ماوراء الرواية في «ظلال جسد ضفاف الرغبة» لسعد رحيم

تسعى هذه المقالة إلى قراءة: «ظلال جسد ضفاف الرغبة» رواية سعد محمد رحيم -كتارا قطر 2017- التي تسلّط الضوء على جزء من حياة بغداد في ظل الاحتلال الأمريكي ما بعد 2003، معتمدة منهجا وصفيّا يميل إلى التحليل، ويرصد تجريب مصطلح «ما وراء الرواية « في المتن الذي أنتج خطابا روائيّا عمل على مغايرة المسرود والتعليق على طبيعة السرد، وتوجيهه وفقا لأجواء التحديث الشكلي، والمضموني الذي رافق تطوّر الرواية المعاصرة في العراق، والوطن العربي.
وتجريب مصطلح»ما وراء الرواية» الذي عرّفته الناقدة باتريشيا وُوه على أنّه الكتابة التخييليّة التي تلفت الانتباه بطريقة واعية بذاتها، وانتظاميّة لوضعيّتها بوصفها نتاجا صنعيّا يطرح الأسئلة حول العلاقة بين المتخيّل، والواقع من خلال تقديم نقد لطرائق البناء السردي في الرواية، ينهض في متن الرواية من خلال مظهرين واضحين يتمثلان في إحالات مدغمة في متن الرواية حاول السارد الإتيان بها على سبيل التجريب الذي يؤكّد أنّ ما يرويه هو جزء من فضاء الرواية، ومتعلق بها مع أنّه قريب من فضاء النقد، فضلا عن ملاحق تعمّد المؤلف الإتيان بها في نهايات قسم من فصول الرواية لتكون تجريبا موازيا للسرد أو تسويغا له، ولكن بطريقة مغايرة أسهم من خلالها السارد في التعبير عن فكرة نقديّة تختص في البناء الروائي سنتطرق إليها في مقالة مقبلة.
انفتحت دلالة ما وراء الرواية في «ظلال جسد ضفاف الرغبة» بدءا من الصفحة الأولى على استهلال مكاني أشار إلى رغبة السارد (علاء البابلي) في أن يكتب ليحيل على تأريخ مكتوب، وهو يعلم أنّ كتابته التي لم ينصّ على أنّها رواية مملوءة بتساؤلات مربكة، وأنها فضلا عن ذلك غير قادرة على أن تدفع عن نفسها تهمة التلفيق والتضليل والتحريف والخيانة، في إشارة إلى أنّه معنيّ في كتابة تجربة تنفتح على حياة امرأة متعددة الأسماء كثيرة المعجبين في مدينة بغداد أوائل عام 2004، والمدينة تعيش حربها الخاسرة مع نفسها والآخر، فما كان منه إلا أن بدأ الكتابة بالنقر على لوحة مفاتيح الآلة الحاسبة إيذانا بكتابة رواية كانت تشغل تخيّله الجريء.

حاول الروائي الإتيان بالإحالات المندغمة في متن الرواية على سبيل التجريب، الذي يؤكّد على أنّ ما يرويه هو جزء من فضاء الرواية، ومتعلق بها مع أنّه قريب من فضاء النقد.

حاول الروائي الإتيان بالإحالات المندغمة في متن الرواية على سبيل التجريب، الذي يؤكّد على أنّ ما يرويه هو جزء من فضاء الرواية، ومتعلق بها مع أنّه قريب من فضاء النقد، وجزء من متعلقات الانفتاح على مجريات السرد في الرواية بهدف خلق متخيّل سردي، يسمح للتعليق على عملية إبداع النص الروائي المزمع كتابته.
يرى السارد أن ظلّ جسد «رواء العطار» المرأة اللغز متعدّدة الأسماء، هو مِلْحُ هذه الحكاية، يعني الرواية، وربما جسدها سمّها أيضا ، بمعنى أن جسد رواء كان مدار السرد بالنظر إلى ما يملك من سمات جماليّة حاولت الرواية الإفصاح عنها، فهو جسد متعدّد الدلالات يصلح أن يكون مرآة للسرد، وترى»حنان» الوجه الآخر للمرأة في الرواية، وهي تحاول الاقتراب من فضاء شخصية «علاء البابلي» أنّ أعظم ابتكار للإنسان الذي فَهِمَ الطبيعة الإنسانيّة من وجوه متعدّدة، هو فن الرواية التي هي أحذق المحاولات في هذا الشأن، على الرغم من عدم تكاملها، وهذا مؤشر على رقيّها، وقدرتها على التطوّر فهي فنّ الحريّة والممكنات والحدود المفتوحة، والقواعد المتجددة، وقالت من منطق الاستباق: إنّ في القرون المقبلة سيكون لنا كتّاب روايات بلا شك، ولن يكفّ الناسُ عن قراءاتها؛ لأنّها حاجة بشريّة أصيلة، وأردفت أنّ أنضج البشر هم أولئك الذين يقرأون العالم بوصفه رواية.
أفهم من تفوّهات «حنان» أنّها قدّمت الرواية بوصفها نصّا فرض وجوده على ذائقة التلقي المعاصر؛ بسبب من مزاياها الفنيّة والجماليّة، ولا عجب في ذلك فالرواية -الآن- تعدّ ديوان العرب النثريّ الذي رافق التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، منذ منتصف القرن العشرين، وإلى يومنا هذا، فضلا عن مرافقته الانتكاسات أيضا.
ولأنّ رواية «ظلال جسد ضفاف الرغبة» في جانب مهّم منها تقوم على فكرة البحث عن مصدر قاتل أصدقاء السارد الذين قُيّد موتهم ضد مجهول، إبّان حقبة الاحتلال الأمريكي، وما جرّت من اقتتال طائفيّ فإنّ السارد مضطرٌ لاستعارة شكل الرواية البوليسيّة مع أنّه متيقّن من أنّ روايته تتخطى بأريحيّة متهوّرة حدود ذلك المصطلح إلى حدود أخرى تحتوي هيولى الحياة، ومادتها الهلاميّة لتعيد تركيبها في شكل آخر يفتقر بالتأكيد إلى دقة الرواية البوليسية، وفي هذا المسعى يريد السارد عن عمد مصارحة قارئه بأنّ الرواية لم تكن بوليسيّة في أفقها المفتوح على الحياة البغداديّة، إنّما كانت رواية حياة تريد أن تستعيد عافيتها في ظل حرب متعدّدة الأطراف.
وعن الهدف من كتابة الرواية يحكي السارد مع قارئه المفترض «أكتب لكي أفهم .. أكتب لأشركك صديقي القارئ، صديقتي القارئة في لجج حيرتي، وها هو الإيقاع يتسارع وتترى الأحداث كما لو أنّ قوة قدريّة لا تقهر تدفعنا بالاتجاه الذي تريد لغاية معلومة، أو بدافع نزويّ عابث، لست أعلم حتى هذه اللحظة شيئا عن السرّ الكامن وراءه، وقد لا أعلم إلى الأبد»، وحديث السارد مع القارئ يدخل في عداد التخيّل الذي يخلق حوادث يمكن أن تقع هنا، أو هناك ويكون الخيالُ مصدرها والهجس.

يحاور الساردُ القارئَ نفسه، ولكن بصيغة الجمع «أظنّكم أصبتم بالملل سيداتي القارئات، سادتي القرّاء، وأعدكم بأنّني أوشك على الوصول إلى تسوية مرضية بشأنها فنيا.

