على أصحاب القرار أن لا يتجاهلوا صورة البلد التي تهتز في الخارج، وأيضا الحديث الذي يدور في وسائل الإعلام والتقارير عن عودة تونس إلى الديكتاتورية والاستبداد.
تونس ـ «القدس العربي»: ما زال الكل في حالة ترقب في تونس في انتظار جهة قضائية أو حكومية تخرج إلى الرأي العام وتبين طبيعة التتبعات القضائية التي تمت بحق سياسيين وإعلاميين ورجال قانون ورجال أعمال وغيرهم، والذين يشتبه في ظلوعهم في التآمر على أمن الدولة. فتهمة بهذه الخطورة تستوجب من الجهات الرسمية تقديم قرائن مقنعة للرأي العام بجدوى القيام بمثل هكذا ملاحقات قضائية وإلا فإن الأمر عد من قبل البعض تصفية حسابات سياسية للتخلص من بعض الخصوم لا أكثر ولا أقل.
ولعل المطلوب كشفه للرأي العام هو كل ما لا يمس من سرية التحقيقات حتى يكون الناس على بينة مما يحصل خاصة وأن تاريخ تونس الحديث يثبت أن النظام كثيرا ما لفق تهما باطلة لمعارضيه بغرض التخلص منهم، كما يثبت أيضا، وبالمقابل تورط المعارضة التونسية في مؤامرات مع الخارج لاستهداف الوطن. ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا المجال استهداف النظام التونسي لحركة آفاق برسبكتيف اليسارية في الستينات دون أي ذنب سوى أنها أرادت ممارسة العمل السياسي في العلن وتوفير البديل عن الحزب الدستوري الحاكم، ومن الأمثلة أيضا في الجهة المقابلة تورط معارضين تونسيين في أحداث قفصة 1980 وهي مؤامرة على تونس تورط فيها القذافي وأعضاء بومدين الذين واصلوا تنسيق العملية بعد وفاته وزعزعوا استقرار تونس. وفي هذا الإطار ترى الإعلامية التونسية منى بن قمرة في حديثها لـ«القدس العربي» أن الطاغي على اهتمام النخبة في تونس هذه الأيام هو الملاحقات القضائية التي يكتنفها الغموض ولا يعلم عنها التونسيون شيئا باستثناء ما يصرح به محامو الموقوفين وعائلاتهم وما يتحصل عليه بعض الإعلاميين من تسريبات من مصادرهم الخاصة. بينما يبقى هم عموم التونسيين، حسب محدثتنا معيشيا بالأساس مع هذا الغلاء الفاحش في الأسعار الذي تشهده الخضراء والذي خنق كل الفئات وسحق الطبقة الوسطى التي كانت، وإلى وقت غير بعيد، وتحديدا قبل الثورة كثيرة العدد وتحرك عجلة الاقتصاد.
وتؤكد بن قمرة أن المزعج بالنسبة للكثيرين، أن قائمة الملاحقات مفتوحة على مصراعيها وقد تشمل أسماء أخرى بدأ بعضها بالحديث عن إمكانية استهدافه وهو ما قد يخلق مزيدا من الاحتقان في البلاد في ظل عدم حديث أي جهة رسمية إلى حد الآن إلى الرأي العام حول طبيعة هذه الملاحقات. وتؤكد أيضا على أن الأمر يتعلق بتتبعات لشخصيات لها وزنها في البلاد ومؤثرة في الناس وتمارس العمل السياسي بالإضافة إلى خطورة الجرائم المشتبه في ارتكابها لها والتي ليس من المقبول إلقاء التهم المتعلقة بها جزافا وهو ما يقتضي ضرورة تقديم الإيضاحات اللازمة أو على الأقل عدم فتح باب الايقافات على مصراعيه.
وتضيف محدثتنا قائلة: «في كل الحالات فإن المتهم يبقى بريئا إلى أن تثبت إدانته بمحاكمة عادلة من قبل قضاء مستقل يكفل له فيها كل ضمانات بما في ذلك حق الدفاع، ولا يمكن لأي جهة سواء أكانت حكومية أو إعلامية أو مدنية أو غيرها أن تصدر أحكاما بالإدانة والقضاء ما زال لم يحسم أمره بعد. وحتى إذا أصدر القضاء حكما ابتدائيا بالإدانة فإنه يجب الانتظار إلى أن يصبح الحكم باتا ونهائيا ويتم النظر فيه من مختلف درجات التقاضي ويصل أخيرا إلى الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب وهي أعلى محكمة عدلية في تونس لتحسم أمرها وتقول الكلمة الفصل.
ويبدو أن مسار التقاضي ما زال طويلا وذلك بالنظر إلى أهمية الملفات التي يتم البت فيها وهو ما يقتضي التريث في الحكم على هذا الطرف أو ذاك إيجابا أو سلبا وانتظار سير التحقيقات والإفراج على من يستحق الإفراج عنه بضمان مقر إقامته ومنعه من السفر إذا اقتضى الأمر. فالأصل هو إبقاء الإنسان بحالة سراح حرا طليقا والاستثناء هو إصدار بطاقات الإيداع بالسجن من قبل قاضي التحقيق أو الإذن بالاحتفاط بالمشتبه به من قبل النيابة العمومية وليس العكس كما يحصل في تونس خصوصا في جرائم الحق العام».
وترى بن قمرة أنه على أصحاب القرار في تونس أن لا يتجاهلوا صورة البلد التي تهتز في الخارج، وأن لا يتجاهلوا أيضا الحديث الذي يدور في وسائل الإعلام في الخارج وفي عديد التقارير عن عودة تونس إلى الديكتاتورية والاستبداد وعن التراجع المسجل في مجال حرية الصحافة. وتؤكد محدثتنا على أن الصورة القاتمة التي يقدمها البعض في الداخل والخارج عن تونس لها تأثير سيئ على قدرة البلد على استقطاب التمويلات والاستثمارات الأجنبية باعتبار أن شركاء تونس التاريخيين والداعمين لاقتصادها من الأوروبيين والأمريكان كثيرا ما ربطوا دعمهم للخضراء بالتقدم في مسألتي الديمقراطية والحريات.
معاملة خاصة
وفي هذا الإطار يرى رجل القانون والناشط الحقوقي والسياسي التونسي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن التتبعات القضائية المثارة ضد شخصيات عامة لها وزنها في تونس، وباعتبارها تطال سياسيين ومتدخلين في عالم السياسية من إعلاميين ورجال قانون ورجال مال وأعمال وغيرهم، يجب أن لا يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع جرائم الحق العام العادية. فيجب، حسب محدثنا، التوجه بخطاب مقنع حول جدوى هذه التتبعات إلى الرأي العام المحلي والدولي لطمأنة الناس بأن الأمر بتعلق بملاحقات قضائية جدية وليس بانتقام من خصم سياسي مثلما يتم الترويج له.
ويضيف: «فإذا فشلت الجهات الرسمية في إقناع الرأي العام بجدوى هذه التتبعات فإن هناك خللا ما يقتضي ضبط الأمور وعدم المواصلة في هذا النهج تحقيقا للعدالة والإنصاف، باعتبار أن إيداع خلق الله في السجون ومراكز الإيقاف قبل الحكم بالإدانة هو استثناء ولم يكن أبدا الأصل. وبالتالي فلا مفر للجهات الرسمية التونسية من العمل على الجانب الاتصالي والتوجه إلى الداخل والخارج على حد سواء لأن العالم بات قرية صغيرة وتشابكت فيه المصالح بشكل لافت.
والخارج المقصود بالأساس هو الجهات المانحة الشريكة لتونس والمستثمرين الأجانب سواء الذين لديهم استثمارات مباشرة أو الذين يفكرون بجدية في الاستثمار في تونس ولكنهم مترددون خشية من الوضع السياسي المتأزم ومما يتم تداوله في مختلف وسائل الإعلام المحلية والأجنبية. فهؤلاء معنيون بالقضاء المستقل والنزيه والذي يمنح الحقوق لأصحابها في حال تنازعوا أمامه مع خصم محلي سواء تعلق الأمر بشخص قانوني طبيعي أو اعتباري على غرار الشركات التجارية».
اختيار حقيقي
من جهتها تعتبر الناشطة الحقوقية والمدنية آمنة الشابي أن استقلالية القضاء في تونس توضع اليوم تحت المجهر مع هذه المحاكمات التي تطال هذا العدد المعتبر من السياسيين والحقوقيين والإعلاميين ورجال الأعمال والفاعلين. وتُطرح عديد الأسئلة، في هذا المجال تتعلق أساسا بمدى نجاح القضاء التونسي في هذا الاختبار الحقيقي من عدمه، بمعنى هل سيحقق العدالة المنشودة التي يروم تحقيقها جميع التونسيين؟
وتضيف: «فعلا إنه اختبار تاريخي يوضع فيه القضاء التونسي وتوضع فيه البلاد برمتها فلم يسبق في الماضي أن حصلت ملاحقات قضائية لفاعلين في المشهد السياسي بمثل هذا العدد وهو ما يستوجب حالة من الاستنفار لكشف الحقائق للرأي العام الحائر في أمره. والحرص على الحقيقة دون سواها هو الذي سيجعل عمل القضاء يسير في الاتجاه الصحيح فتحصل النتيجة المرجوة منه وهو كشف الحقيقة وتحقيق العدالة التي يريدها الجميع من خلال محاكمة عادلة تكفل فيها جميع الضمانات.
ولا بد من الحرص على قرينة البراءة التي تقتضي أن المشتبه به أو المتهم بريء حتى تثبت إدانته ويعامل على هذا الأساس من قبل جهاز الشرطة العدلية ومن قبل القضاء. وحتى إذا ثبتت الإدانة لا بد من احترام منظومة حقوق الإنسان التي نصت عليها مختلف الشرائع والمواثيق الدولية».