يذهب الباحث السياسي الأستاذ الجامعي الدكتور فادي الأحمر إلى اعتبار أن البطريركية المارونية التي ساهمت في تأسيس الكيان اللبناني منذ مئة عام هي اليوم خط الدفاع الأول والأخير في وجه المشروع الذي يحمله «حزب الله» لضرب هذا الكيان والنظام والدستور وجلب اللبنانيين إلى الطاولة لإعادة هيكلة البلد، ذلك أن الأحزاب والقوى السياسية المناوئة للحزب لا تستطيع لوحدها المواجهة. من هنا، جاء توقيف راعي أبرشية حيفا والأراضي المقدسة المطران موسى الحاج على معبر الناقورة قادماً من إسرائيل علّه ينجح في تليين موقف بكركي، لكن الرد كان حاسماً في بيان مجمع الأساقفة فسقطت رسالة «التطويع».
يعتبر الأحمر أن بكركي التي تحمل لواء مواصفات «الرئيس المستقل» أو «الرئيس التوافقي» كانت تريد من دعمها نظرية «الرئيس القوي» هو الرئيس القوي بإجماع اللبنانيين وليس الطرف القوي، وقد توفرت لرئيس الجمهورية ميشال عون فرصة ذهبية لكنه فشل فشلاً ذريعاً لأن هذا المفهوم لا ينطبق على شخصية عون الاستفزازية.
بالنسبة للأحمر، فإن اللبنانيين أنفسهم غير قادرين على إنجاز الاستحقاق الرئاسي لوحدهم، فيما لا يرى مؤشرات لضغط إقليمي ودولي كما حصل تجاه الانتخابات النيابية، ما يعني أننا سنكون أمام فراغ في رئاسة الجمهورية. هو يرى أن فرنسا التي لها مصالح جيوسياسية في لبنان ما عادت قادرة- حتى لو أرادت- الاستمرار في السياسة الاحتوائية لإيران و«حزب الله» ولا سيما بعد الموقف العربي الثابت والذي برز منذ قمة مجلس التعاون الخليجي وجولات ولي العهد السعودي، وتبلورَ بقوة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
في قراءته أن هناك اتفاق ترسيم للحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل لأن الوسيط الأمريكي يريد ذلك، لكنه يبدي بعضاً من الحذر حيال اتمامه انطلاقاً من أن المعركة الراهنة تكمن في تحديد مَن سيكون صاحب الانتصار في جلب الاتفاق، فيما إسرائيل حذرة من أن يقطف «حزب الله» هذا الانتصار، فيشجع حركة «حماس» على أن تلعب اللعبة ذاتها في ما خص حقول الغاز في بحر غزة. وهنا نص الحوار:
○ ثمَّة مَن يعتقد أن بكركي تواجه راهناً حصاراً سياسياً، برأيك هل هذا الشعور حقيقي ولا سيما أنك من المتابعين للشأنين الكنسي والوطني؟
• هذا الكلام صحيح. هناك حصار على بكركي، والسبب أن بكركي اليوم هي مَن تُدافع عن الكيان اللبناني، الكيان الذي تأسس منذ مئة وسنتين. وللمصادفة أن بكركي التي ساهمت بشكل كبير بتأسيس هذا الكيان، هي اليوم خط الدفاع الأول والأخير عنه، مقابل مشروع حزب الله ومحور إيران. فمن يستطيع مواجهة «حزب الله» عملياً؟ هناك أحزاب مثل القوات اللبنانية والكتائب وغيرها، لكن من يستطيع فعلاً؟ بكركي هي من تستطيع المواجهة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية بكركي تتعرض للحصار لأنها المرجعية الوطنية الوحيدة التي طرحت شيئاً جديداً منذ 4 أو 5 سنوات، ولم تكتفِ بالاعتراض أو بردة الفعل، إنما طرحت الحياد الإيجابي والمؤتمر الدولي. طرح الحياد ليس بجديد، وليست المرة الأولى التي يطرحه فيها البطريرك الماروني بشارة الراعي في 2019 إنما أيضاً بمذكرة صدرت في 9 شباط/فبراير 2014. وأنا لي الشرف أن أكون من المساهمين بهذه المذكرة الوطنية. فتعبير الحياد الإيجابي ذُكر في هذه المذكرة. نعم هناك حصار لبكركي لأن لديها طرحاً لا يُناسب المشروع الآخر في البلد، ولهذا السبب رأينا ردة فعل «حزب الله» في الماضي، وجاءت اليوم قضية توقيف راعي أبرشية حيفا والأراضي المقدسة والنائب البطريركي على القدس والأراضي الفلسطينية والمملكة الهاشمية بالطائفة المارونية المطران موسى الحاج على معبر الناقورة قادماً من الأراضي المقدسة في هذا الإطار، أي إطار الضغط على بكركي، وتطويقها أكثر فأكثر.
○ مما تسرَّب من معلومات نفهم أن قضية المطران الحاج لم تكن المحاولة الأولى للضغط على بكركي وما قرار قاضي التحقيق العسكري فادي صوان بأن ليس هناك من صلاحية للمحكمة العسكرية للبت بهذا الأمر، إلا للتأكيد على أن الموضوع طُرح سابقاً في أيار/مايو الماضي؟
• هذا يؤكد ما أقوله. أحد الإعلاميين، وهو قريب من مصادر القرار من أجهزة المخابرات، نشر عبر «تويتر» بأنه يجري تركيب ملف لرجل دين، وقال لهم عيب أن تلعبوا هذه اللعبة. والقاضي فادي صوان قام في أيار/مايو 2022 بدراسته وقال لهم إن هذا ليس من صلاحيات المحكمة العسكرية، وبالتالي لا يمكنها أن تتدخل، لكن تفاجأنا بما حدث حالياً. سلَف المطران موسى الحاج، أي أيام المطران بولس صياح، كان على مدى 15 عاماً ينقل مساعدات من اللبنانيين الذين هناك أو من الفلسطينيين أو من الدروز ولم يكن أحد يعترضه، وكان يمر على الناقورة كل شهر تقريباً حتى يشارك في مجلس المطارنة، فلماذا اليوم تُثار هذه المسألة؟ مع العلم أن مرحلة المطران صياح جاءت في وقت كانت فيه مسألة الذين تركوا الجنوب إلى إسرائيل حامية جداً، وأدت إلى شرخ كبير في البلد، ورغم ذلك كان المطران صياح يحمل مساعدات منهم لأهلهم وعيالهم أو العكس، ولم يكن هناك اعتراض حتى في زمن السوريين.
○ باعتقادك إلى أي مدى نجح مفعول هذه الرسالة؟
•○ من أراد إيصال الرسالة كان يتوقع من بكركي أن تُليِّن موقفها، ولكنهم فوجئوا بردة فعل البطريركية المارونية منذ ليلة توقيف المطران الحاج عندما اجتمع مجمع الأساقفة المصغّر وأصدر البيان. نحن نعرف بكركي ونعرف مواقف البطريرك، ولكننا فوجئنا بقساوة البيان. بقساوة البيان سقطت الرسالة.
○ لنتكلم بصراحة، هل تعتقد أن المحرِّك هو «حزب الله» أم «التيار الوطني الحر» بمباركة «حزب الله»؟
• صراحة لا معلومات دقيقة لدي، ولكن أعتقد أن الطرفين – «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» – مستفيدان، أولاً «حزب الله» منزعج من مواقف البطريرك منذ نحو 10 سنوات عندما صدر بيان مجلس المطارنة في العام 2012 أو 2013 الذي جاء فيه تعبير أن أي سلاح غير شرعي يستجلب سلاحاً غير شرعي، وبالتالي نرفض أي سلاح غير شرعي، وذكر التعبير نفسه في خطاب له في «كازينو لبنان» بحضور الرئيس ميشال عون. منذ ذلك الحين «حزب الله» منزعج من خطاب البطريرك الراعي إضافة إلى مواقفه الأخيرة منذ 3 سنوات إلى اليوم من خلال دعمه للحراك المدني والثورة وبتشديده على مسألة السلاح غير الشرعي وبطرحه مسألة الحياد. أيضاً «الحزب» انزعج من مواقف البطريرك منذ تفجير المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020 وإصراره على متابعة التحقيق والدفاع عن قاضي التحقيق في هذا الملف. هذا من جهة، ومن جهة أخرى «التيار الوطني الحر» وأطراف أخرى مرشحة للرئاسة انزعجت مما طرحه البطريرك من مواصفات للرئيس العتيد منذ نحو أسبوعين، عندما تكلم عن رئيس حيادي لا ينتمي إلى أي طرف. هنا انزعج «التيار الوطني الحر» إضافة إلى أن هناك انزعاجاً من موقف بكركي الذي يرى أن هذا العهد أوصل البلاد إلى الدمار الشامل.
○ اليوم البطريرك يدعو إلى رئيس مستقل لا ينتمي إلى أي من المحاور، لكن في الاستحقاق الماضي الصفات التي وضعها البطريرك حتّمت أيضاً على الشركاء الالتزام بلائحة الأربعة والتي وُلدت من رحم نظرية «الرئيس القوي» رغم قناعة الكثر من الشركاء المسلمين أن هذه اللائحة أغلقت الباب وأوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم؟
• أنا لست في موقع الدفاع عن بكركي، ولكن ما فهمته من أحد الأساقفة لدى النقاش معه في نظرية «الرئيس القوي» أنه أُسيء فهم هذه المقولة. بكركي اعتبرت أنها تريد رئيساً قوياً بإجماع اللبنانيين عليه، وهذا كلام المطران وليس من عندي. بالنسبة لبكركي، مبدأ «الرئيس القوي» هو أن يُجمع عليه اللبنانيون، وليس أن يكون طرفاً قوياً، كان هناك فهم خاطئ لمسألة «الرئيس القوي» والبرهان على ذلك أنه أتى رئيس اعتبر نفسه قوياً لكننا نرى إلى أين انتهى عهده؟
كانت لدى الرئيس عون فرصة نادرة لم تتوفر أمام أي رئيس آخر، إجماع خصومه عليه كان أكثر من إجماع حلفائه. نبيه بري لم يكن يريده، ووليد جنبلاط كان متشائماً من هذا الترشيح. وبالتالي الذين أجمعوا على ترشيح ميشال عون هم خصومه ومنهم سمير جعجع وسعد الحريري الذي قال ميشال عون أنه حجز له (One way ticket) ولكن للأسف هذا الرئيس الذي كان قادراً على أن يكون قوياً بإجماع اللبنانيين عليه، بحسب مفهوم بكركي للرئيس القوي، فشل فشلاً ذريعاً لأن هذا المفهوم لا ينطبق على شخصية عون الاستفزازية. ميشال عون لم يكن قوياً بإجماع اللبنانيين عليه، في الوقت الذي كان قادراً على أن يحصل على هذا الإجماع.
○ نحن على بُعد أشهر قليلة من استحقاق رئاسة الجمهورية، البعض يريد له أن يكون مناسبة أو مدخلاً لإمكانية الخروج من المأزق أو إمكانية استعادة التوازن… برأيك هل الظروف الدولية والإقليمية والداخلية، ومنها جهود بكركي، مؤاتية لنشهد مرحلة جديدة كما حصل في العام 2005 ولإعادة تصويب البوصلة؟
• لا، نحن لسنا في مرحلة تشبه مرحلة الـ2005 حتى إننا في مرحلة ضبابية حيال كيفية تعامل القوى الإقليمية والدولية مع لبنان، باستثناء ملف ترسيم الحدود الجنوبية مع إسرائيل. لذلك هناك علامة استفهام كبيرة حول انتخابات الرئاسة، هل ستجري في موعدها أم لا، وما ستكون عليه مواصفات الرئيس العتيد، بمعنى هل سيكون فعلاً رئيساً حيادياً أي وسطياً، ليس بالمعنى البطريركي للكلمة، إنما بمعنى ألا يكون محسوباً على فئة معينة، حتى لا تكون هناك غلبة لفئة على أخرى.
○ تعتبره توافقياً أم مستقلاً؟
• يجب أن يكون توافقياً، هذا الأمر غير واضح لأن اللبنانيين أنفسهم غير قادرين على أن يصلوا إلى الاستحقاق وإنجازه لوحدهم، إنما هم بحاجة لضغط خارجي، إقليمي ودولي، كما حصل تجاه الانتخابات النيابية، ولغاية الآن لا مؤشرات على ذلك. على المستوى الإقليمي المملكة العربية السعودية التي هي اليوم الأولى في العالم العربي ومعها مصر لا مؤشرات على أنهما ستضغطان لإجراء الاستحقاق الرئاسي بهذا الاتجاه، وأكيد لن تسمحا بتسليم البلد ست سنوات إضافية لـ«حزب الله» هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ليست هناك مؤشرات في ما خص فرنسا على أنها سوف تضغط باتجاه إنجاز الاستحقاق في موعده. هي لها مصالح استراتيجية وجيوسياسية في لبنان، وتتحرّك منذ بدء الانتفاضة وتفجير المرفأ وتحاول أن تحرِّك الملف اللبناني إيجاباً لصالح الاستقرار في البلد، إنما هي غير قادرة لوحدها على ذلك.
○ لكنَّ هناك رأياً آخر يُخالف هذه القراءة، وهو أن للفرنسيين مصالحهم مع إيران وينسّقون معها، ويفتحون خطاً على حزب الله، والمخاوف أن يكون لبنان جائزة ترضية، ولا سيما أن فرنسا أحبطت مفاعيل ثورة 17 تشرين؟
• هذا الكلام كان يصح قبل الموقف العربي، من المبادرة الكويتية إلى بيانات مجلس التعاون الخليجي وجولة ولي العهد السعودي الخليجية والقمم الفرنسية-السعودية. كان يصح قول ذلك قبل قمة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع دول الخليج ومصر والأردن والعراق الشهر الماضي؟
○ تعتبر أن هناك تحولاً أساسياً حيال لبنان، وآخر إرهاصاته في مؤتمر جدة؟
• المؤكد أن مؤتمر جدة كان أساسياً، ولكن هناك مواقف هيَّأت له. الموقف العربي الذي تظهَّر: «نحن نرفض أن يكون العالم العربي ساحة، وأن يتم تجاوز المصالح العربية» وما إلى هنالك، وأثبتها العرب في مسألة الحرب على أوكرانيا بعدم تلبية الطلب الأمريكي بزيادة إنتاج النفط والغاز. هذا الموقف العربي هو الذي أخَّر الاتفاق النووي الإيراني الذي كان يُحتمل أن يتمَّ بعد الحرب على أوكرانيا بأسابيع قليلة.
○ ولكن ألم تكن الحرب على أوكرانيا سبباً من أسباب عدم إنجاز الاتفاق؟
• الموقف العربي هو الموقف الذي كان قوياً وثابتاً بإصرار السعودية على الحفاظ على اتفاق «أوبك بلس» والذي جعل الأوروبيين والأمريكيين يتريثون في الاتفاق النووي. إيران كان موقفها رمادياً من مسألة الحرب على أوكرانيا، واعتقدت أنها هذا الموقف الرمادي المحايد يمكن أن يساعدها للوصول الى الاتفاق النووي للدخول إلى المجتمع الدولي لتنتج الغاز. ولكن هذه الخطة فشلت.
فرنسا التي طرحت في مؤتمر «سان كلو» موضوع «المثالثة» وحملته إلى طهران تُدرك اليوم أنها غير قادرة على السير بهذه الإستراتيجية. الطرح اختلف في العالم العربي وسمع ماكرون ذلك بوضوح. فرنسا ليست قادرة على أن تستمر بذات السياسة الاحتوائية لإيران و«حزب الله» كما كانت من قبل.
○ تعتبر أن الاستحقاق الرئاسي لا حاضنة إقليمية ودولية قادرة على إنجازه، في حال لم تكن هناك إمكانية لرئيس توافقي، هل يذهب «حزب الله» إلى فرض رئيس أم يعتمد سيناريو الفراغ؟
• أرى أننا سنصل إلى فراغ. لأن «حزب الله» بفائض قوته لا يمكنه فرض ثلثي الحضور في مجلس النواب (86 نائباً من أصل 128) بقوة السلاح وانتخاب مرشح حليف له. من جهة ثانية، «حزب الله» لديه مشروع تغيير هذا الكيان والنظام والدستور. وبالتالي، فإن انهيار هذه الدولة هي من صالحه لإجبار الجميع على الجلوس إلى الطاولة وإعادة صياغة هذا البلد، بحيث يكون هو الطرف الأقوى، على المستوى المحلي والإقليمي.. هذا مشروعه، فهل سيتمكن من ذلك أم لا؟ هذه مسألة أخرى. «حزب الله» ليس مستعجلاً على إتمام الاستحقاق الرئاسي.
○ إذا كانت المرحلة الإقليمية ذاهبة إلى تصادم، كيف سيكون التصعيد؟
• أستبعد أن يذهب «حزب الله» إلى حرب مع إسرائيل، والاثنان لا يريدانها. إنما أنا متخوِّف من لعبة المسيَّرات التي يستخدمها منذ شهر، وهي لعبة خطرة يمكن أن تؤدي الى تصادم عسكري. «الحزب» ما عاد قادراً على التصعيد في الخارج. المحور الإيراني في المنطقة وصل إلى أوج قوته وبدأ بالتراجع، وهذا ما أظهرته الانتخابات النيابية في العراق في تشرين الأول/أكتوبر الماضي وما تؤكده مجريات التطورات اليوم على الأرض بين الحالة الشعبية لمقتدى الصدر في مقابل حالة الإطار التنسيقي برئاسة نوري المالكي المتحالف مع إيران. إيران هي طرف قوي في العراق ولكنها ليست الطرف الأقوى، هناك حالة تبدُّل في الشارع العراقي ضد إيران وليس لصالحها.
وثانياً، أظهرت الانتخابات النيابية في لبنان أن الأغلبية ليست في يد «حزب الله» رغم أن المعارضة لم تتوحّد. ورغم أن كل المؤشرات واستطلاعات الرأي والمحللين، وأنا منهم، كانوا يقولون إن «الحزب» سيحصل على الأغلبية، تبيَّن أن الأرض والشارع في مكان آخر وتغيَّر مزاجهما. هذان البلدان (العراق ولبنان) مؤشران مهمّان بالنسبة لإيران. العراق على حدودها ولبنان هو أكبر ورقة لها على شرق المتوسط. هناك تبدُّل في المزاج الشعبي لغير مصلحة إيران. هذا عدا عن أن لا أحد يدخل في حرب وشعبه غير قادر على تأمين قوته، إلا إذا كان «نيرون».
○ ليس بالضرورة أن تكون الحسابات مبنية على قراءة منطقية واقعية. قد يذهبون إلى قلب الطاولة أو الانتحار حتى ولو كانت الكلفة كبيرة؟
• الوضع الجيوسياسي يختلف اليوم. كان لدى إيران أصدقاء، حتى في حرب تموز/يوليو 2006 جاءت دول الخليج، قطر والسعودية، وساهمتا بقوة في إعادة الإعمار. كانت هناك حالة شعبية مغايرة. في شهر رمضان بعد الحرب، كان التمرُ الأجود والأغلى ثمناً في مصر يُسمّى بـ«تمر السيد حسن نصر الله». اليوم تبدَّل الواقع الجيو-سياسي كلياً في العالم العربي والمنطقة. حتى إن الوضع الجيو-سياسي لإيران منهار. فإيران تعيش أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة وفقر وبطالة وانهيار عملة شبيهة بما يعيشه اللبنانيون. إيران لن تدخل الحرب لكن هل هي قادرة على تمويلها؟
○ هل سيكون هناك اتفاق على ترسيم الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل، بحيث يربح لبنان الفرصة لاتفاقية تدخلنا نادي الدول المنتجة للنفط أم سنخسرها كلياً؟
• برأيي أنه سنصل إلى اتفاق لأن الوسيط الأمريكي يريدنا أن نصل إلى هذا الاتفاق، ولأن الإسرائيلي يريد أن يُنتج في الأول من أيلول/سبتمبر. السؤال هو: هل تنزلق الأمور أو تخرج عن السيطرة؟ الطرفان، إسرائيل و«حزب الله» أعلنا أنهما لا يريدان حرباً، ولكن هل تخرج عن السيطرة بلحظة من اللحظات، خصوصاً أن إسرائيل على أبواب انتخابات، والإسرائيليون يستخدمون الحرب في مثل هذه الاستحقاقات.
○ هل تطورات غزة يمكن أن تقود إلى حرب متدحرجة أم أنها ستكون مضبوطة؟
• لا أعتقد أن المعارك في قطاع غزة سوف تتدحرج إلى حرب شاملة. أعتقد أنها ستكون حرباً مضبوطة على خلفية اغتيال القيادي العسكري في حركة الجهاد الإسلامي تيسير الجعبري. لا إمكانية لحرب طويلة في غزة، فالقطاع لا يتحمل مثل هذه الحرب، وإسرائيل لا تتحمل الرأي العام الإقليمي والدولي تجاه حرب طويلة.
○ بالعودة إلى ملف الترسيم وارتباطه بتأمين بدائل عن الغاز الروسي، ثمة من يرى أن إيران وتالياً «حزب الله» قد لا يستطيعان أن يُغرّدا بعيداً عن روسيا في هذه المسألة؟
• لا أعتقد أن روسيا قادرة على أن تقف بوجه إسرائيل وتمنعها من إنتاج الغاز وتصديره. الطرفان يحتاجان لبعضهما البعض. ومستوى التنسيق قوي جداً بغض النظر عمن هناك في الإدارة الإسرائيلية، حتى ولو لم يكن بنيامين نتنياهو. مسألة الترسيم قد لا يكون لها كل تلك الأبعاد الإقليمية والدولية. برأيي، هناك طرفان من مصلحتهما الوصول إلى الاتفاق لأنهما يريدان أن يُنتجا. إسرائيل تريد أن تُنتج، والمصلحة الإسرائيلية تتلاقى مع المصالح الأوروبية التي تحتاج للغاز قبل فصل الشتاء. ومن جهة ثانية، يأمل لبنان أن يُنتج على أمل أن يستطيع بعد سنوات أربع أو خمس أن يحل أزمته الاقتصادية.
من هنا الاعتقاد أننا سنصل إلى اتفاق. أصلاً، دخول «حزب الله» على الخط بقوة سببه أننا اقتربنا من اتفاق. المسألة اليوم في لبنان هي مَن سيكون صاحب الانتصار في الاتفاق، بمعنى مَن جلب الاتفاق: «قانا مقابل كاريش». لذا السؤال اليوم هو: هل ستعطي إسرائيل الانتصار إلى «حزب الله»؟ هذا ما يدفعني إلى الحذر من أن يتأخر الاتفاق، لأن الانتصار اليوم سيظهر لـ«حزب الله» وليس للسلطة السياسية التي كانت تفاوض في قصر بعبدا مع الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين. هناك في إسرائيل رأي يقول بأنه لا يجب أن نذهب إلى اتفاق تحت ضغط «المسيَّرات» أو الفيديوهات»، كي لا نعطي انتصاراً لـ«حزب الله» وكي لا نشجع حركة «حماس» على أن تلعب اللعبة ذاتها في ما خص حقول الغاز في بحر غزة.
○ البطريرك الراعي جدَّد المطالبة بتحقيق دولي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، هل هو صوت في واد ومن قبيل رفع العتب؟
• مع الأسف هو كذلك. في ثاني يوم الانفجار، ومع مجيء ماكرون إلى لبنان، قالوا لنا لن نذهب معكم إلى تحقيق دولي.
○ ما الذي منع أن يكون هناك تحقيق دولي؟
• هناك منظومة في لبنان ارتكبت هذه الجريمة، من رئيس جمهورية مُتهم إلى رئيس حكومة، كان آنذاك حسان دياب متهم أيضاَ وهرب من التحقيق، والاثنان مغطيان من «حزب الله». يوم اغتيل رفيق الحريري، كان الوضع يختلف، ورغم ذلك خاضت حكومة فؤاد السنيورة معارك ضارية.
○ دُفعت أثمانٌ باهظةٌ وسقط شهداء من قيادات «14 آذار» ولكن كانت هناك مواءمة دولية للحضور الداخلي. هذا غير متوفر اليوم…
• لم تكن هناك رغبة دولية في الذهاب بعيداً إلى تحقيق دولي. ولكن عندما حصلت تلك الحالة الشعبية في «14 آذار» فرضت نفسها على المشهد. انتفاضة «17 تشرين 2019» لم تُثبت حالها ولا فرض الانفجار حالة جديدة. كما أن المطالبة بتحقيق دولي يحتاج قانونياً الى طلب من حكومة ومجلس نواب. وهذه المنظومة كلها متهمة. تفعل ما تفعل لإلغائه. سقوط جزء من الاهراءات ليس عفوياً. هناك رغبة في إزالة آثار الجريمة للتاريخ.