ويحاور الساردُ القارئَ نفسه، ولكن بصيغة الجمع «أظنّكم أصبتم بالملل سيداتي القارئات، سادتي القرّاء، وأعدكم بأنّني أوشك على الوصول إلى تسوية مرضية بشأنها فنيا.. أقصد أنّ أحقق إقفالا يبقي أفق الأسئلة مفتوحا، وهكذا أزجّكم بمتاهة حكايتي لتملأوا فراغاتها، وتخرجوا من مساراتها المتداخلة الملتوية بالطريقة التي ترضيكم»، فالمؤلف بهذه اللعبة المكشوفة التي تستثمر بناء سرد على سرد أعطى فرصة للمتلقي لأنْ يكون مشاركه القريب في بناء هذه اللعبة، وتلقيها ضمن أجواء سرد ما بعد الحداثة التي وفّرت للمؤلف الروائي فرصة التدخل في بناء الرواية، والدخول إلى سردها، والبوح بما يريد، ويستطيع المتلقي أن يلتقط من فكرة»حضور القارئ»في الرواية، ودعوته إلى كتابة نهاية لها رسالة أولى تنبئ عن معاناة السارد المنبثقة عن معاناة المؤلّف الذي يحاول أن يجد تفسيرا مناسبا يربط بين «أقفال الرواية»، و«ملء فراغاتها» فلا يجد غير ثقافة السرد الرابضة خلف السياق، تلك التي يكشف عنها متن الرواية كلّها، فضلا عن حرصه على أن تقفل الرواية بطريقة غير تقليديّة تبقى مفتوحة على شتّى الاحتمالات.
أخلص إلى أنّ «ظلال جسد… ضفاف رغبة» رواية التجريب الذي اعتمد «ما وراء السرد» المصطلح الوافد من منطلقات مرحلة ما بعد الحداثة، وقد أضيف إلى المصطلحات الفاعلة في النقد العربي الحديث، بعد أن تبناه عددٌ كبيرٌ من الساردين والنقاد، وكان همّ ذلك المصطلح ولمّا يزل الربط بين النصّ المدوّن، ونصوص أخرى تحضر في النّص بوصفها صيغا «ما ورائيّة» تأتي من حقول معرفيّة، أو ثقافيّة قريبة، أو بعيدة من فضاء الرواية من دون أن يعمد «المؤلّف» إلى التنويه بمصدرها، وأهميّتها، واستراتيجيّة تفوّهاتها، وهذا ما وجدته في رواية «ظلال جسد… ضفاف الرغبة» فهي نصٌّ مشبعٌ بالدلالات التي أسهم في تشكيلها «الما ورائي» الرابض في متون النصوص المستدعية، سواء أكانت سردا، أم نقدا ، أم بناءً يتمحور حولها إشكال ما.
والنصوص الجديدة التي تأتي من وراء السرد حاملة دلالات مولّدة هي خرق لنظام الكتابة الروائيّة التقليديّة، وتجديد لها في الرؤية، والتقانة، لأنّها في حقيقة الأمر لم تكن وليدة المصادفة العابرة، بل القصد الذي يقع ضمن اختيار «المؤلّف»، وهو يلاحق مظاهر «ما وراء الرواية» التي تهدف حسب خالد سهر إلى خلخلة النظام السردي، وتبصير القارئ بمكوناته، والاقتراب من المستوى الإجرائي، والنّظري للسرد أكثر من المستوى الإبداعي له، في إشارة إلى ظهور شخصيّات حقيقيّة، أو تأريخيّة، وشخصيّات معنيّة بالشأن الكتابي الإبداعي في السرد، أو مناقشة شؤونه، أو التعليق عليها، فضلا عن حديث السارد عن بناء الرواية، وتماهي شخصيّة المؤلّف بالسارد، أو مخاطبة القارئ على نحو مباشر، والتحكّم في مستوى التأويل، أي أنّها انتهاك الإيهام السردي، واللعب على العلاقات القائمة بين القصّة والخطاب ، وهذه بأجمعها تكاد تجتمع في متن «ظلال جسد…ضفاف رغبة» التي انحدرت من أجواء ما وراء السرد.

٭ ناقد وأكاديمي من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية