بغداد ـ «القدس العربي»: من المرتقب أن يشهد الفصل الجديد لمجلس النواب العراقي، الذي بدأ أولى جلساته أول أمس السبت، تشريع سلسلة قوانين، وصِفت بالمهمّة، وهي موروثة من الدورات السابقة أجلت بسبب الخلافات السياسية العميقة بشأنها، فضلاً عن توجه آخر لاستجواب عدد من الوزراء، وفي مقدمتهم، وزير الصناعة صالح عبدالله الجبوري والزراعة صالح الحسني والنقل عبد الله لعيبي، على خلفية ملفات فساد مالي وإداري.
على المستوى التشريعي، يشدد أعضاء البرلمان على أهمية إقرار جمّلة قوانين تُعنى بهيكل الدولة العراقية، وتمس حياة المواطن أيضاً، من بينها قوانين النفط والغاز، والمحكمة الاتحادية، ومجلس الخدمة الاتحادي، وغيرها، فضلاً عن التحقيق بسلسلة «الخروقات التي طالت السيادة العراقية من قبل واشنطن وأنقرة والكويت».
وقرر مجلس النواب في جلسته الأولى في فصله التشريعي الجديد، تشكيل لجنة لمتابعة الإجراءات الحكومية لإتخاذ التدابير اللازمة لحفظ سيادة العراق، تضم رؤساء الكتل السياسية وممثلين عن لجان العلاقات الخارجية والأمن والدفاع، واللجان القانونية.
كذلك، صوّت البرلمان على تشكيل لجنة أخرى لمتابعة الإجراءات الحكومية بملف المفقودين والمغيبين وإعادة النازحين، تضم رؤساء الكتل النيابية وممثلي عن لجان الأمن والدفاع والمهجرين وحقوق الإنسان، واللجان القانونية.
النائب عن تيار الحكمة «المعارض»، حسن فدعم، قال لـ«القدس العربي»، إن «البرلمان قرر تشكيل لجنة عليا ممثلة من جميع النواب ولجنة الأمن والدفاع البرلمانية، بهدف تقديم تقرير مُفصل بعد التحقيق، بشأن الخروقات التي طالت السيادة العراقية، سواء كانت بقصف معسكرات في العراق، أو بالخرق الذي حصل على السيادة العراقية من قبل القوات الأمريكية وأسباب تواجدها، والحاجة من عدمها لهؤلاء، ناهيك عن التجاوز الآخر على السيادة العراقية من قبل الكويت، فضلاً عن تواجد القوات التركية على الأراضي العراقية».
وأضاف: «اللجنة ستدرس وتحقق في أي خرق يطال السيادة العراقية، وتُلزم الحكومة العراقية بتنفيذ توصيات هذه اللجنة».
كذلك، استضافة لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، مستشار الأمن الوطني، رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، لبحث قضية استهداف مخازن العتاد التابعة لـ«الحشد» الشهر الماضي.
عضو اللجنة، النائب عن تحالف «سائرون» بدر الزيادي، قال في بيان له، إن الاجتماع ناقش «تداعيات استهداف مخازن الأعتدة التابعة للحشد الشعبي بطائرات مسيرة، والإسراع بإعلان نتائج التحقيق لمعرفة الأيادي الخبيثة وراء استهداف مخازن الأعتدة».
وأكد، وفقا للبيان ضرورة «تأمين الأجواء العراقية والحفاظ على المنجز الأمني الذي حققه أبناء قواتنا المسلحة بمختلف صنوفها والحشد الشعبي، وتأمين المناطق المحررة بعد العمليات العسكرية ضد فلول تنظيم داعش الإرهابي، والتأكيد على العمل المشترك بين مختلف الصنوف العسكرية والأمنية لبسط الأمن والحفاظ سيادة العراق وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم».
فوضى وانقسام
وشدد على أن «تبقى المؤسسة العسكرية بعيدةً عن الميول والتوجهات السياسية وعدم تشكيل تسميات أو قوات رديفة لها، مما يجعل البلد يعيش حالة من الفوضى وانقسام في المنظومة العسكرية التي تأسست منذ سنوات طويلة، وهي تبقى شامخة لعزة العراق والدفاع عن سيادته الوطنية».
يأتي ذلك في وقت تسعى كتل سياسية «شيعية» إلى تشريع قانون يُلزم الحكومة بإخراج القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي العراقية، وخصوصاً الأمريكية، لكن النائب المستقل كاظم الصيادي، رأى أن الواقع يفرض إخراج القوات الأمريكية من دون تشريع.
وبين لـ«القدس العربي»، إن «العراق لا يحتاج إلى تشريع قانون يقضي بإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية. الواقع يفرض إخراج القوات الأمريكية، بكونها جزءا لا يتجزأ من المشكلة داخل العراق»، مشدداً على أهمية «قطع جميع الأذرع التي تمارس التلاعب من أجل المكاسب».
وأكمل: «على الدولة العراقية، إما أن يكون لديها حلّف للقضاء على الإرهاب وتعديل مسارات الدولة، أو أن تكون تخبطية لا تستطيع إدارة شؤونها الداخلية».
لجان للتحقيق بالخروقات الأمريكية والكويتية والتركية… وانتقادات لجدول الأعمال
في شأن آخر، أشار الصيادي إلى أن «جدول أعمال جلسة البرلمان الأولى في فصله التشريعي الثاني مخيّب للآمال، بعد عطلة استمرت أكثر من شهر. كان لزاماً على هيئة الرئاسة أن تأتي وبقوة بقوانين مهمة تصب في مصلحة الدولة العراقية، على مستوى إدارة المال والموارد البشرية والأمور الفنية، بالإضافة إلى قوانين تمس المواطن العراقي»، مبيناً أن «كنا نأمل أن تكون هنالك نقاشات عامة في مسألة تسوية الرواتب التقاعدية، وإلغاء مكاتب المفتشين العموميين، وتعديل الدستور، وقانون الخدمة المدني وغيرها من القوانين المهمة».
وانتقد آلية التصويت على القوانين، معتبراً أن القوانين تتأثر بـ«الرغبات والضغوط السياسية، وبعيدة كل البعد عن حاجة المواطن العراقي والتظاهرات المطالبة بإجراء تعديلات دستورية من بينها إلغاء مجالس المحافظات».
وبشأن ملف الاستجوابات أشار إلى «إننا فقدنا الأمل بالاستجوابات، بسبب التوافقات والاتفاقات السياسية التي لن تمضي بقضية الاستجوابات، على الرغم من وجود ملفات فساد كبيرة وكثيرة داخل الوزارات».
على المستوى الرقابي، قدّم تيار «الحكمة الوطني» بزعامة عمار الحكيم، طلباً إلى رئاسة مجلس النواب لاستجواب ثلاثة وزراء، هم النقل والزراعة والصناعة.
وقال النائب عن تيار «الحكمة الوطني»، محمود ملا طلال، في مؤتمر صحافي مشترك مع نواب «الحكمة»، عقده في البرلمان، إن «تطبيقاً لمواد الدستور والقانون والنظام الداخلي لمجلس النواب، توفرت لدينا أدلة ووثائق تدين بعض الوزراء من حيث المبدأ في عملهم الوزاري، وقد استكملنا عدة ملفات قدمناها الى رئيس البرلمان تتعلق وزراء الزراعة والصناعة والنقل».
وأضاف أن «رئيس مجلس النواب سيحيل تلك الطلبات الى اللجان المختصة لتحديد موعد استجواب اولئك الوزراء»، مؤكداً أن «هذه الإجراءات هي في إطار تدعيم عمل الحكومة وبرنامجها الوزاري، وتعديل مسار البرنامج الحكومي عبر تحديد بعض المفاسد والمخالفات التي ترتكبها بعض الوزارات».
وأوضح، أن «هناك ملفات أخرى تخص بعض الوزارات ستقدم في الفترة المقبلة بعد استكمال جمع وتدقيق الوثائق الخاصة بها»، مبيناً أن «أغلب الملفات تخص الوزارات خلال الدورة الحالية وهناك بعض الملفات منها تخص إجراءات العمل الإداري لدى بعض الوزراء الذين كانوا يشغلون منصب مدير عام آنذاك».
وأشار إلى أن «تم إرسال أسئلة شفهية وتحريرية إلى الوزراء. لم تكن الإجابات عن معظمها دقيقة وتهرب بعض الوزراء من الإجابة عنها لوجود ادلة دامغة، ولذلك سنمضي إلى الاستجواب امام البرلمان».
دور تشريفي
ومن أبرز المعترضين على أداء البرلمان، تحالف «سائرون» المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وتحالف «الإصلاح والإعمار»، الذي طالب رئاسة الجمهورية بممارسة دورها الإشرافي وعدم الاكتفاء بالدور «التشريفي».
ووفقاً لرئيس كتلة «الإصلاح والإعمار» البرلمانية، القيادي في التيار الصدري، النائب صباح الساعدي، «لقد كنا نأمل أن الرئاسات الثلاث، وخصوصا رئاسة مجلس النواب تستفيد من تجارب الدورات النيابية السابقة ورئاستي الجمهورية والحكومة تستفيد من تجارب سابقاتها وتستند في رؤيتها لآداء مهامها الدستورية والقانونية بناءا على دراسات مهنية تتجاوز فيها اخطاء السابقين وتتعدى فيه الخطوط الحمراء التي وضعتها القوى السياسية التي أدارت البلاد على مدى الستة عشر عاما السابقة، وتعالج فيه فشل المؤسسات وإخفاقات الخطط المكررة و(الروتين القاتل للإبداع) الوظيفي، فضلا عن (تمكين الكفاءات والنخب) من اخذ دورها في قيادة الملفات والقطاعات على اختلافها».
وأضاف في مؤتمر صحافي، أن «من أهم ما شاهدنا هو استمرار لنفس النهج و(تدوير لرجالات الفشل) بين المؤسسات التي بدأت تعيش حالة (الموت الوظيفي السريري)، والمقصود هنا من الموت الوظيفي السريري، هو عملية الجمود وإنتهاء الإبداع وإتباع نفس المناهج والأفكار، فعلى المستوى التشريعي يبقى الجانب التشريعي فقيرا ضعيفا بل دون ذلك رغم تقديمنا شخصيا أو مساهمتنا خلال السنة الاولى لثمان قوانين مهمة بعضها أهمل وبعضها تم تجاهله، ولقد نصحنا بوضع استراتيجيتين الاولى تشريعية، والثانية رقابية، على أساسهما يضع المجلس النيابي خططه الفصلية والسنوية التشريعية والرقابية، ولكن مع الأسف لم نجد مستمعا».
وأشار إلى أن «المجلس النيابي على المحك في عملية الرقابة، وأن من المهم جدا إعادة المؤسسة الرقابية الدستورية العليا إلى طبيعتها الرقابية ودورها الدستوري، بذلك عبر جلسات الاستضافة والاستجواب ولجان التحقيق النيابي وغيرها من الآليات التي رسمها الدستور والقانون والنظام الداخلي للمجلس».
وتابع: «على المستوى التنفيذي فان طريقة اختيار الكابينة الوزارية لم يختلف عن السابق، فكانت الحكومة (في أغلبها) نتاج المحاصصة الحزبية، وأما التكنوقراط المستقل فلم يعطَ المساحة التي تمكنه من ممارسة خططه الإصلاحية عبر الهيمنة على الدرجات الخاصة التي تعتبر قلب الدولة المتحركة ولم تأت تسمية (الدولة العميقة) عن فراغ وتفكيك دولة عميقة استمرت لمدة 14 عاما ليس بالأمر الهين، ولكنه ليس بالمستحيل بعد عام من عمر الحكومة لازال المواطن العراقي يعيش الأزمات الخدمية والمشاكل في البنى التحتية ومقومات العيش الحر الكريم، وأن الحلول الترقيعية التي كانت تستخدم في الحكومات السابقة لم تعد ذات جدوى، وإن الهروب إلى الأمام بترحيل المشاكل من عام إلى عام ومن حكومة إلى حكومة، يزيد من حالة السخط الشعبي الذي بدأ البعض باستثماره عبر المقارنات التي تزيد من السخط وتزرع في النفوس اليأس من جدوائية هذه الطبقة السياسية التي لم تنتج الا الفشل والفساد».
ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب العراقي، اليوم الاثنين، جلسته الاعتيادية الثانية في فصله التشريعي الجديد.