«التنورة» فن التخلص من الطاقة السلبية والطفو فوق السحاب

كمال القاضي
حجم الخط
0

لم تخل الطقوس الاحتفالية الدينية من عروض التنورة للراقصين المُحترفين الذين يؤدون الرقصات على إيقاعات خاصة توحي بالنزعة الصوفية التي تتملكهم ويسبحون بمقتضاها في عوالم غيبية فلسفية تساعدهم على التخلص من أدران الذنوب والمعاصي وفق اعتقادهم، وهي عملية روحانية بحتة يدخلها الراقص بإرادته في بادئ الأمر ثم سرعان ما يندمج ويُصبح جزءًا من الحالة لا فاصل بينهما سوى هامش الوعي الذي يُمكنه من العودة مرة أخرى إلى ذاته الطبيعية إذا ما انتهى من رقصته وأدرك وجوده الواقعي على الأرض وبين الناس.
وللتنورة شروط ومعايير يخضع لها الراقص حين يمارس فنه الاستثنائي الخاص. فهي شكل من أشكال الفولكلور المصري المُرتبط بالوازع الإيماني، حيث تتطلب المُمارسة مرجعية ثقافية واجتماعية ولا بد لمن يحترفها بأن يكون على دراية بأبعادها الدينية والفلسفية، إذ تُعبر حركات الراقص الدائرية عن بداية ونهاية الكون عند نقطة واحدة بحسب زعم البعض، ولابد لرقصة التنورة من مُصاحبة الدفوف الضابطة لإيقاع الحركة والموقظة لإحساس الراقص الذي يرتدي جلباباً أبيض وطربوشاً طويلاً بموصفات شكلية تُشير إلى هيئته كعارف بالله يتلو الأناشيد ويردد المدائح النبوية في ورع وانسجام فهو لا يُمثل نفسه في وقت الهيام، وإنما يرتقي إلى درجة إيمانية أعلى من ذاته الشهوانية الآثمة فيُحلق في فضاء الفضيلة وعالمها اللانهائي.
وكي يُحقق غاية الارتقاء يأخذ في ذكر ما يتصل بصفات الكمال الإلهي كالكرم والحكمة والسلام والحق والعدل والجمال، وفي أثناء عملية دورانه يرسم الراقص مع مجموعات أخرى من الراقصين أشكالاً فنية على هيئة لوحات يوحي كل منها بمعنى وإحساس معين يكون أقرب إلى دلالات الفكرة الإنسانية الداعية إلى السماحة والمودة والحب ونبذ الكراهية والعنف والخوف والضغينة والحسد إلى آخر الصفات الذميمة المرفوضة.
ويرجح البعض في التأريخ لرقصة التنورة أنها تعود إلى الطُرق الصوفية المولوية ويُنسب تأسيسها إلى جلال الدين الرومي، وأن تسميتها بالمولوية مُشتق من كلمة مولانا وهي التعظيم والإكبار لشيخ الطريقة وصاحب الفضيلة والكرامة تبركاً وتيمناً وتبجيلاً، بيد أن آخرين يرونها ثقافة وافدة من بلاد الأتراك انتقلت إلى مصر في عهد محمد علي باشا وكانت رقصة التنورة حينئذ تُعد وسيلة للتخلص من أجواء التوتر والضيق للاعتقاد بأن ذلك ناتج عن ذنب مُقترف ولابد من التخلص منه بالذكر والحركة الدائرية كإشارة لبداية الكون ونهايته عند نقطة الارتكاز في المُنتصف كما هو مذكور سلفاً.
وتنتشر رقصة التنورة في الموالد السنوية التي تُقام في القاهرة لإحياء ذكرى مولد السيدة زينب ومولد الإمام الحسين، ويشتهر راقصوها بأن لهم مريدون ومعجبون من سكان هذه المناطق الشعبية ومن حولها فهم شديدو الارتباط بالاحتفالات والموالد ومن عشاق فن التنورة القائم من وجهة نظرهم على الذكر والمديح والابتهال إلى الله ومن ثم فهو يقربهم إلى فعل الخير ويبعدهم عن المعاصي والشرور ووساوس الشياطين.
ولكثرة شعبية هذا الفن أدخلته فرقة رضا الاستعراضية ضمن برامجها الأساسية واستعانت بكبار الفنانين لتقديم فقرات مطولة للجمهور في لياليها الاحتفالية، وعملت على تدريب عدد من المواهب في هذا اللون ليكونوا امتداداً لكبار الراقصين والفنانين، ويبدأ المُدربون في إعداد الموهبة المؤهلة للرقص والمتوافر فيها شروط اللياقة والرشاقة والخفة والقدرة على التوازن من سن عشر سنوات، فإذا ما وصل إلى الخامسة عشرة وكان قد اجتاز كل الاختبارات واستوفى كل التدريبات صار راقصاً يُعتمد عليه في مواجهة الجمهور وإقناعه بفنه وإبهاره بمستواه وهي طريقة مُتبعة ومضمونة النتائج في أغلب الأحيان.
ولم يقتصر نشاط الراقصين على تقديم العروض المحلية في المحافظات والأقاليم المصرية فقط، وإنما يمتد نشاطهم إلى المشاركات الدولية عبر المهرجانات والاحتفالات الكبرى، وربما يصل بعضهم إلى المستوى العالمي فيذهب إلى تقديم فنه خارج المحيط العربي في دول أوروبا وآسيا والولايات المُتحدة الأمريكية، والكثير من الراقصين حققوا نجاحاً مُبهراً في ميادين المنافسة الدولية والعالمية.
وقد تنوعت التنورة في أشكالها وألوانها فبدأت بالجلباب الأبيض والطاقية وتطورت إلى شكل آخر فخرجت عن نطاقها التقليدي لتنقسم إلى قطعتين، القطعة الأولى هي الصديري والقطعة الثانية هي الجونلة ذات الألوان الزاهية والنقوش المزركشة وتُصنع خامتها من قماش التنورة الثقيل المحكوم بحزام من أسفل ويتم تصميمها بطريقة معينة تسمح باتساعها لتُصبح على شكل فراشة أثناء الدوران، ويُمكن للراقص ارتداء قطعتين أو ثلاث من التنورة يؤدي بهم رقصاته ويخلعها تباعاً في حركات بهلوانية سريعة تدل على المهارة والتحكم.
وبينما هو يرقص مُنتشياً يُمكنه أيضاً الإمساك بأكثر من دُف للتحكم في الإيقاع والاتزان وسرعة الحركة، وقبل نهاية الرقص يبدأ الراقص في التخلص من حمله الثقيل فيخلع تنورة تلو الأخرى وحين تتبقى القطعة الأخيرة يكورها في يده لتكون في حجم الطفل الصغير كأنها الإشارة لميلاد جديد وهي لغة رمزية يعرفها أصحاب المهنة ومحترفو الفن النوعي الجذاب والمُختلف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية