التلفزيون المصري من «همت يا بنتي» إلى «قصواء يا جابر»!

حجم الخط
3

عندما قرأت حكايتها – التي مر عليها أكثر من سبع سنوات – تذكرت قصة كانت تروى على سبيل التندر من العصر الناصري، عندما تدخلت السلطة لتصدر فرماناً بوقف صحافي عن العمل، وكل جريمته أنه كتب نقداً لمذيعة!
الصحافي، هو موسى صبري، وقد كتب يصف صوت المذيعة همت مصطفى بأنه يشبه «صوت المعزة»، لكن سرعان ما عاد صبري للعمل، وتم تكريمه بتولي رئاسة تحرير جريدة «الجمهورية»، لسان حال الثورة، وبترشيح من القائم عليها، وهو صلاح سالم، الذي كان في الوقت نفسه من الضباط الأحرار، وبدأ نجم موسى في الصعود في عهد السادات، لأنهما كانا قد تعارفا في السجن، وواصلت المذيعة همت مصطفى الصعود أيضاً، فتتولى رئاسة التلفزيون، وكانت المذيعة المفضلة لدى السادات، وهي من كانت تحاوره تلفزيونياً، ويخاطبها «همت يا بنتي»، ولم يستوعب المصريون هذه المعاملة، فاعتبروها للتستر على وضع لا يصح الجهر به، ومن الإسكندرية إلى أسوان، كان المستقر في وجدان الناس لا يتزحزح، أن همت هي زوجة السادات السرية، لهذا النفوذ الذي بدأ معها في البداية واستمر معها بعد ذلك، وظل الخطاب: «همت يا بنتي» يردده المصريون لسنوات طويلة على سبيل التندر. وبعد سنوات، أراد توفيق عكاشة أن يقلد هذا المشهد، مع جارته بالجنب «حياة»، لكن دون لقب «حياة يا بنتي»، كانت تتلبسه روح الرئيس فتكون «حياة» بدون ألقاب، ويتواضع أحياناً فتصبح «الأستاذة حياة»!
الأيام أثبتت أن نفوذ همت في الأولى، الذي أوصلها إلى حد تدخل رأس الدولة ووقف صحافي في مؤسسة «أخبار اليوم» عن العمل، كان لأنها زوجة ضابط مخابرات، وقد ذهب للحكام الجدد شاكياً، ولأنهم ضباط مثله، فقد اندفعوا لنصرته، وقد رحل الرئيس السادات، وتبين أن علاقة بينه وبين «همت يا بنتي»، كالتي شاعت من الإسكندرية إلى أسوان، لم تكن صحيحة، ولم يكن خطابه لها إلا أنه كان يعيش داخل فكرة «كبير العائلة»، و»كلكم أولادي»، وحتى عندما كان في أوج غضبه من شباب الجماعات الدينية، لم يتوقف عن خطاب الأب معهم، فيخاطبهم بـ «أولادي المغرر بيهم»، ولكن في المقابل فإن فريقاً كبيراً من المصريين، لا يروق له الغامض من الأمور، فإن وجدوا فراغات انشغلوا بملئها، لتصبح «همت يا بنتي» بهدف التستر على زيجة سرية!

رحلة البحث عن قصواء

تذكرت قصة «همت يا بنتي»، في رحلة البحث عن المذيعة «قصواء»، صاحبة النفوذ الكبير، وكنت في جولة بين القنوات التلفزيونية، فاستوقفني وجود الثلاثي الصحافي في استوديو أحد البرامج وهما: خالد البلشي نقيب الصحافيين الجديد، ومنافسه الذي لم يحالفه الحظ خالد ميري، والنقيب المنتهية ولايته ضياء رشوان، فاذا بالقناة هي «سي بي سي» المملوكة للشركة المتحدة، والبرنامج اسمه «مع قصواء»، فمن «قصواء» هذه يا إلهي؟!
تسمى البرامج التلفزيونية بأسماء مقدميها عندما يكونوا أصحاب أسماء أكثر من لامعة، ولا أتذكر الآن أحداً من مقدمي البرامج الذين تعتمدهم السلطة أبواقاً لها يحمل برنامجه اسمه، فعندما نشاهد مذيعة لن أقول إنها ليست خديجة بن قنة، فخديجة تعمل في قناة كبيرة لها قواعد ضابطة، لكنها ليست في شهرة وأقدمية لميس الحديدي، ومع هذا يصبح البرنامج باسمها، وملكية خاصة بها وليس مملوكاً للقناة، فإذا غابت، غابت برنامجها، وإذا غادرت غادر معها، واذا ذهبت الى قناة أخرى كان معها اسم برنامجها «مع قصواء»، فمن الطبيعي أن يكون السؤال: من «قصواء» يا قوم؟!
ذهبت إلى محرك البحث الشهير، لعلي أجد على النار هدى، فلم أخرج سوى بمعلومتين ليست لهما قيمة مضافة تبرران «مع قصواء»، فهي عملت في التلفزيون المصري، فحتى توفيق عكاشة عمل في التلفزيون المصري، وقد وضعت الشركة المتحدة يدها على تلفزيون الدولة بهدف تطويره، إلى درجة الاستعانة بإعلامي من الخارج لتقديم برنامج الـ»توك شو»، هو وائل الإبراشي، فلما أصيب بكورونا حل محله بشكل مؤقت يوسف الحسيني، وهو وإن كان عمل في ماسبيرو، فقد كان في الإذاعة، وليس في التلفزيون، فما بالهم يستوردون قطع الغيار من الخارج، وفي التلفزيون المصري تعمل قصواء، وهم يرونها على قدر كبير من الكفاءة المهنية، إلى حد منحها برنامجاً من بابه، ويحمل اسمها «مع قصواء»، أم أن قواعد العمل في التلفزيون المصري لم تكن تمكنهم من هذا التصعيد المبالغ فيه، وهناك من هو أقدم منها؟ فلن يكون منطقياً أن تقدم برنامجاً باسمها هكذا، كما يريد المخرج، فمن «قصواء»، ولم نسمع عن دور لها مثلاً في فترة حكم الإخوان، مثل صحافية جريدة «الوطن»، التي كانت تكتب أخبار التوجيه المعنوي ضد الرئاسة منسوبة لمصادر عسكرية رفضت ذكر اسمها، يومئذ طالبت الحكم الإخواني بالانتباه إلى ذلك، لكن القوم كانوا في اطمئنان بالغ، فلم يشغلهم ما كنا نقوله!
و»قصواء» كذلك، ليست هي المحررة العسكرية لجريدة «المساء» سامية زين العابدين، التي جمعت حولها من أسمتهم بأولاد مبارك وتظاهرت تحت لافتات «إحنا آسفين يا ريس»، ثم فقدت زوجها العميد عادل رجائي في عملية إرهابية، فمن تكون «قصواء»، وما هو وزنها النسبي في مجال الإعلام؟!
المعلومة الثانية، ويبدو أنها من كتبتها عن نفسها أنها أول مذيعة بدوية، ومنذ متى هذه المحاصصة يعرفها مجال الإعلام في مصر؟ وماذا فيها ليمثل انتماؤها البدوي إضافة، وهي لا ترتدي الملابس الشعبية للقوم، ولا تتحدث لهجمتهم، ثم إنها ليست معلومة دقيقة، فأحد رموز الإعلام في زمن الريادة في التلفزيون المصري هو حلمي البلك، وهو من سيناء، وتعمل ابنة شقيقته مذيعة في الإذاعة «هالة رستم» قبل سنوات طويلة، ومن المؤكد أن هناك من ينتمون للبدو على مدى التاريخ يعملون في المبنى التاريخي «ماسبيرو»، لكن لا نعرفهم جميعهم، لأن الموضوع ليس خبراً بلغة الإعلام، ليكون أول صعيدي، وأول نوبي، وأول بحراوي، وأول بدوي!
اللافت في هذا كله ليس فقط في أنها تقدم برنامجاً من بابه، أو أن هذا البرنامج يحمل اسمها، ولكنها تبدو على راحتها، فدائمة الابتسام المبالغ فيه وهي لا تقدم برنامج منوعات، وضاحكة مستبشرة ومشغولة بنفسها أكثر من انشغالها بموضوع الحلقة، الذي لم يكن معالجة الكوميديا في أفلام إسماعيل ياسين مثلاً لتبدو هكذا، ثم تكون المفاجأة بأن المرشح الذي لم يحالفه الحظ يقول لها إنه قرأ مقالها الأخير. يا إلهي إنها تكتب مقالات أيضاً؟!

أزمتها مع جابر نصار

عندما سألت من تكون «قصواء» هذه، ألقى لي أحد المعلقين بخيط أزمتها مع رئيس جامعة القاهرة السابق، جابر نصار؟ هل تذكرونه؟ هذا الذي كان عنصراً في جبهة الإنقاذ التي خرجت على إرادة الشعب ومثلت غطاء مدنيا للإنقلاب العسكري، وكانت مكافأته رئاسة جامعة القاهرة، وكان المتوقع أن يكون وزيراً للتعليم في مرحلة تالية، فقضت «قصواء» على مستقبله الوظيفي والسياسي، وخرج على بيته ولا نعرف السبب، الذي عثرنا عليه بعد كل هذه السنوات من البحث والتنقيب!
لقد سعت اليه لنقل شقيقتها الطالبة في جامعة إقليمية، إلى جامعة القاهرة، بالمخالفة لقواعد التوزيع الجغرافي، ورفض، لتسوى لها حلقة خاصة تتهم جابر نصار فيها بأنه إخوان، والذي يطلع أحد المنتجين بأحد البرامج على الرسائل، فإذا هي تهدده بأنها مذيعة برئاسة الجمهورية، وأنها أستاذة الإعلام العسكري، والكاتبة في اليوم السابع، وإذا لم يوافق فسوف تأتي له بموافقة رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وصمد جابر نصار، فهو شريك في الحكم، وكانت الواقعة في 2015، حيث الآمال العريضة بأن هذا الحكم من انتاجهم، وبالفعل حصلت على موافقة رئيس الحكومة، وتم عزل جابر نصار، وسط دهشتنا، ولم نعرف السر، وأنه نفوذ «قصواء»، والذي انتقل بها من القنوات الأرضية إلى السماوات المفتوحة (بحسب تعبير صفوت الشريف)، ليكون لها برنامج، وهذا البرنامج (ملاكي) باسمها، بينما جابر نصار في بيته يغني مع العندليب: «ظلموه»!
يعترف الجنرال بفشل اعلامه، وفي الأسبوع الماضي تلقى هذا الإعلام درساً قاسياً يؤكد هذا الفشل، برسالة الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين، فقد احتفت القنوات التلفزيونية بمرشح واحد هو مرشح السلطة على مقعد النقيب، ومع هذه الدعاية المكثفة، والتجاهل التام للمرشح المنافس، نجح المرشح، الذي لم تستضيفه القنوات التلفزيونية ولم تنفخ فيه من روحها!
آسفين يا جابر!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية