مما لا شك فيه تعد سنة 2020 كارثية بجميع المقاييس، إذ أحدثت زلزالا غريبا في نمط الحياة اليومية لم تشهدها أغلب شعوب العالم منذ سنين طويلة، فغيرت في النتيجة من المفاهيم والممارسات التقليدية. إذ أصبح الجميع يولي للحذر مكانة هامة حفاظا على صحته وصحة غيره، ويراقب عن كثب التطورات المحلية والعالمية منها عدد الإصابات أو الوفيات اليومية بسبب هذا الفيروس الخطير، والأهم من كل ذلك هو الحرص كل الحرص على لباس الكمامة والتعقيم المستمر. فهذا يعد في حد ذاته تحولا غير طبيعي وكأنما الشخص أصبح في مرمى الاستهداف يوميا برصاصة كورونا لترحل به من الدنيا إلى الآخرة.
لكن لا تبدو الأمور سهلة أو ممكن الاستهتار بها، بل سجل العالم حالات وفيات أضحت تقدر بالملايين إلى يومنا هذا، وما زالت تسجل بالآلاف يوميا العديد من الإصابات نتيجة للعدوى بهذا الفيروس غير محدد المصدر بالدقة، الخفافيش أو من آكل النمل أو مصطنع بالفعل ومؤامرة دولية كما يروج البعض. ومن أهم الأحداث المتشعبة والمعقدة أصلا، إنطلاقا من الموجة الأولى خلال الثلاثي الأول إلى العودة مجددا عبر الموجة الثانية مع بداية الثلاثي الثالث من هذه السنة هو موضوع العودة الجامعية في أغلب دول العالم، وقد اختارت بعض الدول مواصلة مناهج التعليم عن بعد رغم سلبياته واعتماد القاعات الافتراضية لعلها تخفف من انتشار الفيروس وتحد من الكارثة الصحية.
ففي ظل عودة مؤشرات الإصابات في الصعود مجددا وكأنها تبشر بموجة ثانية طويلة وحادة، يستعد الطلبة إلى العودة لمقاعد ومدارج الجامعات في ظل الخطر الداهم الذي أصبح مركزا أكثر فأكثر داخل تلك الفضاءات التي تجمع العديد من الأشخاص بحيث تكون خطورة العدوى مرتفعة بنسبة كبيرة. فمن الموجة الأولى إلى الثانية ما زال العالم يعاني من نتائج أو تأثيرات هذا الفيروس نفسيا أو ماديا، حيث أصبحنا مجبرين على التعايش معه والحذر من خطورته وانتشاره. وفي هذا الصدد تعتبر السنة الجامعية الجديدة في أغلب دول العالم خاصة منها التي فضلت التعليم التقليدي على الافتراضي، سنة حرجة صحيا وتعليميا في مجملها، وسيتحمل المسؤولية لاحقا من اتخذ قرار الزج بتلك الأرواح في تلك القاعات.
من الموجة الأولى إلى الثانية
بعد الانتهاء من الموجة الأولى من فيروس كوفيد-19 أو كورونا الذي حصد العديد من الأرواح خاصة منهم الكبار في السن وأصحاب الأمراض المزمنة وجعل الشوارع خالية وأكبر عواصم العالم مدن أشباح، وأيضا بعد تلك الراحة المؤقتة خلال هذا الصيف بحيث قلت نسبة مخاطره وعدواه، يطل علينا الفيروس عبر الإصابات المرتفعة والمستمرة والتي أصبحت تقدر بالآلاف يوميا في بعض الدول وهي تؤكد أنها موجة ثانية بالفعل تحبذ ذلك الطقس البارد والسعال والعطاس للمرضى لتنتشر مجددا الإصابات في كل دول العالم وتشكل خطرا داهما داخل أي تجمعات في فضاءات مغلقة خاصة منها الجامعات.
التعليم عن بعد
وتزامنا مع عودة كورونا مجددا، اختارت بعض الدول التي تتمتع ببنية تحتية رقمية وتكنولوجية متطورة مواصلة التعليم عبر منصات التعليم عن بعد. فالرهان على تلك المنصات أصبح قادرا بدوره الحد من الاختلاط بين الطلاب في فضاء مغلق وبه دوام يومي ما يسهل انتشار الإصابات بالفيروس رغم الحذر والحماية. فمن المعروف أن تلك النوعية من الفيروسات التاجية تحبذ الطقس البارد والرطوبة لتخلق لنفسها بيئة خصبة لتتكاثر في الخلايا البشرية والبقاء لمدة أطول على سطح الأماكن العامة أو الخاصة. بالتالي أضحت منصات التعليم عن بعد ملاذا آمنا لحماية الطلاب ومواصلة التحصيل العلمي ولو أنها تعكس بعض الايجابيات والسلبيات مقارنة مع التعليم الكلاسيكي داخل القاعات التقليدية.
الايجابيات
من أبرز الايجابيات أنها توفر للطالب الزاد المعرفي القابل للتحميل في أي مكان وزمان من العالم وذلك بمجرد الولوج إلى صفحته الرسمية عبر كلمة المرور الخاصة به. أيضا تساهم تلك المنصات بتقليص نسبة الأخطاء أو السهو الذي يعاني منه أغلب الطلبة منها نقص التركيز أثناء متابعة المحاضرات والأشغال التطبيقية، لأن أغلب تلك الدروس تبقى مسجلة في شكل فيديوهات. فهنا تكمن جوهرية الايجابيات من خلال سهولة وصول جميع المواد العلمية بالشرح المفصل والمفضل وتبقى مسجلة في صيغة ورقية إلكترونية أو فيديوهات ليتابعها الطالب باستمرار ويستفاد منها جيدا. أيضا سهولة تقديم الطالب لسؤال مباشر للأستاذ أثناء متابعته للمحاضرة، وهذا يعجز عنه في المدرج التقليدي نظرا للمساحة أو صعوبة سماع السؤال في فضاء يحتاج إلى مكبر للصوت. إن التكنولوجيا اليوم أصبحت تعد نعمة لتحمي البعض من مخاطر الأوبئة وتسهل عمل البعض الآخر، لكن هناك في المقابل من يعتبرها نقمة وخروجا عن نمط حياتنا اليومي الطبيعي نظرا لارتهانها للاتصالات عبر شبكة الإنترنت.
السلبيات
لا تحصيل حاصل إذا غابت الجدية الرسمية والمتابعة اليومية للطلاب لدروسهم عبر تلك منصات التعليم عن بعد. فمن أبرز تلك السلبيات نذكر غياب الطلاب المستمر عن المتابعة اليومية للدروس المباشرة أو عدم المبالاة لتحميل تلك المحاضرات والأشغال التطبيقية. بالإضافة إلى ذلك الافتقار أحيانا للحصول على وسائل الاتصال بشبكة الإنترنت التي تعد في مجملها باهظة الثمن للبعض وضعيفة وتتعرض لإنقطاع مستمر أو أحيانا التشويش للبعض الآخر، ما يسبب للجميع مصدر إزعاج وظروفا غير ملائمة لتقديم الدروس والشرح من طرف الأستاذ أو تلقي الطلاب لتلك المواد العلمية. كذلك نذكر عدم نضج بعض الطلاب وممارسة تصرفات صبيانية من خلال تعطيل سير الدرس المباشر أو نشر معلومات تغلط الزملاء لمنعهم من متابعة الدروس عن بعد. إجمالا ما زالت الامكانيات محدودة في البنية الرقمية والتكنولوجيات لبعض الدول، والظروف المادية لبعض الطلاب متدهورة مما تقف كحجر إعاقة وتحد من نسبة النجاح والمواصلة قصد استعمال تلك المنصات للتعليم عن بعد زمن كورونا.