بيروت-“القدس العربي”:فجأة انقلب المشهد السياسي في المجلس النيابي الذي كانت تتجه إليه الأنظار الأسبوع المقبل حيث كان من المفترض أن يشهد إنعقاد جلستين متتاليتين: الأولى يوم الثلاثاء الذي يصادف الخامس عشر من تشرين الأول/اكتوبر تاريخ بدء العقد الثاني للمجلس حيث سيجدّد انتخاب أميني السر والمفوضين الثلاثة ورؤساء وأعضاء اللجان النيابية.
والثانية يوم الخميس في 17 الحالي وتُخصّص لمناقشة الرسالة التي وجّهها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري لتفسير مضمون المادة 95 من الدستور التي تخضع لتأويلات حول موضوع المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وخصوصاً في ما يتعلق بقاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف ما دون الفئة الأولى.
غير أن المساعي المكوكية التي قام بها نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي على خط بعبدا عين التينة أثمرت تأجيلاً لجلسة تفسير المادة 95 من الدستور من خلال مخرج ارتآه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي زار قصر بعبدا بطريقة مفاجئة عصر الخميس الفائت للاجتماع برئيس الجمهورية العماد ميشال عون والتوافق معه على مخرج التأجيل الذي شمل الجلسة الأولى التي أرجئت من يوم 15 إلى يوم 22 تشرين الأول/اكتوبر لتتأجل جلسة تفسير المادة الدستورية تلقائياً إلى يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر إذا لم يحدث أي طارئ جديد.
وكان الرئيس عون بعث برسالته إلى مجلس النواب حول المادة 95 من الدستور بعد تضمين مشروع موازنة العام 2019 المادة 80 حول حفظ حق الناجحين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية في الوظيفة العامة على الرغم من الخلل في الاعداد لصالح المسلمين، الأمر الذي دفع برئيس الجمهورية إلى التفكير بردّ الموازنة إلى المجلس لشطب المادة 80 إلا أنه وانطلاقاً من الرغبة بعدم تأخير نشر الموازنة نظراً للظروف الاقتصادية والمالية التي تتطلّب صدورها سريعاً، وانطلاقاً من الرغبة في إعطاء صورة ايجابية للمجتمع الدولي بالتزام لبنان العمل على تطبيق إصلاحات مؤتمر “سيدر” لم يلجأ إلى رد مشروع الموازنة للتصحيح بل استعاض عن الخطوة بطلب تفسير المادة 95 من الدستور التي تحتمل قراءات وتفسيرات مختلفة، علماً أن المادة تنص حرفياً على ما يلي “على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية.
مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.في المرحلة الانتقالية: أ- تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب- تُلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني بإستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيّد بمبدأي الاختصاص والكفاءة”.
وفي وقت يعتبر الرئيس بري وقيادات عديدة في الطوائف الشيعية والسنية والدرزية بأن هذه المادة تعني اقتصار المناصفة على وظائف الفئة الأولى بعدما تمّ انتخاب أول مجلس نيابي على أساس المناصفة، يقرأ فيها الرئيس عون ومعه العديد من القيادات المسيحية وعلى رأسهم الوزير جبران باسيل أننا لم نبلغ بعد المرحلة الانتقالية بدليل عدم تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية بعد التي تنص عليها الفقرة الأولى من المادة.
وإزاء هذا التباين في التفسير الذي سينعكس تحت قبّة البرلمان بين الكتل النيابية، وما يعنيه من تعديل ضمني للمادة الدستورية، تحرّك نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي القريب من رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي للطلب داخل اجتماع هيئة مكتب المجلس برئاسة بري لطلب تأجيل النقاش في هذه الرسالة تفادياً لنقاش في غير توقيته في وقت تعاني البلاد ما تعانيه من تردي اقتصادي ومالي ولا تحتاج إلى مزيد من التأزم السياسي والطائفي.
وكان بعضهم قرأ في إحالة الرئيس بري اقتراح قانون الانتخاب الذي أعدّته كتلته التحرير والتنمية حول اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية إلى اللجان المشتركة مباشرة رسالة إلى الرئيس عون رداً على رسالته إلى المجلس، إلا أن زيارة الرئيس بري إلى قصر بعبدا جاءت لتنفي صحة هذه القراءة.
وكان نائب رئيس مجلس النواب توصّل في اتصالاته إلى اقتراح بأن تتلى رسالة رئيس الجمهورية حول توضيح المادة 95 من الدستور على أن يتم إرجاء النقاش فيها إلى توقيت آخر حسب تقييم بعض النواب للظروف.
وفي كل الأحوال، سواء تُليت رسالة عون ونوقشت أم تُليت ولم تناقش فإن الرئيس بري كسب صلاحية المجلس بتفسير الدستور الذي كان موضع تجاذب بينه وبين المجلس الدستوري الذي أنشئ حسب المادة 19 من الدستور لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية.