رواية «لما تحطمت الجرة».. تصفية الحساب مع الذاكرة

في روايته الصغيرة «لما تحطمت الجرة» ـصدرت عن دار سطور في بغداد 2018 ـ يضع العراقي سعد محمد رحيم (1957 ـ 2018) أفراد عائلة واحدة أمام مرآة حاضرهم المشتت، والآيل للانهدام والسقوط. وإن كانت الحبكة موضوعية، لا تخلو الرواية من فراغات واستطرادات. فقد بدأت من اختطاف فرقة مسلحين إسلاميين لرجل مسن، واجتماع أبنائه في بيته الريفي، وانتهت باعتداء أخ على شرف زوجة أخيه، واكتشاف المخدوع للواقعة، وإقدامه على قتل زوجته. ومع سيلان الدم يظهر الوالد مجددا، ليعلن أنه اختفى بمشيئته ليختبر أبناءه. بمعنى من المعاني ما بدأ بالسياسة انتهى بقضايا لها علاقة بالحلال والحرام، أو الأخلاق الاجتماعية الوضعية. وكان بطل الرواية الأول، وهو باسم، كاتب المسرحيات المعروف، يتنقل بين الشخصيات، وينقب عن نقاط الضعف التي تعاني منها، كالجنس والثروة والشهرة.

بنية متشابهة

وتذكرني هذه التفاصيل برواية «لم الشمل» للأيرلندية آن إينرايت، فقد كانت حبكتها تدور حول وفاة أب وحضور الأبناء لتشييعه ودفنه. واستغلت إينرايت تقنية المكان الواحد لتحفر فيه سراديب تقودها إلى فترات متعددة من الماضي، حيث يمكن لكل فرد من أفراد العائلة أن يكتشف أخطاءه، ويحاسب نفسه عليها، ثم يعمل جهده لتطهيرها. إنها رواية عن الندم وتقبل الذنوب التافهة بقلب مفتوح، مع استعداد مبيّت ومسبق للتسوية. ولكن هذا لا يعفينا من إلغاء نقطة لقاء أو توازن، وهي الأب البطريركي/إله الماضي. وقد عرفت إينرايت كيف تستغل هذه الفكرة لتضع الاضطرابات العرقية في أيرلندا بمكان يمكن رؤيته من قبل الجميع. فهي لم تكن منحازة لا لشخصياتها ولا لنفسها، وتركت للأحداث حرية التطور وصياغة واقع فوق موضوعي. لقد وضعت الأب – الإله بمستوى واحد مع الأرض – الأم، واستطاعت أن تؤالف بين التناقضات، والأهم من ذلك أن تلم شمل الجميع رمزيا وفعليا.
وهو ما لم يفعله سعد رحيم. لقد عزل كل شخصية في غرفة، وكان من المتوقع أن تتحول كل غرفة لفضاء اجتماعي خاص، لكن بالنتيجة كانت جدرانه شفافة مليئة بالثقوب التي تساعدك على التلصص أو استراق السمع والنظر. هذا إن لم تفرض عليك رعب التورط بقضايا أنت في غنى عنها. وربما هذه هي المشكلة الأساسية للرواية، لأنها كانت تخطط لشيء، بينما العناصر الفنية تفضي بنا لشيء آخر. لقد غلب على الرواية هيكلية وجودية، ومن موقع الطرف المثقف، حتى إن سقف الحوار كان أعلى مما يجب. لقد فرض رحيم على أبطاله عقوبة مزدوجة، شغل إدوارد سعيد نفسه بتشخيصها في كتابه «صور المثقف». فقد أوقع بباسم عقوبة مرعبة وهي الإبعاد والنبذ (البتر العضوي) وفرض على رفعت وأبو أمجد (شريك الأب ووكيله) عقوبة التوريط (الانتماء العضوي). وهكذا لم يعد لشروط دراما عصاب الواقع أي أهمية تذكر..

في سياق روايات رحيم لا يوجد تمايز بين الوقائع والانطباعات، فهو كاتب تعبيري ينظر لكل شيء من خلال ما يتركه من أثر على جدار المعايشة.

لا جدار التخلف الحضاري في حالة البحث عن فضاء ثقافي، ولا واقع الاستهلاك في بلد من العالم الثالث، ويعيش على الاستيراد، أو بلغة مباشرة يعيش حالة التخلف بأقنعة متحضرة. ومثل هذه الندوب الفنية العميقة ألحقت بالرواية عدة إشكالات: عزلتها عن سياق روايات الواقع المشوش والمضطرب لبلاد الربيع العربي. مع أن سعد رحيم مولع بهذا الموضوع. وأذكر هنا رصيده المتراكم بهذا الخصوص في واحدة من أهم أعماله وهي «ظلال جسد ضفاف الرغبة» ثم «فسحة للجنون». وإن صدرت «فسحة» 2018، بعد «ظلال» 2017، فقد تناولت فترة زمنية سابقة عليها، وربما هذا يأتي في سياق تصفية الحساب مع الذاكرة المتجمدة، أو مع طريقتنا المونولوجية في إعادة تركيب تاريخنا الوطني المعاصر. فحجم الماضي دائما يغلب الحاضر، وأحيانا يبتلعه، حتى الحاضر ننظر له بصيغة ما مضى من أحداث أو مشاعر.

واقع افتراضي

في سياق روايات رحيم لا يوجد تمايز بين الوقائع والانطباعات، فهو كاتب تعبيري ينظر لكل شيء من خلال ما يتركه من أثر على جدار المعايشة. ولتوضيح الفكرة لا بد من أمثلة. إنه يضيف لروايته «ترنيمة امرأة» مقتطفات من نشرات الأخبار والصحف، ثم يعتمد في التكنيك على المحايثة والحلم، وحتى الأحلام تتداخل مع عالم الأمنيات. بطريقة من الطرق يبدو واقعه افتراضيا وعند حدود خيال الواقع العلمي. ويعود للتكنيك نفسه في «ظلال جسد» حينما يقدم لشخصية نسائية واحدة عدة وجوه، كل وجه يخص طرفا من أطراف الواقع، ولا سيما العلاقة العاطفية المضطربة بين مبدأ الموت والحب من ناحية، ثم الموت والتطهير (تنظيف الحياة) من ناحية. بكلمة مختصرة لا توجد دراما شخصيات في روايات رحيم، ولكن دراما مجتمعات وقطاعات أو صراع نماذج.
وهي كبوته في «لما تحطمت الجرة». لقد كانت النماذج غير مؤمنة بذاتها، ووضعت ثقتها كلها بالمثقف، الأستاذ باسم. فهو من فصّل لكل شخصية ثيابها، ومنح كل شخصية القناع اللازم لتؤدي دورها على خشبة الأحداث، ولذلك كان باسم من يخطط ويفكر بصوت مسموع ويتحرك، ويشاهد تفاصيل مكان الأحداث، البيت الكبير ببستانه الأخضر العازل الذي يحميه من النهر، وهو خط أحمر للمسلحين. هل البستان الأخضر كناية عن المنطقة الخضراء في بغداد؟ والبيت الريفي كناية ثانية عن مباني الحكومة؟ والنهر هو خط الحياة التي تجري في طريقها وتتحكم بواقع البلاد. وهل اختفاء الأب وعودته إيحاء ضمني أو غمزة تدين النخبة السياسية وتحملها عبء كل ما يحصل؟
ربما.. لكن لا أستطيع أن أفرض على سعد رحيم ما لم يفصح عنه. لا شك في أنه فكر في هذه الخطوط، إنما لم يقدم لنا أي دليل ملموس عليها، حتى أن المسلحين، وهم منبع ورصيد كل أعمال رحيم الأخيرة، تركوا وراءهم فراغا موحشا، ولم تملأه لا هلاوس المثقف الوجودي ولا ثرثرة بقية الشخصيات عن الطعام وجني النقود.
لقد نجح رحيم في نقطة واحدة في هذه الرواية، أنه كتب عملا خياليا في إطار واقعي. ولا أعتقد أنه يوجد ما يدعو للتأسف على هذه التجربة، فهي أقرب لرواية أجنبية دافئة وبسيطة. ويمكن القول إنها لم تختلف في إيقاعها الحسي الحافل بالنكوص والخسارة عن أي نوفيلا لفرانسواز ساغان. ويبدو لي باسم نسخة مذكرة من نساء ساغان. إنه مثلهن مدمن على الشراب، يخاف من التقدم بالعمر، ومن ترك نهايات مفتوحة بسبب العجز، ويخشى من قسوة الآخرين، ولذلك لا ينظر كثيرا في المرآة. ويختار المشاهدة على التورط والمشاركة. وهو أصلا من نصح الأبناء بالانتظار وراء البوابة الحصينة، حينما اندلعت في الحديقة زخة رصاص وظهر تابوت على الأرض.
وكشف عن مبررات هذا الموقف بقوله: إن مشكلتنا لا تتعلق باليأس أو بالتفاؤل ونحن لسنا مهيئين لعمل جبار منظم. ثم أضاف وهو يضحك كأنه يدلي بنكتة: التاريخ خذلنا.
ولا أعلم عن أي تاريخ يتكلم.. عن المغامرة الاجتماعية لجيله؟ أم عن صدمة الغرب واكتساحه لعقولنا ومظهرنا؟
ومن السخف أن تمر اللعبة على باسم، وهو صانع الدراما، وأن ينفذ رغبات والده ويحترق بها. لقد سخره منذ البداية مثل غيره، وقاده لمسلخه، وتركه تحت أنظاره. وإذا لم يرهبه بحد الساطور فقد وضعه تحت رحمة رقابته المرعبة والفاضحة.
وهذا الموقف الدرامي السلبي لا يدع لك مجالا لتعرف الحقيقة، ولا أن تشارك بتوجيهها، بل جعل من النهاية مأساة دامية ونقطة عيب تاريخي في شريحة المثقف وصورته، إن لم تكن وصمة عار بميثاقه الوطني. وربما كانت لدى رحيم نفسه شكوك بالثقافة الوطنية وواقعها، ولذلك اختار إدانة رمزها الوحيد في آخر مشهد من العمل كله.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية