بغداد ـ «القدس العربي»: عقد مجلس النواب العراقي، أمس الاثنين، جلسته الطارئة المخصصة لمناقشة حادثة الحريق الذي أتى على مستشفى ابن الخطيب، جنوب شرق العاصمة بغداد، وأدى إلى مقتل وإصابة نحو 200 شخص، أغلبهم من المصابين بفيروس كورونا.
وناقش الجلسة التي عٌدت برئاسة حسن الكعبي، النائب الأول لرئيس البرلمان، التقرير الذي خرجت به لجنة الصحة والبيئة البرلمانية، والذي ثبّت تقصيراً وإهمالاً لعددٍ من الجهات حكومية.
وقال رئيس اللجنة قتيبة الجبوري، للإعلام الحكومي، إن لجنته باشرت في عملها الرقابي وقامت بزيارة ميدانية للحادث ولقائها بالمسؤولين عن المستشفى والصيانة، وكذلك بوكلاء الوزارة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.
وأضاف: «جمعنا بعض المعلومات من خلال الزيارات الميدانية والمخاطبات الرسمية مع الجهات ذات العلاقة» مشيراً إلى أن «اللجنة تقدم تقريرها خلال الجلسة لبيان حيثيات الموضوع، والأسباب التي أدت إلى الحادث غير المتعمد والذي أدى إلى الفاجعة الكبيرة».
وأكد أن «التقصير، وإن كان غير متعمد، ولكن سوف يحاسب المهمل» مبيناً أن «اللجنة وجدت تقصيراً واضحاً في متابعة الاحتياجات الفعلية لمستشفيات بغداد، وخصوصاً في الرصافة والبالغ عددها 27 مستشفى ومن ضمنها ابن الخطيب».
وتابع أن «مبنى مستشفى ابن الخطيب متهالك ومخصص للعزل الصحي لعلاج كورونا ويضم أكثر من 200 مريض، أما الردهة التي حصل فيها الحادث تضم 32 مريضاً مع وجود كمية هائلة من الأوكسجين» موضحاً أن «أحد المواطنين استخدم (سخانة) كهربائية أو استخدم الزيت مع قناني الأوكسجين، وهذا التفاعل أدى الى انفجار كبير، كما أشيع».
مسؤولية وزارة المالية
ونوه أن «هناك اهمالاً كبيراً في وجود عدد كبير من المرافقين للمرضى، وهذا ما تتحمله منظومة الحماية الموجودة في المستشفى» مبيناً أن «عدد الشهداء هو ضعف المرضى الموجودين، وهذا ما تتحمله جهات الحماية المسؤولة، ولا يتحملها فقط مسؤولو وزارة الصحة».
ولفت إلى أن «وزارة المالية أيضا تتحمل جزءاً من المسؤولية بصفتها قصرت في تخصيص مبالغ إلى دائرة صحة الرصافة، والتي طالبت بها خلال ثلاث سنوات، لشراء منظومات إطفاء وحماية للمستشفى ولكن المالية لم تلب الطلبات».
وأكد أن «تقرير لجنة الصحة يحمل في طياته الجوانب التقصيرية للجهات المقصرة والتي أدت إلى هكذا كارثة» مبيناً أن «القضاء أصدر مذكرة توقيف بحق مدير المستشفى، ولكن سيكون هناك انتظار لمدة أربعة أيام لإنهاء التحقيق وعرضه على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وبعده يتحول إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات».
وأشار إلى أن «وزير الداخلية مهني ولا توجد عليه أي ملاحظة من خلال رئاسته اللجنة وبمهنيته العالية سيكون التقرير مهنياً ودقيقاً».
في الأثناء، قال المرصد «الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان، إنّه تابع بقلق وحزن وفاة عشرات المرضى بحريق في مستشفى لمرضى فيروس كورونا في العاصمة العراقية بغداد، مطالبًا الحكومة العراقية بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الحادثة والتأكد من إجراءات السلامة في المرافق العمومية كافة.
وذكر المرصد، ومقره جنيف، في بيانٍ صحافيٍ، أنّ 82 شخصًا لقوا حتفهم، وأصيب أكثر من 110 آخرين جراء اندلاع حريق في مستشفى ابن الخطيب، الواقع في منطقة جسر ديالى جنوبي شرق العاصمة بغداد ليلة السبت الماضي، حسب تصريح لوزارة الداخلية العراقية.
مرصد حقوقي اعتبر الإجراءات الرسمية عقب حريق مستشفى ابن الخطيب غير كافية
ووفق الوزارة، نتج الحريق عن انفجار أسطوانة أوكسجين في أحد الطوابق العلوية للمستشفى، وساعد في انتشاره عدم توفر منظومة إطفاء في المستشفى.
وحسب إفادة المصادر الطبية المحلية، فإنّ الانفجار سببه عدم الالتزام بشروط السلامة المتعلقة بتخزين اسطوانات الأوكسجين، إذ تم تخزينها في أماكن تحتوي على مصادر حرارية أدت بدورها إلى وقوع هذا الانفجار.
ولفت «الأورومتوسطي» إلى أنّ «عددًا كبيرًا من الضحايا توفوا جراء انقطاع الأوكسجين عنهم عقب وقوع الحريق، في حين اختنق آخرون بسبب الدخان المتصاعد من الحريق، وشوهد بعض المرضى يقفزون من النوافذ للهرب من ألسنة النيران».
وفي إفادة وثقها فريق المرصد لأحد شهود العيان على الحادثة قال: «كنا بجانب المستشفى عندما اندلع الحريق، حيث هرعنا إلى المكان وحاولنا إطفاء النيران لكننا لم نتمكن من ذلك. كانت النيران تمتد بسرعة كبيرة إلى مناطق جديدة، ومكثنا نصف ساعة ننتظر قدوم فرق الدفاع المدني».
«يفتقر لتجهيزات السلامة»
وأضاف: «أخرجنا عددًا من الجثث من داخل المبنى المحترق، ولم نستطع التعرف عليها بسبب آثار الحروق الشديدة عليها».
وحسب المرصد فإن مستشفى «ابن الخطيب» يعدّ من المستشفيات القديمة في بغداد، ويفتقر لتجهيزات السلامة والأمان، إذ لا يوجد به منظومة لإطفاء الحرائق أو أجهزة استشعارٍ لها، كما أنّ الأسقف فيه تحتوي على مواد فلينية سريعة الاشتعال عجّلت في انتشار النيران».
وقالت إحدى السيدات التي كانت ترافق والدتها المصابة بفيروس كورونا في المستشفى: «كنت مع والدتي في الطابق الثاني، حيث كانت تحصل على الأكسجين عبر تمديدات الأوكسجين المركزية الموجودة في المستشفى، وبعد وقت الإفطار (حوالي الساعة السابعة مساءً) سمعنا صوت انفجار شديد تحطمت على أثره النوافذ ولم يبق شيء في مكانه داخل الغرفة، وملأ الدخان المكان. نزلنا مشياً بمساعدة الشباب الذين دخلوا لإنقاذ المصابين وأمي انقطع عنها الأكسجين أثناء المشي وخشينا من أن تفارق الحياة».
وبيّن المرصد أنّ حادثة حريق مستشفى «ابن الخطيب» ليست الأولى، فقد «سبق أن نشب حريق في مستشفى الفرات غربي بغداد في يونيو/حزيران الماضي (2020) حيث اندلع الحريق في غرف الحجر المخصصة لعزل المصابين بكورونا، ما أدى لوقوع خسائر مادية».
وقرر مجلس الوزراء العراقي بعد جلسة طارئة وقف وزير الصحة ومحافظ بغداد والمدير العام لصحة الرصافة عن العمل والتحقيق معهم على خلفية الحادثة.
«غير كاف»
وقال الباحث القانوني في المرصد «الأورومتوسطي» عمر العجلوني، إنّ «وقف المسؤولين المباشرين عن الحادثة عن العمل غير كافٍ، إذ يجب على السلطات إجراءات إصلاحات جذرية في القطاع الطبي، وتخصيص حصة أكبر من ميزانية الدولة لتطوير وإصلاح المنظومة الطبية المتواضعة».
وأضاف أنّ «إنفاق العراق العسكري خلال العام الماضي بلغ أكثر من مليار و700 مليون دولار، بينما أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن العراق أنفقت خلال السنوات العشر الأخيرة مبلغًا قليلاللغاية على الرعاية الصحية للفرد، إذ بلغ نصيب الفرد من هذا الإنفاق 161 دولارًا في المتوسط».
وشدد المرصد على أنّ «الحكومة العراقية ملزمة بوضع حد لمسلسل غياب نهج محاسبة المسؤولين، والذي أدى إلى حدوث هذه الكارثة الإنسانية» مشيرًا إلى مسؤولية الحكومة في تقديم الرعاية الصحية للمواطنين «ضمن بيئة سليمة وآمنة».
ودعا، السلطات العراقية إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف في الحادثة، وتقديم جميع المسؤولين عنها للعدالة. كما حث السلطات على ضرورة مراجعة إجراءات السلامة في جميع المرافق الطبية والخدمية، والعمل على تزويدها بمنظومات حديثة للحريق والطوارئ، لضمان عدم تكرار حادثة مستشفى «ابن الخطيب».
في الأثناء، كشفت وزارة الداخلية، تفاصيل جديدة بشأن الحادث وموقف الدفاع المدني وموعد وصوله لمكان الحريق.
وقال المتحدث باسم الوزارة، اللواء خالد المحنة، للوكالة الحكومية، إنه «على الرغم من كون التحقيق في بداياته ولم يقدم الخبير في مجال تحديد الحرائق للأدلة الجنائية تقريره حتى الآن، إلا أنه من المستبعد أن يكون الحادث بفعل فاعل» مبينا أن «أغلب الحوادث المشابهة كانت على خلفية إهمال أو تماس كهربائي إن لم يثبت من خلال التقارير عكس ذلك».
وأضاف، أن «تقارير الدفاع المدني تشير إلى أن الحريق حدث بسرعة كبيرة وانتشرت النيران في اغلب الطوابق خلال 3 دقائق» لافتا إلى أن «أول فريق للإطفاء من الفرق الخاصة بالدفاع المدني وصل خلال 3 دقائق ونصف الدقيقة لمكان الحريق».
وأشار إلى أن «التشخيص الذي قدمته فرق الدفاع المدني من خلال المكان واستطلاعه بين أنه كان هناك تقصير في أخذ الاحتياطات اللازمة ضمن تعليمات الدفاع المدني، والمديرية أكدت في تشخيصها أيضاً عدم وجود منظومة إطفاء ذاتي أو منظومة انذار مبكر، فضلا عن عدم وجود خفارة للدفاع المدني وغيرها من الأمور، إضافة إلى استخدام مواد سريعة الاشتعال من البنى التحتية للمستشفى كالسقوف الثانوية وكل ذلك ساعد على سرعة انتشار النيران».
وتابع أن «الحصيلة الحالية وصلت إلى 82 شهيدا و110 مصابين وأغلبهم في الإنعاش وكانوا مرتبطين بالإنعاش المركزي» موضحا أن «عندما توقفت منظومة الأوكسجين حصلت لديهم مضاعفات نتيجة الحريق والدخان مما أدى إلى زيادة عدد الضحايا».
فساد وإهمال
في الأثناء، عزا حزب «البيت الوطني» ما وصفها بـ«الكوارث» التي شهدتها البلاد مؤخرا إلى «الفساد والاهمال واللامسؤولية» مؤكدا أن تسليم المناصب الإدارية أصبح «وفق مقاسات بعيدة عن الكفاءة والنزاهة والاختصاص». وقال الحزب في بيان صحافي أصدره على خلفية حادثة حريق مستشفى ابن الخطيب، «الركون للفساد والاهتمام بالتحاصص والمصالح الضيقة يصرف نظر مسؤولي هذه الحكومة عن الاهتمام بشعبها وحماية امنهم وتقديم الخدمات لهم».
وتابع الحزب السياسي الناشئ، المُنبثق من الحراك الاحتجاجي بالقول: «إننا لا نستغرب من حصول مثل هذه الكوارث وسط هذا الفساد والاهمال واللامسؤولية وتقاسم المغانم، فإن المحاصصة واتخاذ قوى سياسية من المؤسسات الحكومية مقاطعات لها، هي جذر الأزمة، فتسليم الادارة أصبح لأشخاص وفق مقاساتها بعيدًا عن الكفاءة والنزاهة والاختصاص».
وزاد: «يبدو أن مأساة مستشفى ابن الخطيب، خففت من الحديث وتسليط الضوء، على جريمة ناحية الوحدة في العاصمة بغداد (في إشارة إلى قمّع قوات الأمن لاحتجاجات شعبية في أطراف العاصمة) والتي تؤكد أنَّ الكاظمي وحكومته ورحمها البرلماني الذي وُلدَتْ منه مصرُّون على مواصلة نهج الحكومات السابقة في التعامل الوحشي غير الإنساني مع المواطنين المطالبين بحقوقهم، حتى أنَّ لغة القتل بالسلاح باتت ثقافة تمارس من قبل عدد من عناصر الأمن، ولم يكن قتل المتظاهر الشاب محمد ستار (الجمعة الماضية) إلَّا دليلاً واضحاً على أنَّ هذه الحكومة تسعى لإيقاف أصوات المواطنين مهما كانت الطرق المتبعة معهم، تزامنا مع فشلها في توفير الخدمات وحماية أمن البلاد أرضاً وشعباً».
«خلل واضح»
وأكد أن «حادثة يوم الجمعة والتي لم تكن الأولى ويبدو أنَّها لن تكون الأخيرة تشير إلى أنّ هذه التصرفات تدل على أنَّ هنالك خللاً واضحاً في هذا النظام السياسي بل أنَّ هنالك نهجاً متعمداً، يتم التعامل به مع المواطنين؛ سعياً لاسكاتهم». وبين أن «عدم محاسبة قتلة المتظاهرين يعد سبباً رئيساً في تمادي عناصر الأمن وشعورهم بغياب المحاسبة؛ لذلك أصبح التعامل بالرصاص الحي مع المواطنين طريقة سهلة ومعتادة لدى كثير من عناصر القوات الأمنية، وهو فعل خطير له تبعات عنفية كثيرة، قد تؤدي بعد ذلك لانهيارات مجتمعية لا يحمد عقباها».
واعتبر أن «هذه الحكومة والكتل السياسية غير جادة في توفير الخدمات للمواطنين وهي غير مهتمة في حماية أمنهم، لذلك أكدنا على أنَّ مشاركة هذا النظام السياسي في ظلِّ هذا المناخ غير المناسب يعد خطأً جسيماً».