إرادة القتال لدى بعض الفرقاء الليبيين أقوى من صوت السلام
تونس-“القدس العربي”: لم تنجح محاولات فرض هدنة إنسانية في ليبيا لمقاومة وباء كورونا، في إيقاف المعارك وإسكات صوت الرصاص المجنون الذي أوقع ولا يزال أعدادا هائلة من الضحايا من المدنيين والعزل الذين دفعوا فاتورة هذه الحرب العبثية.
والمفارقة أن السلط الليبية ترعى وتتابع إجراءات الحظر الصحي المفروضة لمواجهة الوباء في عديد المدن، ولكن يبدو أن العمليات العسكرية تستثنى من “إجراءات الحظر الصحي” وكأن إرادة القتال لدى بعض الفرقاء الليبيين أقوى من صوت السلام.
لم يلتزم المشير خليفة حفتر بالهدنة التي أعلنت يوم 21 آذار/مارس الماضي. فبعد أيام قليلة فقط واصل معاركه على العاصمة طرابلس محاولا استغلال الظرف السائد، وانشغال حكومة الوفاق الوطني بمجابهة وباء كورونا لتنفيذ حلمه بالسيطرة على العاصمة. الأمر الذي دفع حكومة الوفاق لإطلاق عملية “عاصفة السلام” العسكرية ضد حفتر، والتي تمكنت خلالها من استعادة 6 مدن ومنطقتين استراتيجيتين من قوات حفتر، أبرزها صبراتة وصرمان، ما يعني سيطرتها على كامل الساحل الغربي حتى الحدود التونسية. ورغم ذلك لم تتوقف المبادرات الداخلية لإنهاء الحرب ومن ذلك مبادرة المجلس الأعلى للدولة الليبية، الذي دعا “من غرر بهم اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى الانسحاب والعودة لحضن الوطن” مباركا “الانتصارات التي حققها الجيش خلال الساعات الأخيرة في عدد من مدن غربي البلاد”.
أوراق ضغط
يقول المحامي والناشط الحقوقي التونسي باديس الكوباكجي لـ”القدس العربي” إن المعارك في ليبيا عنيفة جدا وتمثل جرائم حرب بامتياز، فحتى المستشفيات لم تنجُ من القصف الذي طال مخازن أدوية في طرابلس وتحديدا في منطقة السواني جنوبي العاصمة. كما تم استهداف مستشفى الخضراء في طرابلس، والمخازن التي تحتوي على معدات الحماية والوقاية من فيروس كورونا وهو ما دفع وزارة الصحة إلى تعليق العمل في المستشفى بعد قصفه 3 مرات خلال 72 ساعة، ما أدى إلى تدمير مخزن للأدوية وحجرة للعمليات وأقسام أخرى. قبل أن تعلن الوزارة استئناف العمل في المستشفى المخصص لمصابي فيروس كورونا.
ويضيف محدثنا قائلا: “هذا القصف سيزيد من معاناة الليبيين ويقلل قدرتهم على مجابهة هذا الوباء باعتبار ان المنظومة الصحية الليبية هشة وتدمرت بسبب سنوات الحروب الماضية. فبالرغم من خطورة الوباء الذي يجتاح العالم ورغم ارتفاع الإصابات في ليبيا، إلا أن ذلك لم يمنع المقاتلين من استهداف الأٌطقم والمعدات الطبية وارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون”.
ويرى عديد المتابعين أن استهداف البنية التحتية الصحية هي ورقة سياسية يسعى من خلالها حفتر إلى استغلال كورونا من أجل الضغط على حكومة الوفاق والحصول على مكاسب سياسية وعسكرية جديدة.
ولم يدخر حفتر جهدا أو ورقة ضغط إلا واستخدمها في هذه المواجهة العبثية، ومنها أيضا ورقة المياه والكهرباء باعتبار أن منظومة التحكم بنقل المياه في الشويرف جنوب غرب البلاد تقع تحت سيطرة قوات حفتر. وأدى قطعها إلى حرمان أكثر من مليوني شخص في العاصمة الليبية من المياه والكهرباء في وقت يبدو فيه الليبيون أحوج ما يكونون إلى المستلزمات الحياتية الصحية الضرورية لمواجهة هذا الوباء المستفحل. وما زاد الوضع سوءا هو تعرض 600 ألف طفل، للحرمان من المياه في طرابلس منذ انطلاق المعارك.
عقاب جماعي
وأدانت الأمم المتحدة قطع إمدادات المياه عن العاصمة طرابلس خلال الأسبوع المنصرم بوصفه أمرا “يستحق الشجب بشكل خاص” ويجب وقفه فورا.
وقالت المنظمة إن قطع المياه هو بمثابة عقاب جماعي لملايين الأبرياء ويجب توقفه على الفور”. وقد تسببت الحرب أيضا في مقتل 13 طبيبا ومسعفا وإصابة 36 آخرين، جراء استهداف المرافق الصحية وسيارات الإسعاف من قبل ميليشيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، منذ بدء هجومه على العاصمة طرابلس قبل أكثر من عام.
ومن الواضح أن تواصل المعارك اليوم يضعف جهود مواجهة فيروس كورونا
الذي سجلت ليبيا 35 إصابة به حتى الآن وتوفي أحد المصابين بهذا الفيروس، وتعافى 9.
ردود دولية منددة
هذه المعارك المتواصلة كانت مثار شجب وانتقاد أطراف دولية وإقليمية، فقد دعت الولايات المتحدة الأمريكية “القادة الليبيين إلى محاربة فيروس كورونا، وليس بعضهم البعض”. وحذرت السفارة الأمريكية في ليبيا، في تغريدة عبر “تويتر” من أن تصاعد العنف يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، ويعرّض المدنيين لخطر مميت، ويحوّل الموارد عن مسار الاستجابة لجائحة كورونا.
وذلك في الوقت الذي جددت فيه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، في بيان دعوة المنظمة الدولية لأطراف الصراع إلى هدنة إنسانية لمواجهة الفيروس.
كما دعت مالطا الاتحاد الأوروبي لتقديم حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون يورو (110 ملايين دولار) للحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية بين النازحين من ليبيا، حيث يتسبب العنف المتزايد في تفاقم أثر أزمة فيروس كورونا.
موجات نزوح جديدة
لقد دفع الليبيون بشكل عام وأهالي طرابلس بشكل خاص فاتورة هذه الحرب العبثية بعد ان كانوا حتى الأمس القريب يعيشون في كنف الهدوء بعيدا عن لهيب المعارك المحتدمة في ليبيا منذ أعوام من دون توقف. ما أدى إلى تهديم منازلهم ونزوح عديد السكان من العاصمة وضواحيها هروبا من القصف العشوائي الذي أصاب المدنيين ولم يفرق بين أعزل ومسلح. وهناك اليوم مخاوف من أن تؤدي هذه المعارك إلى موجات نزوح جديدة وهذا ما دفع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إلى ان تعرب عن قلقها من احتمال حدوث موجات نزوح. موضحة في بيان لها أنها تتابع ببالغ القلق التقارير التي تفيد بوقوع هجمات على المدنيين واقتحام سجن صرمان وإطلاق سراح 401 سجين من دون إجراءات قانونية سليمة أو تحقيق، علاوة على تمثيل بالجثث وأعمال انتقامية، بما في ذلك أعمال النهب والسطو وإحراق الممتلكات العامة والخاصة في المدن الساحلية الغربية التي سيطرت عليها القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني مؤخراً.
معتبرة ان ما يحدث يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
كما أن هناك مخاوف لدى عديد الحقوقيين أيضا من الآثار والانعكاسات السلبية لهذه الحرب على النسيج المجتمعي الليبي خاصة انها تزيد في تعكير أجواء المصالحات التي قامت بها عديد القبائل طوال الفترة الماضية من أجل إنهاء صفحة القتال. فتقسيم الليبيين وزجهم في حرب عبثية لا يفيد سوى القوى الخارجية التي لديها أطماع في الثروة النفطية الليبية ولا يهمها مصير الليبيين أو مستقبل أطفالهم الذي يكاد يضيع تحت لهيب القصف.
فاتورة باهظة
لقد دفع الليبيون ثمن فاتورة تواصل الأعمال الحربية من أرواحهم وأموالهم وقدرات بلادهم أيضا، فقد أدت المعارك إلى تعطل عملية إنتاج النفط. وحسب المؤسسة الوطنية للنفط التي تديرها الدولة، فإن إغلاق المنشآت النفطية في ليبيا الذي بدأ قبل حوالي ثلاثة أشهر أدى إلى خسارة البلاد إيرادات تزيد قيمتها على 4 مليارات دولار، بسبب الإقفال غير القانوني للمنشآت النفطية، خاصة بعد أن قررت قوات موالية لخليفة حفتر، إغلاق مرافئ وحقول نفط في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير وهو ما خفض تدريجيا إنتاج البلاد من الخام إلى أقل من 100 ألف برميل يوميا، من حوالي 1.2 مليون برميل يوميا.
والمعلوم أن قوات حفتر تسيطر على تأمين الحقول والموانئ النفطية في المنطقة الوسطى (الهلال النفطي) وميناء الحريقة النفطي بمدينة طبرق بالقرب من الحدود المصرية، فيما تدير تلك المنشآت مؤسسة النفط التابعة لحكومة الوفاق.
ويبدو الليبيون اليوم أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية بسبب رفض بعض أطراف الصراع وداعميهم الخارجيين، هدنة إنسانية تخفف من معاناتهم وتجعلهم يتفرغون لمجابهة وباء كورونا. وكانت هذه الهدنة هي الأمل الأخير لدى عديد الشرائح الليبية التي ملت الحرب وملت سماع أصوات القصف ومشاهد الدمار ونزف الدماء المتواصل.
فهل ينجح النداء العالمي الذي أطلقته الأمم المتحدة، بعد ان فشلت المنظمة الأممية في كل مسار المحادثات السياسية الذي رعته طيلة مراحل الأزمة الليبية، بإسكات المدافع ووقف النزاعات الدائرة في عدد من بلدان المنطقة، من بينها ليبيا، في إيقاف هذه الحرب العبثية، ووضع حدٍ لمعاناة الشعب الليبي التي زاد فيروس كورونا من قتامتها وصعوبتها مع كل ما يحمله من تبعات صحية واجتماعية واقتصادية خطيرة خاصة في ظل جنون الحرب المستعرة والتي لا تعرف التوقف؟