تتبدى أعمال الفنان التشكيلي أحمد القاضي مثقلة بالإشارات، لوجود أنساق باطنية بأبعاد ودلالات وإيحاءات، نتيجة تحطم الألوان والأشكال والعلامات والرموز فوق الأبيض، لتحدث حركات متتالية تقود إلى الانزياح نحو تعددية القراءة. والفنان بذلك يبلور العملية الإبداعية، وفق أسلوب حروفي يؤسس لأرضية دلالية في التشكيل الموسيقي المعاصر. فهو يحمل المتلقي إلى عمق الصورة التعبيرية المتحركة المتحررة مطلقا من كل القيود، في حرية تأخذ بعين الاعتبار الصيغ الجمالية وآفاقها اللامتناهية. وهذا المنحى يشكل قضية حروفية في أعمال الفنان التشكيلي أحمد القاضي، لأن المعجم الحروفي والجمالي والموسيقي لديه مثقل بحمولات ثقافية وقيم دلالية، يشيئ لها من التقنية المستعملة والمواد الحديثة، ما يلائم الأهداف التنغيمية اللونية والعلاماتية والرمزية التي يرغبها، حيث يناغم أعماله بين إيقاعات الحروفيات والعلامات والدوائر بكل مقاييسها، ومختلف الأشكال والزخارف الهندسية الخفيفة، ويشابك الخطوط ببعضها بأساليب حديثة، ما يحدث تعبيرا حركيا وموسيقيا متناغما، يبسطه بأشكال تعتمد الكثافة وفق طبقات متفاوتة، لكن باعتماد الترقيق والتخفيف على المستوى الحروفي.
وبذلك ففي القاعدة النقدية يبدو أن الفضاء التشكيلي لديه يحتمل إطلاق سراح الحرف ويحرره من كل القيود، ولذلك يتبدى في أعماله التنوع في الشكل وفي الكثافة والتموقع اللوني والحروفي، الشيء الذي يتيح للمجال الحروفي الانتعاش بنغمات موسيقية وأشكال متنوعة تحرك الفضاء إلى أبعد الصيغ، وتمنحه الحيوية، فضلا عن بعض الاختراقات الضوئية، التي تشكل علامات أيقونية لها دلالتها في النسيج اللوني وفي التأثير في الحركة.
كما أن تثبيت الرؤى التعبيرية والأشكال الرمزية الدلالية، وبسط كل مقومات الانسجام في العمل، يستهدف تحقيق التوازن بين كل المكونات والعناصر التشكيلية والمفردات الفنية، وهي طريقة تنجز وفق مجموعة من الآليات التي يوظفها المبدع في أبهى الصور، كالتنغيم والتباين والتكامل والانسجام والتجميعات اللونية والكتل والأشكال الزخمية، والتحوير، وانتقاء الألوان من جنسها، وتثبيت العلاقة بين الجماليات الحروفية بمطاوعاتها للتشكيل المعاصر، في إطارها الرمزي المجرد، وفي قيمتها الفنية والجمالية، وفي موسيقيتها وغنائيتها الخفية، وإيقاعاتها وتبادلاتها واسترسالاتها ونسبها وحركياتها وتركيباتها وكل أساليبها الموسيقية، وجماليات التشكيل والتعبير، وإحداث توليفة بين كل هذه العناصر بنوع من التوازن والدقة. وهو ما يمنح أعماله رونقا وجمالا.
إن أعمال الفنان أحمد القاضي في مجملها تحكمها التقنيات العالية والمؤهلات الكبيرة، ويحكمها الالتزام بالضوابط الجمالية للحروفية العربية. يفصح عن ذلك التركيب اللوني المدجج بالحروفيات المقيدة باللوازم الفنية المعاصرة، وهو ما يؤشر إلى أن المبدع يتجاوز التقييدات ويسبح بالتشكيل الخطي في الفضاء بحرية، ويتقصد الروح الجمالية للخط العربي بقدرة إبداعية تسهم في التنوع الدلالي، ما ينم عن وعي الفنان بمختلف وضعيات الحروفية العربية، وما تنطوي عليه من جماليات، ولذلك؛ فهو يطوع الحروف للألوان والأشكال، ويطوع الألوان للخدمة الحروفية، ويؤلف جملة من التناسقات بين الأشكال والخطوط، والمادة التشكيلية المعاصرة، بل يطلق العنان للحرف ليسبح بتلقائية في فضاء تشكيلي غير محدود، وبذلك يطرح أعماله ضمن سياقات تعبيرية متجددة، تتجاوز المجال الكلاسيكي إلى المجال التشكيلي التعبيري الحروفي المعاصر.
ولعل التوظيف الجمالي للألوان الممزوجة بالأشكال التعبيرية والرمزية ذات المعالم الإيحائية، تمنح أعماله مقاربة مفاهيمية تؤطرها السيولة اللونية، باعتمادات الدوائر وأنصاف الدوائر على مستوى اللون، وعلى مستوى أشكال الحروف، وتستحوذ على معظم الفضاء، ويغلب عليها التنوع، بتركيبات فنية وجمالية تتناغم وتتوالف وتنسجم فيها كل مقومات العمل الحروفي الإبداعي، الذي يوحي بالحركة ويبعث صدى موسيقاه في أشكال جديدة، تتمظهر بعمق ونوعية في الرؤية التشكيلية المعاصرة، وفي وضع عناصر العمل بألوان منسجمة، وبطبقات خفيفة وأشكال متعددة فارقة، وكتل لونية منزوية في خانات شكلية، بصياغة وتنغيم ونظم منسجم مع كل المكونات الجوهرية، تحرك تلك الكتل عبر مساحات متقاطعة بكتل أخرى، وبذلك تتبدى لوحات المبدع انعكاسا خطيا وحروفيا يختزل العديد من المعالم، ويبث مجموعة من القيم بتقنيات عالية، وانسيابية وانطباعية مؤطرة على نحو من التروي والدقة والموازنة، بين المادة خطية القوية، والأصناف التعبيرية، والأشكال والألوان والعلامات التي تشكل في غالبها جماليات رائقة، وأسّا يزاوج بين الخيال والمادة التشكيلية. الأمر الذي يستقطب عين القارئ ويبحر بها في تلك الجماليات التشكيلية.
كاتب مغربي