أمام أهوال الحرب التي يعيشها قطاع غزة منذ نحو عام مشبع بالدم والقتل والبارود يبدو أن هناك المزيد من الألم والوجع، وتحديدا إذا ما ركزنا النظر صوب الجهات والفئات الأقل حظا والأكثر هشاشة وتحديدا أصحاب الاحتياجات الخاصة. وهو الأمر الذي يفرض مزيدا من العمل والنقد والاهتمام.
في هذا السياق، يظهر انفوغراف حول أوضاع الأشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة خلال الحرب وهو نتاج مسح نفذته جمعية نجوم الأمل لتمكين النساء من الاحتياجات الخاصة ومرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية يظهر أن 57 في المئة من أصحاب الاحتياجات الخاصة تفاقمت مشاكلهم بسبب الحرب، وأن 52 في المئة منهم غير قادرين على الوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية، و51 في المئة منهم تعرضوا لانتهاكات في أماكن النزوح، وأن 42 في المئة منهم غير قادرين على الإخلاء بسبب صحتهم.
وفي هذا الحوار مع فراس جابر، الباحث والمؤسس في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية يركز على واقع أصحاب الاحتياجات الخاصة في ظل حرب الإبادة، ويتحدث عن العيوب الجوهرية في تصميم البرامج الإغاثية، حيث تقوم على أساس يظلم الفئة الأضعف.
وعبر جهد ممتد ومتخصص سعى المرصد إلى توجيه رسائل للسلطة الفلسطينية، وللمؤسسات الدولية، والأونروا، ركزت على الأثمان التي يدفعها الأشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة نتاج حرب الإبادة من ناحية، وما المطلوب فعله من طرفهم، أيضاً في ظل تدمير الاحتلال كامل المؤسسات التي تقدم لهم الخدمات الأساسية.
ويرى جابر أن المؤسسات الدولية غير راغبة أو عاجزة، رغم مُضي عام على العدوان، عن تصميم برامج ومخططات ذكية تستهدف أصحاب الاحتياجات الخاصة، وفيما يلي نص الحوار:
○ ما الذي يجعلكم تبدون هذا الاهتمام الخاص بملف أصحاب الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة في ظل العدوان الذي شارف على العام؟
• جزء من توجهاتنا الاستراتيجية له علاقة بالحماية الاجتماعية، وتحت ملف الحماية الاجتماعية بقليل ملف العنف، وتحت ملف العنف بقليل أيضا موضوع النساء من الاحتياجات الخاصة، نحن على مدار سنوات طويلة طورنا منهجيات وأدوات بحثية، وبحوث ودراسات، تعالج القضايا التي تتعلق بالحماية الاجتماعية، والحماية من العنف الذي يسبب الإعاقة، وهذه الفئة من الفئات الأقل حظاً بالتعبير عنها في واقع المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وما ينتج عنهم من معرفة، أو حتى من اهتمامات وبرامج، في قضايا النساء هناك مؤسسات نسوية تدافع عنها، في قضايا الطفل هناك مؤسسات الطفولة، أصحاب الاحتياجات الخاصة كانوا من الفئات الأقل حظاً في الاهتمام، وكذلك نحن في فترة العمل على الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي 2016 كواحدة من القطاعات التي نجحنا في تنشيطها وتفعيلها، هي قطاع أصحاب الاحتياجات الخاصة، سواء كان على مستوى حركة أو على مستوى مؤسسات، وبيننا شراكة استراتيجية مع مجموعة من المؤسسات لأصحاب الاحتياجات الخاصة تحديدا جمعية نجوم الأمل، حول ملف أصحاب الاحتياجات الخاصة.
بالحروب السابقة، على الأقل في الحربين السابقتين، طورنا العمل الميداني في قطاع غزة، وتحديدا فترة الحرب حول موضوع مجموع الانتهاكات والاحتياجات التي يطلبها أصحاب الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة نتاج الحرب، بما فيه موضوع عنف الاحتلال، سواء كان التدمير أو القتل أو الإصابات أو التسبب بإعاقات جديدة.
جزء من الذي ننتجه هو محاولة باتجاهين، الأول: تسليط الضوء على معاناة أصحاب الاحتياجات الخاصة، بصفتهم أصحاب صوت منخفض، وتعزيز اهتمام المسؤولين بالاستماع إليهم أيضا في ظل أنهم فئة غير مسموعة بالنسبة لهم، والثاني: مرتبط بما لهم من احتياجات ومتطلبات خاصة. واحدة من القضايا التي وثقناها، مثلاً، أنت في عمارة وتريد الهروب، يكون هناك صاروخ تحذيري أو صاروخ بجانب المنزل فتسمعه، تخيل هناك شخص عنده إعاقة سمعية، أو لا يوجد كهرباء وهو موجود في الطابق الرابع أو العاشر، أو عنده إعاقة بصرية ويركض بالشارع، هذا يعني أن حياتهم بالكامل معرضة، هؤلاء الأكثر تعرضا للخطر، للقتل والعنف من الاحتلال، وأيضا الخطر عليهم وعلى من يرعاهم، سواء أم أو أب أو أخ أو غيرهم، فهم مرتبطون بهم، وبالتالي موضوع تقديم الرعاية هنا يكون لهم ولمن يرعاهم أيضا.
○ أنتجتم مؤخرا فيلما توثيقيا يطرح جانبا من معاناة المعاقين في ظل الحرب والعدوان تداعيات الظروف الإنسانية عليهم؟
• نعم صحيح، وثقنا منذ فترة قريبة في فيلم خصوصية المعاقين في ظل الحرب، مثلا شخص يعاني من إعاقة حركية، ويريد الذهاب إلى طابور دورة المياه أو طابور المياه، يحتاج إلى ساعات وهو يعاني من الإعاقة الحركية ولا يستطيع الانتظار، وهذا يعني أن المؤسسات الدولية العاملة هناك لم تهتم بهذا الملف، وبتفاصيل الفئات الأكثر حرماناً وفقراً وتهميشاً، مثل الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة.
كل هذه القضايا كانت مدخلا للنظر إلى البرامج الإغاثية والإنسانية المقدمة خلال الحرب من زاوية الأقل حظاً، والأكثر ضعفاً، إذا نظرت إلى أشخاص في وضع أقوى، تجد أنه كل ما كانت الفئة أكثر ضعفاً يكون الخلل أو العيب في البرامج المقدمة أوضح، موضوع مدى موائمة الملاجئ، مثلاً ملاجئ الأونروا معظمها غير موائمة، الأماكن التي يتم فيها توزيع المياه والغذاء أيضا، هذا يعني أن الذين يعانون من مشكلة حركية إما أن يذهبوا للطابق الأول، أو هناك صعوبة لتوصيل الاحتياجات لهم، بسبب الضغط والتنافس والازدحام.
لقد حاولنا من خلال هذا التحليل أن نوجه رسائل للسلطة، وللمؤسسات الدولية، والأونروا، ومؤسسات غير دولية أيضاً، على موضوع الأثمان التي يدفعوها الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة نتاج حرب الإبادة من ناحية، وما المطلوب فعله من طرفهم، أيضاً.
أرى أن العيوب الجوهرية في التصميم، فتصميم برامج التدخلات في حالات الطوارئ يظلم الفئة الأضعف، الأشخاص المصابين، أصحاب الاحتياجات الخاصة، كبار السن، إنها الفئات الأكثر ضعفاً.
○ ما الذي وجدتموه من خلال أبحاثكم؟ هل البرامج المطبقة في غزة فعلاً مبنية بطريقة تراعي هذه الفئات الأقل حظا؟ وأين الخلل الذي اكتشفتموه خلال الأبحاث على مدار عام؟
• بحكم انهيار العمل الحكومي، لا بد من التأكيد أن ما كان يقدم لهؤلاء كان قليلا جدا، والقليل الذي يقدم لهم في القطاع ذهب، لقد كان يعول على مؤسسات العمل الأهلي، مؤسسات التأهيل والإعاقة، وهو قطاع قوي نسبياً في القطاع، ولكن للأسف هذا القطاع أيضاً تدمر وتم تهجيره من الاحتلال. الكثير من الصور انتشرت للعديد من المقرات والجمعيات المدمرة والمهجرة، على سبيل المثال، مستشفى حمد للأطراف الاصطناعية، مركز الأطراف الاصطناعية، مبناهم أيضا دمر، كان يقدم علاجات تأهيل طبيعي، وأطرافا اصطناعية، ومراكز التأهيل في المستشفيات كلها تدمرت. المؤسسات الدولية بدورها، الأونروا الأكبر حجماً، لم يكن لديها أي تصميم ذكي يستهدف الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة، وجهنا لهم أكثر من مراسلة وخطاب حول إعادة النظر في برامجهم، بما في ذلك الملاجئ الآمنة، بما فيها موضوع المساعدات العينية والطرود حتى تكون مناسبة للأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة، أيضا الموضوع اللوجستي، من الوقوف في الدور والتوزيع، ووجود دورات مياه موائمة، فدورات المياه المشتركة لن تكون نظيفة كفاية للذهاب إليها، وغيرها من الأمور. نجحنا في بعض الضغوط، بأن نأخذ بعض المساعدات ونقوم نحن بتوزيعها، ولكن بنفس الوقت لم يتغير حجم البرامج، وهذا يدل أن المؤسسات الدولية بين غير راغبة وعاجزة رغم مُضي وقت طويل. سنة فترة كافية بأن تخترع العجب، بأن تعيد تصميم برنامجك، بمخططات ذكية، وبتعديل طرق توزيع المساعدات والطرود، يجب أن تعطي نسبة للأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة، بحيث يكون لهم نسبتهم، تنشئ لهم ملاجئ موائمة، وغير ذلك، لكن في النتيجة، هذا لم يحدث.
كان من أهدافنا أن نوصل أصواتهم، وحاولنا قدر الإمكان تصوير مقابلات معهم، ومنها كانت مباشرة، لتوصيل أصواتهم.
○ ماذا عن موضوع حجم الاحتياجات الخاصة، هناك مؤشرات تدلل على أن الاحتلال وضمن خططه مضاعفة أعدادهم؟
• هذا موضوع برز في الورقة البحثية الأخيرة، الاحتلال بالإضافة إلى كل الجرائم التي يرتكبها، يتعمد أن يتسبب بالإعاقات، وهذا ما شاهدناه في مسيرات العودة قبل سنوات. في موضوع الأطراف والبتر، وخصوصاً الأطراف السفلية أي الأرجل، وفي نوع القنابل التي يستخدمها الاحتلال، فحتى لو كان الشخص بعيدا عن مكان سقوط القذيفة فإنها تصيبه شظية، وتسبب له بترا للأطراف، وهذا يعني تسبب إعاقات للأطفال والشباب والنساء، يكون لها تكاليف حالية ومستقبلية باهظة جداً عليهم وعلى عائلتهم وعلى المجتمع. أنهم يخلقون مجتمعا بآثار دائمة من الحرب، كما أنهم يخلقون حالة نفسية للأشخاص الذين أصبحوا معاقين، فهم ينظرون لأنفسهم على أنهم نُدب داخل المجتمع.
○ هذا في الأصل كان موجودا قبل الحرب، بفعل المواجهات العسكرية قبل 4 حروب أو أكثر، تركت أرقاما كبيرة من أصحاب الاحتياجات الخاصة، ما الأرقام المحدثة؟
• الآن الأرقام أعلى بكثير عما كانت عليه قبل الحرب، أعتقد أنه كان هناك حوالي 80 ألف شخص من أصحاب الاحتياجات الخاصة، والأرقام تختلف على حسب التصنيف، فإذا أخذت التعريف الموسع، فأنت تتكلم تقريبا عن نسبة 5 في المئة من الأشخاص أصحاب احتياجات خاصة في قطاع غزة، في آخر حرب هناك تقريباً حسب التقديرات من 10 إلى 15 ألف شخص أصحاب احتياجات خاصة جديد، النظر للإعاقة يتطور حسب معايير كثيرة من ضمنها: العمر، مثلا شخص كبير بالعمر يصبح عنده إعاقة نتاج العمر، أو جينيا، شخص يولد بإعاقة، هذه نسميها إعاقة طبيعية، وهناك إعاقة غير طبيعية نتاج الحروب، وهذه تستهدف جيلا أصغر، الجيل الذي يتعلم وينتج ويعمل ويدرس، فهذا الجيل عُطِل، وعطل بأرقام كبيرة جدا، ويفرض تكاليف هائلة جداً اقتصادية واجتماعية ومالية نتاج هذا، كما أنه لا توجد منظومة حماية اجتماعية واسعة حتى تؤهل وتعلم وتشغل الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة في ظل نسب البطالة العالية، قبل الحرب كانت النسبة هائلة، والآن تعتبر كبيرة جدا، من الصعب على الشخص السليم أن يعمل، فكيف سيكون الوضع بالنسبة للأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة؟ عندما اجتمع مع زملائي وزميلاتي في قطاع غزة، الطريق الذي كان يحتاج 10 دقائق، الآن يحتاج إلى 3 ساعات لقطعه، فالشخص بدون إعاقة يعاني في الذهاب إلى أي مكان، فكيف بالنسبة للشخص الذي لا يمتلك أي وسيلة مساعدة ويعاني من بتر، كيف سينجز مهامه وأمور حياته؟
○ هناك سؤالان، الأول: كيف تبنون علاقات وتتواصلون مع العاملين هناك، فمن المؤكد هناك تحديات وصعوبات، وربما يوجد أشخاص في فريق عملكم من أصحاب الاحتياجات الخاصة، والسؤال الثاني: عندما يصبح الموت سهلا واحتماليته عالية جداً، الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة حساسين جداً، ومن المحتمل بأن يتم النظر إليهم بأنهم عالة على الأشخاص الأصحاء المحيطين حولهم، حدثنا حول ذلك؟
• في قطاع غزة لدينا زملاء وزميلات نتعامل معهم، إضافة إلى فرق من المنسقات الميدانيات من ذوات الاحتياجات الخاصة يعملن في مكتبنا، بالشراكة مع جمعية نجوم الأمل لأنهم شركاؤنا، وفي المكتب هناك طاقم من المنسقات، المنسقات هو مسمى لفتيات ذوات الاحتياجات الخاصة عملن في تدريبات، وفي البحوث والمسوح أيضا، كجزء من تشغيلهن، من خلال الحرب نزحوا وأصبحوا غير قادرين على تدبير أمور حياتهم، في حكم ظروفهم وأوضاعهم، فأصبحوا عاجزين عن العمل، فاضطررنا أن نبحث عن فتيات وشبان آخرين ندربهم للعمل، لدينا نظام مسح، مسح للأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة، ومسح للأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة من 18 فأعلى، نساء وذكور، إضافة إلى بعض الأوراق الأخرى.
نقطة ثانية، جزء من مشكلة الاحتياجات الخاصة أنها تترك وصمة، تخلق الشعور بالذنب، ليس فقط بفعل كيف ينظر الأشخاص إليهم، بل هم كيف ينظرون لأنفسهم، «أنا مغلب عيلتي، أنا مكلف عيلتي، أنا كذا» بعض الإعاقات لها آثار نفسية، مثلا السمعية، البطارية لجهاز السمع مكلفة جداً تصل إلى 500 شيقل، إذا نفدت بطارية الجهاز، تتسبب بآثار نفسية وعصبية نتيجة عدم السمع، والحل بسيط، الحل بطارية، في موضوع السماعات، قدمنا موضوع الاضطرابات النفسية في إحدى الأوراق التي قدمناها، أؤكد لك حجم المشاكل النفسية هائل جدا جدا، مسحت سنوات طويلة من العمل والتأهيل، وتحتاج إلى سنوات طويلة في المستقبل للعلاج، فالحساسية هائلة جدا.
في الحرب، ملاجئ ضيقة، بدون خصوصية، بدون احترام، بدون أي متطلبات، فقط أن يعيشوا أي حياة مقابل تأمين بعض الغذاء لهم، وهذا يخلق انتكاسة كبيرة جدا، لم ندخل في الجانب النفسي، إلا أن هناك عددا كبيرا من الإصابات هي إعاقات نفسية، بعض الأرقام كان فيها مبالغة في موضوع الاكتئاب، الاكتئاب ليست هي الصفة الأفضل، لأن بعض المفاهيم التي تستخدم في الغرب غير مناسبة للاستخدام في مجتمعنا، وهذا كنقاش قدمناه سابقاً، فمثلا، اضطراب ما بعد الصدمة معروف في العالم، بأن الشخص الذي يذهب ليحارب، أو يكون في حرب، أو في ظروف أخرى مشابهة لظروف الحرب، ينتج عنه اضطراب ما بعد الصدمة، التي تتمثل في أعراضه، فكيف بالنسبة لمجتمع هو دائماً تحت الصدمة، فكلمة ما بعد لا تصلح، واضطراب الصدمة هو مستمر.
عملت مع مجموعة على موضوع تخفيف اضطراب ما بعد الصدمة، وبعدها بيومين جاء صاروخ وحطم المكان، أين الجدوى؟ القصد هنا أنه حتى تدخلات المؤسسات الأجنبية والدولية ما زالت في طياتها تحت المفاهيم الاستعمارية، الاستعمار طور هذه المفاهيم بسياقاته التي لا تناسب السياق الفلسطيني، ومجتمع تحت الاستعمار، هي تناسب سياقات الاستعمار، وبالتالي هي مؤذية، وهذا دفعنا للتفكير مع آخرين في المراجعات لبعض المفاهيم التي يجب أن نشتغل عليها.
○ سؤالي حول الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة ما أبرز العوامل التي تجعلهم يصبرون ويتماسكون في ضوء ما تكلمنا عنه، ما هي أبرز مقومات الصمود لهذه الفئة الأكثر هشاشة؟
• هذا مدخل للحديث عن مدخلي أو مفهومي الصمود والنجاة، مفهوم الصمود حالة أكثر تطورا من النجاة، فالأخيرة تكون عندما تتجرد من كل شيء، ممتلكاتك وإطارك الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، الشوارع والكهرباء والمياه، وبقيت أنت مزروعا تحت الأرض تحاول النجاة، وهذه على الأقل تختبر إنسانيتك، وهنا أتكلم عن الأشخاص بشكل عام، لأنهم مضطرون لعيش حياة لا يوجد فيها احترام للكرامة الإنسانية، كما ذكرت في موضوع دورات المياه وموضوع الطوابير وإنهاك البنية التحتية، نتاج التجويع المقصود من قبل الاحتلال، بهدف إنهاء كامل المجتمع.
أما الصمود فيكون عندما يكون لديك بعض المقومات لكن مع ظروف صعبة، إنها مناسبة في حالة الضفة الغربية. في موضوع الصمود والخسائر المترتبة على هذه الحالة، فأنت تعيش في ظل خسارتك للكرامة الإنسانية ولقيمتك ونظرتك واحترامك لذاتك، أما في موضوع الإعاقة، تكون المهمة أن يتقبل الشخص إعاقته، تقبل الشخص لقيمته كإنسان كامل برغم الإعاقة، دوره كمنتج رغم الإعاقة، وهذه مفاهيم نحن نعمل على تعزيزها دائما، فجزء من الإعاقة ليست في المعاق، بل بالمجتمع نفسه، هل يقبلك أم يرفضك، هذه ليست مشكلة المعاق، فأنت إنسان كامل، ومن حقك الوصول لأي شيء على قدم ومواساة مع الآخرين، بغض النظر عن الآخرين، سواء كان كبير سن على عكازة أو طفلا على كرسي متحرك، الاثنين لديهم نفس الحق، الدخول إلى المشفى أو العيادة أو المكتبة أو الجامعة، الجميع من حقه أن يتلقى الخدمة التي يحتاجونها، في غزة كل ذلك سحق بشكل كامل.
تخيل مثلا أن هناك امرأة ذات احتياجات خاصة نزحت مع أطفالها، وزوجها مثلاً بقي في الشمال، وبالرغم من مشكلتها هي مسؤولة عن رعاية أطفالها وفي بيئة رملية صعبة. كيف يمكنها أن تعمل وهي تحتاج ثلاث ساعات للوقوف على طابور المياه، وساعتين على طابور دورة المياه، ليكون السؤال: عن أي وقت بقي من أجل العمل؟ هناك استنزاف للطاقة الأساسية للإنسان.
○ تحدثت في البداية عن تقصير بائن سببه المؤسسات الدولية، والتي هي أكبر جهة تقدم خدمات إنسانية في القطاع، إلى ماذا تعزو هذا التقصير الفاضح بحق الفئات الأقل حظا والأكثر هشاشة؟
• هناك عدم احترام من المؤسسات الدولية للجهات التي تقدم لها الدعم، بما في ذلك الأونروا، وهي الجهة التي تقدم الخدمات في مجتمع اللاجئين. لقد أصبحت سياسة الوكالة تخضع للسياسة الدولية.
فلسطينيا، يبدو وكأنه تم تدريبنا ألا نطالب بحقوقنا في مجتمع اللاجئين، لا نريد أن نضغط أكثر خوفا من أن نفقد الوكالة، أصبحنا مهووسين في فكرة الحفاظ على الوكالة، لدرجة عدم المس فيها، ولكن هناك فرقا بين النقد والمطالبة بالحقوق وبين نقدها بهدف شطب وجودها.
بالمجمل هناك تقصير وعدم احترام للاجئين الذين يتلقون الخدمات، وهناك تصميم غربي للمشاريع والخدمات جاهل ولا يحترم فكرة الصوت المحلي، ويأتي لينفذ فقط في إطار رؤيته الغربية، وهذه عنجهية غربية، إما لكونه يجهل الواقع أو بفعل استعماريته.
كل ذلك يستدعي إعادة النظر في علاقاتنا مع كل هذه المؤسسات، من زاوية: هل هم حلفاء أم هم أعداء؟ إذا كانوا أعداء فهم خارج التغطية وخارج العمل، أما إذا كانوا حلفاء، فيجب العمل على خلفية أرضية نحن نريدها ونحددها، هذه مبادئنا وحقوقنا وقضايانا، وعليهم الالتزام بها.
أهل غزة أدرى باحتياجاتهم ولست أنا من يحدد ذلك، هم يعرفون أكثر ما الذي ينفعهم من غيره، أنا علي تقديم المساعدة.
○ هل تم التفكير بإن يتم وضع فئات الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة داخل إطار تجمعات اللاجئين والمهجرين حتى يتم تسهيل تقديم الخدمة؟
• لم يتم التفكير في ذلك بشكل جذري، المدارس الحكومية في غزة هي الأكثر موائمة لهم، الناس ذهبت إليها منذ البداية، بحكم خبرة التجارب السابقة، هناك تصنيف للملاجئ، أ، ب، ج، الملاجئ هي المدارس، هناك ملاجئ من الخيم سواء رسمية أو غير رسمية، هي تحمل تصنيف «ج» و «د» فيما يخص الاحتياجات الخاصة، وهذه غالبا لا تصلها خدمات، وأوضاعها صعبة جدا. كما أن الملاجئ لا تستطيع أن تستوعب هذا العدد الهائل من الناس، بسبب حصر الناس في بقعة جغرافية صغيرة.
المؤكد أنه لم يكن هناك توجيه أو ترتيب أو طاقة توزيع ذكية تخص الأشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة أو غيرهم من المساعدات والمتطلبات، فمثلا بعض الإعاقات بحاجة إلى متطلبات غذائية خاصة، مثل الأشخاص المصابين بهشاشة عظام أو مصابين بالتلاسيميا وغيرها، هذا لا يجوز أن تعطيه أي نوع من الطعام، يحتاج إلى نوع طعام معين ومخصص، وهناك إعاقة تتفاقم بدون تأهيل وبدون علاج وبدون أدوية.
أيضا من الأولويات ملف الأدوية والمستشفيات الموجودة، فالمستشفيات الموجودة تحت خطر الانهيار، إضافة إلى حجم الإصابات الهائل جداً، في حالات البتر غير النظيف، كي تنقذ حياة الشخص تحتاج إلى بتر عضو، يسمى بتر غير نظيف وهو يكون غير جاهز لطرف اصطناعي، فأنت بحاجة إلى عملية أخرى لكي يتم تجهيز العضو للبتر النظيف..الخ، فأنت أمام حجم هائل من الملفات.
آخر مطالبنا في اجتماعنا مع وزارة التنمية أن يتم مراعاة أصحاب الاحتياجات الخاصة في القوائم للذهاب للعلاج خارج الوطن، لأنهم مصابون في نفس الوقت، فهم بحاجة ليس فقط لعلاج، هم بحاجة لمتطلبات غذائية معينة، مثلا الجريح يحتاج لعملية وبعدها يمكنه أن يأكل أي شيء، لكن أصحاب الاحتياجات الخاصة لا يستطيعون ذلك، هم بحاجة لمتطلبات أخرى، وهذا أيضا ما لا يتم مراعاته بموضوع الملاجئ، ولا بموضوع الأغذية ولا بموضوع المال ولا العلاج ولا التأهيل.
○ بحثيا، وخلال العام، قمتم بالعديد من الدراسات، ما هي الدراسة التي تفكرون بمنحها الأولوية في الفترة المقبلة؟
• الآن، هناك مسحين نعمل عليهما، الأول، حول الأطفال المصابين من أصحاب الاحتياجات الخاصة، نفذ منه مسوح على 545 طفلا على الأرض، ونريد رفع الرقم إلى حوالي 2000 طفل، ليتلقوا خدمات علاجية وتأهيلية وطرودا، هنا لا نتحدث عن مسح، إنما عن خدمات ستقدم لهم، وبالتالي نعمل على مسار تدخلي أو برنامجي يستهدف الأطفال الأكثر هشاشة، والأكثر صعوبة، هناك أطفال متروكين وأيتام، وسيخرج تقرير حول ذلك قريبا.
والمسح الآخر، مسح أوضاع الأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة، وصلنا تقريبا إلى 600 ونريد الوصول إلى حوالي ألفي شخص، كما يتضمن المشروع تقديم مساعدات لكن بشكل أقل من مسح الأطفال، كما سنستمر في إنتاج الأوراق البحثية حول موضوع الاحتياجات الخاصة، حتى يكون ملف متكامل مهتم في الموضوع.
الآن نسعى للعمل مع وزارة التنمية والشؤون الاجتماعية في رام الله لتبني بعض الإجراءات والبرامج وتطوير برنامج طوارئ مبني على دراساتنا، لقد قدمناها لهم، ونتائجها وملخصاتها بين أيديهم، لقد تلقينا وعودا طيبة وها نحن ننتظر، في الاجتماع كانت هناك استجابة جيدة من طرفهم، لكن فيما يخص العمل المؤسساتي لم نتثبت من ذلك، نحن نريد برنامج عمل على الأرض، فمثلا، من إحدى قضايانا، قضية إعادة تشكيل لجنة الطوارئ، التي شكلتها الوزارة، حتى يكون فيها ترتيب للأشخاص أصحاب الاحتياجات الخاصة، من خلال الأشخاص أنفسهم، لأنهم أدرى، وهو منهج حقوقي لهم، أنت لا تتكلم عنه، هو يتكلم عن نفسه. إلى جانب ذلك موضوع أن يكون هناك تخصيص لمسار المساعدة الطارئة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، فما قدم لا شيء في بحر الاحتياجات المطلوبة.
من ناحية أخرى، نحن لدينا نقد عام على كل تدخلاتهم، بحاجة لضخ أكبر وأوسع وأشمل، وبنفس الوقت بحاجة لتصميم ذكي لاستهداف الفئات الأقل حظا، ومنهم أصحاب الاحتياجات الخاصة.