البحث الضال عن الحقيقة

انتهي شهر رمضان الكريم وكل عام وأنتم بخير. هذا العام كان الأكثر صخبا على صفحات الميديا. شهر رمضان بالنسة لمن هم في عمري هو نوستالجيا وحنين إلى الماضي. جزء من هذا الحنين سببه الجو الاحتفالي حول المساجد الشهيرة في الإسكندرية مثل، مسجد المرسي أبو العباس، وفي القاهرة مثل مسجد الحسين والسيدة زينب. وجزء كبير منه يعود إلى عملي في الثقافة الجماهيرية في السبعينيات، وما بعدها في قصر ثقافة الريحاني في حدائق القبة، وكيف كان الليل يمضي في مشاهدة عرض مسرحي أو غناء شعبي، وكذلك حين كانت الثقافة الجماهيرية تقيم في حديقة الخالدين بالدراسة سرادقا للاحتفال، كنا نستضيف فيه فرقا شعبية رائعة ومغنين شبابا ومغنين ينتظرهم مستقبل ولاعبي سيرك، وغير ذلك مما يبدأ بعد الإفطار إلى منتصف الليل، وربما إلى الساعة الواحدة صباحا.
طبيعي أن أبتعد مع الزمن عن الشارع، فلم يعد طبيعيا السهر في الخارج كل ليلة، بل هي ليلات قليلة، لكن ظل لرمضان جماله في الجلوس في البيت ومتابعة بعض المسلسلات التي كان يكتبها كتّاب مثل أسامة أنور عكاشة، أو وحيد حامد، أو محمد صفاء عامر، أو محمد جلال عبد القوي وغيرهم، وكان أبطالها عادة من نجوم السينما مثل عادل إمام ويحيى الفخراني ونور الشريف ومحمود مرسي ومحمود عبد العزيز وسميرة أحمد وفاتن حمامة وليلي علوي وإلهام شاهين وغيرهم. كانت في مصر مشاكل سياسية بلا شك، وكانت هناك معارضة منا نحن الكتّاب لكثير جدا مما يحدث في اقتصاد الوطن وغيره. ولم يكن هذا السهر أو هذا الفرح برمضان ينسينا واجبنا في الكتابة، أو الحديث عما يحدث، لكن الاحتفال برمضان كان يغلب كل شيء. لم تكن السياسة تفسد رمضان أبدا، بل كانت من أجمل أيام رمضان أيام حرب أكتوبر/تشرين الأول، التي بدأت في العاشر من رمضان، ولم يفسدها العبور الإسرائيلي إلى الضفة الغربية للقنال، مع نهاية الشهر، فكان هناك دائما أمل.
تغير شكل الاحتفال وقتها فكفّ الناس عن السهرات في الخارج، وتوقف الناس عن عمل كعك العيد مثلا، لكن لم يشعر أحد بأن رمضان قد فسد أو تعطل. المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية لم تكن تثير كثيرا من الضجيج حولها، لأنه لم تكن هناك ميديا ولا إنترنت، ومن ثم فالنقاد يكتبون في الصحف ومن يهتم يقرأ الصحف، وغير هؤلاء لا يجدون طريقة للتعبير عما قرأوه إلا لأصدقائهم. تغيرت الأحوال وظهرت الميديا والإنترنت وأصبحت مسلسلات رمضان هي حديثها، واختلف رواد مواقع التواصل حولها في كل شيء. هذا العام هو أكثرها صخبا. بدأ الصخب عاليا مع عرض مسلسل «الاختيار 2 « أو الجزء الثاني من مسلسل «الاختيار» الذي أذيع جزؤه الأول العام الماضي عن مكافحة الإرهاب في سيناء. لم يحدث الجزء الأول لغطا كبيرا فلا أحد مع الإرهاب، وحتى من ليس مع النظام الحاكم لن يقول إنه مع الإرهاب. هذا العام في الجزء الثاني كانت الحلقة الخامسة عن فض اعتصام رابعة العدوية، تبعتها حلقات عن الدراما بين النظام والإخوان المسلمين. لم أشاهد الحلقة ولا غيرها ولم أشاهد أيَ مسلسل، ليس موقفا فنيا، فهناك كتّاب احترمهم وممثلون ومخرجون، لكن لأن تسليع الفن وصل إلى حد أن الإعلانات بين الحلقة الواحدة صارت أطول من مدة الحلقة. فالحلقة التي تصل إلى ثلاثين دقيقية الإعلانات بينها تصل إلى خمس وأربعين دقيقة، ومن ثم وصلتني الرسالة العجيبة أن القنوات العارضة للدراما لا يهمها المشاهد، بقدر ما يهمها العائد المادي مقدما من الإعلانات. رغم ذلك وجدت نسبة عالية من المشاهدة بين الأجيال الجديدة لكل المسلسلات. تعاملت هذه الأجيال، وبينها عدد كبير أيضا من الكبار من أجيال سابقة، باعتبار هذه المسلسلات تقدم حقائق لا فنا ولا خيالا، وبدأت مناقشات لمشاهد والعودة إلى أصلها في الحياة، وكل ذلك موجود على الإنترنت، وكيف يكذب صناع الدراما.

لم ينتبه أحد إلى مأساة الدراما الحقيقية، وهي أن عدد المسلسلات أقل من أيِ عام، وذلك لاحتكار شركة واحدة لإنتاجها، ووضع خطوط حمر وبيضاء للإنتاج .

امتد الأمر إلى قضايا فكرية مثل قضية الطلاق الشفهي، التي كان مسلسل «لعبة نيوتن» هو سببها لأن البطل مأزوم بسبب طلاقه الشفهي لزوجته، التي تركت البلاد وتزوجت في الخارج. كذلك يتم التقاط جمل وعبارات عن الأحوال في مصر وتتم مناقشتها، كأنها حقائق ولا تخص قائلها، وكذلك لغة كثير من شخصيات المسلسلات الشعبية، التي رآها الكثيرون متدنية، وسببا في إشاعة الانحطاط، دون النظر إلى الوضع الاجتماعي لقائل هذه الألفاظ، وإنه شخصية فنية وليست حقيقية، وتم تحميل المسلسلات مهمة التعليم والأمن والأمان. هكذا صارت المسلسلات أكثر من أي مرة سابقة تُعامل باعتبارها حقائق، وليست وهما سينتهي مع انتهاء رمضان، ولا أن كل أهميتها في متعة مؤقتة لمن يريد.
لم ينتبه أحد إلى مأساة الدراما الحقيقية، وهي أن عدد المسلسلات أقل من أيِ عام، وذلك لاحتكار شركة واحدة لإنتاجها، ووضع خطوط حمر وبيضاء للإنتاج . غير ذلك يقوم بالتصوير في الخارج ولن يغامر كثير من المنتجين بذلك، ربما مسلسل واحد أو اثنان. فكرة أن يتحول الأدب والفن إلى حقيقة، فكرة ملأت الميديا ووقع فيها بعض الكتّاب والنقاد أيضا، خاصة أن مسلسلين مثل «القاهرة كابول» و»الاختيار 2» حظيا بأكبر إمكانات في التأليف والإخراج والإنتاج، بدا رغم الجهد الكبير فيهما أنهما أيضا يقدمان دروسا بشكل أو بآخر للناس.
من هنا جاءت مناقشات كثير من رواد التواصل البريئة وغير البريئة. كادت الأمور تتسع باعتبار الفن حقائق حين أصدر المجلس الأعلى للإعلام بيانا بالتحقيق في مسلسل «الطاووس» لأنه يعالج قضية لاغتصاب الفتيات، قريبة مما حدث في فندق فيرمونت من شباب أبناء لمشاهير والقضية أمام المحاكم لم تنته. انفجرت القضية لأن المجلس الذي يمثل الدولة نفسه تعامل مع المسلسل باعتباره حقيقة وليس خيالا، قامت ضجة رأيتها صحيحة ضد ذلك وتراجع مجلس الإعلام وانتهى الأمر، بل تم نسيانه، لكن ظلت المناقشات للمسلسلات الأخرى باعتبارها حقائق. لم أشارك في الحديث عن أيِ مسلسل لفكرتي التي لا أتخلى عنها وهي، الفرق بين الحقيقة والوهم، ولضيق خلقي بالإعلانات. ما الذي جعل الضجة كبيرة هذا العام؟ هل هي كورونا ووجود الناس أكثر في منازلهم؟ لا أظن، فصور الميادين محتشدة بالبشر بلا كمامات للإفطار والسحور والمطاعم والمقاهي مفعمة بالناس. تذكرت رمضان ونحن شباب وكيف كان جلوسنا حول المسلسلات للمتعة، وكيف كنا لا نقارن بينها أبدا وبين الواقع في مناقشاتنا. كانت مناقشاتنا كلها حول التمثيل وروعته أو عدمها، وحول الإخراج. هل تغيرت الأذواق؟ بالتأكيد تغيرت، لكن يحدث هذا في وقت تواجه مصر قضية مصير هي قضية مياه النيل، التي بدأ العد التنازلي لها، فإثيوبيا ستشرع في الملء الثاني لسد النهضة في أول يوليو/تموز المقبل. بين هذا كله فالإعلانات كلها تقريبا منقسمة بين تبرعات للمستشفيات، وإعلانات عن فلل وشقق جديدة في كامباوندات خاصة تتراوح فيها الأسعار بين ثلاثة ملايين وسبعين مليونا للشقة، أو الفيلا، ولا يمكن أن يغامر أصحابها بهذه الإعلانات المكلفة جدا لأن مقدميها فنانون، إلا إذا كان هناك من يتقدم بكثافة للشراء. يثور السؤال من هم هؤلاء المشترون؟ وكيف يمضي الطريق في قسمة البلاد بين سكان المدن الجديدة، الذين لن يزيدوا عن 15% من الشعب، وبقية الشعب، ولمصلحة من هذه القسمة؟ وهل سيأتي علينا يوم يُترك فيه الناس العاديون لبعضهم تنتشر بينهم الجرائم والقتل والاغتصاب والخطف، بينما الصفوة في منتجعاتها؟ وكيف سيكون شكل البلاد؟ لكن يقفز السؤال، هل إذا قلّ تدفق نهر النيل سوف يميز بين الصفوة وبقية الشعب، أم سيشمل الخراب الجميع؟

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية