مفتاح خلود الأعمال الروائية في ذاكرة القراء وتاريخ الأدب يبقى مرهونا بخطابها الفني بكل عناصره البنائية، إذا ما لامس الجانب الإنساني في المتلقي، وبطبيعة الحال من غير أن نستبعد الأسلوب الذي كتبت فيه لما يحوزه من أهمية قصوى في العملية الإبداعية، باعتباره مجموعة تقنيات يتم الركون إلى ممكنات اشتغالاتها في معالجة الموضوع، لكونها وحدات وآليات فنية، يتم التعبير من خلالها عن الرؤية الفلسفية للكاتب، وكلما نأى العمل الفني عن ثرثرة الأيديولوجيا بمسافة بعيدة، كان أقرب إلى جوهر الفن والمتلقي في آن، وهنا يكمن سر احتفائنا بما كتبه ديستويفسكي وتشيخوف وتولستوي ونجيب محفوظ على سبيل المثال لا الحصر، رغم مرور عشرات السنين على صدور أعمالهم، وتغير تقنيات وأساليب وأشكال الكتابة بشكل كبير جدا.
المتن الحكائي
بعد أن يبلغ الخامسة والستين من عمره وتتوفى زوجته يسافر الدكتور رمزي الباحث في الآثار إلى إنكلترا عام 2005 ليقيم مع ابنته الطبيبة، ولأن الحب بالنسبة له كفصول السنة يأتي ويذهب، وهو جزء من تلك الدورة السخية التي تصنع الحياة، ويبقى غامضا كالحياة تماما، تعيش معه وبه ولا تمسك بجوهره النقي بالكلمات، ولأنه يجد الحب كأشياء أخرى مثل الألم، ومثل الرعب، مثل القسوة، مثل الحنان لا يمكن تفسيره، ولا يمكن الكشف عن مغزاه، يبقى الدكتور رمزي باحثا عن هانا، ابنة ديفيد ماير عالم الآثار البريطاني، التي لم تبرح ذاكرته منذ عام 1966 عندما جاءت لزيارة والدتها جاكلين كاتبة القصص البوليسية، ووالدها الذي كان في مهمة بحث وتنقيب عن الآثار العراقية، ومنذ أن فارقها بقي مشغولا بها، وظل يتساءل حول طبيعة العلاقة معها ونوعها، إن كانت حبا أو لم تكن، وكان سؤالا صعبا، لم يستطع الإجابة عليه، وهناك أسئلة أخرى بقيت تراوده «إن كنتَ ترغب بصورتها وتشتهيها فقط فذلك ليس هو الحب. وإذن أنا أعرف ما ليس هو الحب، ولكنني أعجز عن تحديد ماهية الحب». وبعد أربعين عاما يصل إلى إنكلترا، وفي داخله أمل كبير بأن يعثر عليها، مع أنه كان حبا من طرف واحد. ولم يكن العثور عليها أمرا عسيرا لأنه يحتفظ بعنوان بيت عالم الآثار الذي سبق أن رافقه في عمله طيلة فترة بقائه في العراق، فيذهب إلى هناك، ويطرق الباب، ويجدها تعيش وحيدة مع خادمتها، بعد أن توفي والداها، وقد تجاوز عمرها الستين عاما، ولا تذكر اي شيء مما احتفظت به ذاكرة رمزي، ولا تتذكره هو شخصيا في بداية اللقاء، لأنها لم تمض مع والديها في العراق سوى أسبوعين، لتعود بعدها إلى إنكلترا. تلك الأحداث مرّ عليها زمن طويل، وهذا يكفي حتى تمحى من ذاكرتها، ولم يفلح أن ينشّط ذاكرتها لكي تتذكر تلك اللحظة التي مارست فيها الجنس معه، وكانت آنذاك في حالة غضب وانفعال بعد انفصالها عن الشاب الذي رافقها في رحلتها إلى الهند، قبل أن تصل وإياه إلى العراق لتزور والديها. حتى أن علامات الدهشة ترتسم على وجهها إزاء ما يمتلكه من قدرة على استذكار تفاصيل تعود إلى أربعين عاما مضت.
– أعذرني لم تعد الذاكرة كما كانت
– خرجنا ذات ظهيرة أنا وأنت
– أنت لا تدري ما الذي حصل طوال أربعين عاما
– أعرف أشياء قليلة لكنه كان يوما خريفيا حارا
– أحسدك على ذاكرتك يا صاح، أظنني نسيت كل شي
اعتمد سعد محمد رحيم على تناوب ثلاثة أصوات في سرد الأحداث: السارد العليم، الدكتور رمزي، هانا.
هي الآن تعاني من الوحدة بقدر ما تعاني من التهاب المفاصل، لكنها مازالت تحتفظ بتلك الملامح الجميلة التي تمكنت من أن تستحوذ على اهتمامه، أيام كان شابا. وشيئا فشيئا يتمكن من أن يجعلها تثق به ويفلح في أن يوقظ في داخلها مشاعر الحب ناحيته، ولم تعد تقوى على أن يبتعد عنها، بعد أن أبدى اهتماما بها وبصحتها، خاصة بعد أن يبلغها الطبيب بأنها مصابة بسرطان المبيض. فلم يدخر وسعا في أن يعمل أي شيء لأجل أن يثبت لها أنها كانت حلمه الذي بقي محتفظا به طيلة أربعة عقود، فيحرص على أن يركب القطار يوميا في رحلة تستغرق ساعة من الزمن، من الشقة التي يسكنها إلى بيتها ليكون إلى جانبها وليخفف عنها ما تعانيه من آلام.
بنية السرد
اعتمد سعد محمد رحيم على تناوب ثلاثة أصوات في سرد الأحداث: السارد العليم، الدكتور رمزي، هانا. وفي إطار هذه البنية انزاح السرد إلى مبدأ تعارضي، إذ اعتمد على خلق عالم سردي متخيل، في الوقت نفسه عمد إلى تعرية هذا العالم أمام القارئ، بمعنى انزياح السرد إلى تقنية الرواية المضادة، بهذه التقنية يتحرك المؤلف في مساحة من حرية التخييل، بالشكل الذي تمنحه إمكانية خلق بنية متخيلة، ومن ثم التعليق عليها وتفكيكها، وهذا ما تكشف عنه شخصية رمزي/ الصوت السارد، وهو يخاطب القارئ في الصفحة الأولى: «ستسألني: وماذا عن الأحلام؟ وتقصد أحلام المنام إن كنتَ تراها مرات كثيرة لأنك تفكر بها.. حسنا سأسرُّ لك بشيء، ما كنتُ لأتصور أن أحكي عنه لأي احد، لكن هذا اليوم، ليس كأي يوم، اليوم أخرجني اولادي من مشفى (royal free) وأين؟ في المدينة التي لها علاقة بحكايتي.. أما لماذا أخبرك أنت؟ فلأنك لا تعرفني، ولن تتأكد أبدا إن كنت وجدت حقا في الأزمنة والأمكنة التي أدعيها».
إن عملية التعرية والتفكيك للبنية السردية تبدأ من السطور الأولى، بذلك يذهب بنا المؤلف إلى لعبة فنية ينقلنا فيها بين عالمين، فما أن يأخذنا إلى عالم سردي مفترض، متخيل، بشخوصه وتفاصيله، حتى ينقلنا إلى عالم واقعي، إلاّ أنه لن يتوقف عند ذلك، بل يواصل ممارسة اللعب في إطار زمن سردي يتنقل بين الارتداد والاستباق، من بعد أن جعل أحداث الرواية تدور بين زمنين ومكانين متباعدين بغداد 1966 ولندن 2005.
هذه النزعة الميتاسردية في بنية الرواية، على ما يبدو، سعى من خلالها المؤلف إلى كسر المألوفية في البنى، بالاعتماد على تضخيم التعارضات: التقنية والتقنية المضادة، بناء المتخيل وتفكيكه. ومن الواضح أن المراهنة على هذه المناورة الأسلوبية كان يريد بها تقويض وهدم سلطة الراوي العليم، والإطاحة بالتفسير المحدد الذي يتمخض عادة في الرواية الواقعية، بالتالي كل ذلك سيذهب لصالح القارئ حتى يضطلع بدور أكثر فاعلية في بناء معنى النص.
ومع أن سعد محمد رحيم في هذه الرواية تعاطى مع السرد الروائي باعتباره كتابة عن الذات، وهي تعكس رؤيتها عن العالم والحياة، إلاَّ أنه أتقن تمويه هذه اللعبة عندما لجأ إلى اجتراح مجازات فنية تتجمع فيها شظايا الذات من بعد أن يبعثرها، حتى لا تبدو متورطة في الكشف عن نفسها بنفسها، بالاتكاء على كسر الإيهام وإشراك القارئ معه، ومخاطبته بشكل مباشر.
رمزي: «هل ما سأكتبه يدخل في خانة السيرة الذاتية أم الرواية، أم الرواية – السيرة؟»
إن فن الكتابة الروائية، وبقية الفنون الإبداعية عامة، ينبغي أن تحقق متعة التواصل مع المتلقي في محصلة مبتغاها النهائي، والأعمال التي يتوفر فيها نضج فني، من المنطقي جدا أن ينعكس ذلك بقدر معقول من الشعور بالسعادة على غالبية المتلقين، حتى إن كان العمل يحمل شحنة من الأحداث المأساوية. ورواية «القطار.. إلى منزل هانا» التي صدرت بعد أن غادر مؤلفها سعد محمد رحيم الحياة مطلع عام 2018 توفرت على عوالم وشخصيات وعلاقات تفيض بمشاعرعميقة لا يصل إلى صياغتها بهذه الدرجة من الواقعية والإنسانية، إلا من كان يحمل موهبة حقيقية. وبشكل عام الكتابة الروائية في العراق تفتقد إلى حد كبير لنموذج الكاتب الذي يعاند الزمن في كتاباته، بالشكل الذي يدفعنا إلى أن نعيد قراءتها مرة وأخرى. نعم، لدينا كتّاب تتوفر في نتاجاتهم هذه القيمة الفنية، ولكن يعدون على أقل من أصابع اليد الواحدة، ونظن أن هذه الرواية ستكون على قائمة الروايات التي سنحتاج إلى قراءتها أكثر من مرة.
«القطار ..الى منزل هانا «: سعد محمد رحيم.. منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
الطبعة الأولى 2018
280 صفحة
٭ كاتب عراقي