولويات للرفع من الدخل القومي للجزائر. فرصة أيضا لمراجعة السياسة الخارجية لتصبح أكثر موائمة للظرفية الدولية الجديدة. صحيح أن شروط العضوية لمجموعة البريكس غامضة لأن الدول المؤسسة تفضل ان تكون هكذا حتى تتحكم في قرار القبول من رفضه حسب ميول كل دولة، بمعنى أن الدول المؤسسة تقدم مرشحا أو اثنين وتدافع عنهما حتى القبول. قمة جنوب أفريقيا طرحت مسودة خاصة بشروط العضوية لكن تبقي الدول الأعضاء سيادية في قراراتها. المعيار الاقتصادي لم ولن يكون الوحيد بقدر ما تؤثر عناصر أخرى ترتبط بخيارات الدول المؤسسة والتفاهمات والمساومات داخل المجموعة.
البريكس مؤشر على خلل كبير في العلاقات الدولية يتمثل في بروز تجمعات على هامش المنظمات التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية ومنظمة الاتحاد الأفريقي تعمل على بناء تحالفات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية تتجاوز المحددات التقليدية في تشكيل تجمع إقليمي. اتساع رقعة نفوذ مجموعة العشرين ومجموعة السبع شجع الدول الأخرى في البحث عن منصات جديدة موازية للمنظمات التقليدية عملية وترتبط بالمصلحة السياسية والأمنية. تجمع صحراء النقب مثلا تجمع أمني لكن يعتبر انتكاسة بالنسبة لحقوق الفلسطينيين. البريكس نموذج آخر لبناء قوة مضادة لتجمعات الغرب، كلها لا تكترث مثلا بالطبيعة الاستبدادية للدولة.
البريكس محاولة من قبل روسيا والصين للإلتفاف على العقوبات ولمواجهة الهيمنة الغربية من خلال حشد دول الجنوب. أما الهند لا يمكن القول بأنها تبحث عن منصة بديلة بحكم قوة علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية. كما أن بريق البريكس زاد منذ الحرب الروسية الأوكرانية والضغط الذي تمارسه دول الغرب على هذه الدول الأخرى لدعم أوكرانيا في حين أن على هذه الدول التضحية بعلاقاتها مع روسيا. في خضم هذا التنافس بين المنظمات القائمة والجديدة يتزايد خوف دول الجنوب من تهميشها مع تهالك النظام الدولي الموروث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والذي ميزته القطبية الثنائية ثم احادية القطبية وبروز نظام دولي جديد لم تتضح معالمه بعد.
الجزائر لا تخسر الكثير من عدم قبولها في البريكس لأن البريكس لا يعوضها محدودية اقتصادها وعدم قدرتها التنافسية. فقط خطتها التنموية والإصلاح الشامل الإداري والضريبي والمصرفي من شأنه أن يغير المعادلة.
○ هل تتوقعون بعد قرار بريكس أن تقوم الجزائر بإعادة ضبط علاقاتها مع روسيا والصين على أسس جديدة. وهل ستتم زيارة الرئيس تبون إلى فرنسا على ضوء التطورات الجديدة؟
• ما حدث في البريكس أقوى رد على الذين يطالبون بعدم الاكتراث بعلاقة الجزائر بأوروبا التي ينبغي أن تكون الشراكة معها مزدهرة وفعالة لتقوية مواقف الجزائر دوليا. الجزائر مطالبة بصياغة خطاب ذي مصداقية ومراجعة مستمرة في علاقاتها مع روسيا ومع الصين ليس على أساس أيديولوجي أو سياسيي، بل على أساس استراتيجية تتبنى المصالح العليا للدولة. رفض بريكس وما صاحبها من تصريحات خاصة التبرير الروسي مهين بالنسبة للجزائر، كما أن الحديث حول خلاف بين الصين والهند حول ترشيح الجزائر يتطلب توضيحا من دولة جعلتها الجزائر أول شريك تجاري لها. يعد هذا ردا قاسيا على محاولات البعض تقزيم العلاقة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في حين أن الهدف الأساسي للصين وروسيا هو الحفاظ على علاقات اقتصادية مع الغرب رغم التباينات السياسية الكبيرة. تنويع شركاء الجزائر في مجال السلاح منذ الحرب الأوكرانية ضرورة قصوى وأعتقد أن ما تقوم به تركيا والإمارات من تصنيع محلي أمر يستحق المتابعة. للجزائر مقومات أساسية لتطوير علاقاتها مع أوروبا. التواجد الجزائري في دول أوروبية قوة لا يستهان بها في العلاقات الدولية. الروابط التاريخية مع فرنسا والقرب الجغرافي مع أوروبا المتوسطية عوامل جاهزة للتوظف في بناء علاقة استثنائية مع أوروبا. كما أن مشروع زيارة الرئيس تبون لفرنسا حدث هام بعد الزيارة الناجحة للرئيس الفرنسي ماكرون للجزائر بنفس مستوى أهمية تكثيف العلاقة مع ألمانيا. أعتقد أن مقاربة إعطاء الأولوية للملفات غير الخلافية مع فرنسا وهي عديدة كفيلة بتغيير نمط التفكير وبناء ثقة لتناول القضايا الأكثر صعوبة مثل الإرث التاريخي والذاكرة والقضايا الأمنية. تصريحات اليمين التقليدي والمتطرف مؤشر لحاجة الجزائر أن تنسق مع جميع النخب الفرنسية التي تمارس ضغطا قويا على الرئيس ماكرون للتخلي عن سياسة التقارب وتذليل العقبات. التصريح الأخير لساركوزي من اليمين التقليدي والمعادي للجزائر يستحق أكثر من قراءة.
○ أثار لقاء وزيرة خارجية ليبيا نجلاء المنقوش مع وزير الخارجية الإسرائيلي مؤخرا جدلا واسعا وبات ممكنا أن تلتحق ليبيا بركب التطبيع. هل إقامة ليبيا علاقات مع إسرائيل في ظل وضعها الداخلي غير المستقر سيكون له تداعيات مختلفة عن باقي مسارات التطبيع؟
• تشهد ليبيا إخفاقات متعددة. اخفاق الداخل على إيجاد أرضية مشترك دستورية وسياسية، وإخفاقات الخارج حيث فشلت جميع بعثات الأمم المتحدة وفشلت مخرجات اجتماعات برلين وروما وباريس في إيجاد وصفة مقبولة من قبل الجميع، في ظل تمسك الوجوه الحالية التي تسيطر على المشهد السياسي والاقتصادي بالسلطة وعرقلتها للمسار الانتخابي والدستوري الصحيح ورفضها الذهاب لانتخابات نظيفة كثفت من البحث عن الغطاء الإقليمي والدولي لسلطتها. بمعنى فقدان الشرعية الحقيقية يدفعها نحو الحصول على قبول دولي لا ينتقدها. الماريشال المتقاعد حفتر من خلال الورقة العسكرية والعلاقات مع روسيا والإمارات ومصر وعبد الحميد الدبيبة يسعى لقبول وتوافق دولي يمدد لحكمه دون توقف. من هنا جاء لقاء روما بين وزيرة خارجيته السابقة ونظيرها الإسرائيلي متوجة مباحثات بدأت منذ سنتين تقودها واشنطن. القبول بالدبيبة مقابل التطبيع والابتعاد عن موسكو. رئيس حكومة طرابلس يعتقد أن أقصر الطرق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب مستثمرا في العديد من شركات العلاقات العامة في أوروبا وأمريكا. واشنطن تريد توسعا لاتفاقيات السلام قبل الانتخابات الرئاسية. أما إسرائيل فلن تتخلى عن هدفها إقامة علاقات مع طرابلس الأمر الذي يسهل عليها مشروعها المستقبلي بالتطبيع مع تونس وموريتانيا، ومن ثم تطويق الجزائر بعد تطبيعها للعلاقات مع المغرب غربا وتشاد جنوبا. وهذا تحدي إضافي كبير للجزائر يحتم عليها العودة للمساهمة في العملية السياسية في ليبيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية