التوتر في العلاقات بين تونس وواشنطن سحابة صيف عابرة أم عاصفة تنذر بتحولات في الدبلوماسية التونسية؟

روعة قاسم
حجم الخط
2

دعت منظمات وطنية إلى رفض تعيين جوي هود سفيرا لأمريكا في تونس، وأكد البعض على أن الضغوط تمارس على تونس لأنها ترفض أن تنخرط في المسار التطبيعي مع إسرائيل.

تونس ـ «القدس العربي»: تشهد علاقة تونس بالولايات المتحدة الأمريكية فتورا لافتا في الفترة الأخيرة تسببت فيه التصريحات المثيرة للجدل الصادرة عن أكثر من مسؤول أمريكي والمنتقدة للعملية السياسية في تونس. وقوبلت هذه التصريحات بانتقادات واسعة من الجانب التونسي ممثلا برئيس الجمهورية ووزير الخارجية وكبرى المنظمات الوطنية الفاعلة التي عبرت عن رفضها القاطع للتدخل في الشأن الداخلي التونسي. في حين انتقد البعض هذا التصعيد الرسمي والشعبي التونسي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت بعد تراجع التصنيف الإئتماني السيادي لتونس بعد الثورة، الضامن الوحيد للخضراء أمام الصناديق والبنوك المانحة.

وللإشارة فإن العلاقات التونسية الأمريكية قديمة وعريقة ومتميزة وتعود إلى سنة 1799 تاريخ توقيع أول اتفاقية صداقة وتجارة بين البلدين، وقد مكنت هذه الاتفاقية من بعث أول قنصلية أمريكية بتونس سنة 1800. وفي سنة 1805 استقبل الرّئيس الأمريكي توماس جافرسون أول مبعوث خاص من تونس، وفي سنة 1865 أي مباشرة بعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية تم تعيين أول سفير تونسي لدى الولايات المتّحدة الأمريكية.
وعندما احتلت فرنسا المملكة التونسية سنة 1881 قادمة من الجزائر التي كانت مقاطعة فرنسية في ذلك الوقت، كانت واشنطن سندا للتونسيين في معركة استقلالهم ضد الاستعمار، وضغطت بعد تأسيس الأمم المتحدة سنة 1945 دعما للقضية التونسية ضاربة عرض الحائط بعلاقاتها مع باريس. كما دعمت الولايات المتحدة دولة الاستقلال في تونس، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، في عملية البناء للحيلولة دون تمدد النفوذ السوفييتي في شمال أفريقيا خاصة وأن تونس تشرف مع إيطاليا على مضيق صقلية الذي يعتبر مفتاح السيطرة على البحر الأبيض المتوسط وهمزة الوصل بين مضيق جبل طارق وقناة السويس.

جارة الأسطول

كما تعتبر واشنطن في عديد التقارير السرية المفرج عنها والمنشورة من قبل عدد من مراكز البحوث والدراسات، أن تونس، الدولة الجارة لأسطولها السادس المرابط بالسواحل الإيطالية قرب مضيق صقلية، لا تقل أهمية عن المكسيك وكندا من الناحية الأمنية. فأمن الخضراء من أمن الأسطول الأمريكي السادس المخصص لمنطقة البحر الأبيض المتوسط والذي يمكن استهدافه بسهولة من الأراضي التونسية في حال فلتت الأمور وعمت الفوضى في ربوع الخضراء. لذلك منحت الولايات المتحدة الأمريكية لتونس صفة الشريك الإستراتيجي من خارج حلف الناتو من دون أن تقوم تونس بطلبها خلافا لبلدان أخرى أكثر ثروات وأكثر أهمية من الخضراء من حيث التأثير الإقليمي والدولي، طلبت هذه الصفة رسميا من الأمريكان وتلكأت واشنطن في منحها إياها أو رفضت ذلك تماما.
وبالتالي ترى الولايات المتحدة أن عليها واجب الدعم في حفظ أمن واستقرار تونس وعدم ترك الأمور تنفلت باتجاه الأسوأ على غرار ما حصل في اليمن وسوريا وليبيا. وفي سبيل ذلك تهتم الولايات المتحدة بجهوزية المؤسسة العسكرية التونسية من حيث التسليح والتدريبات المشتركة الدورية، كما تهتم بدعم الاقتصاد التونسي باعتبارها باتت الكفيل والضامن لتونس أمام المؤسسات المالية الدولية في حال تم التقدم بطلب قرض. فقد تراجع التصنيف الإئتماني السيادي للخضراء بعد الثورة وتراكمت عليها الديون وباتت بحاجة إلى صندوق النقد الدولي وإلى مؤسسات مالية أخرى لدعم اقتصادها المنهك بفعل كثرة الاضطرابات جراء العشرية الثورية.
كما ترى واشنطن أن عليها دعم الديمقراطية في تونس وهي راعية لمشروع ما يسمى «الربيع العربي». وبما أن هذا الربيع تحول إلى خريف دموي في أكثر من بلد عربي فإن واشنطن على ما يبدو ترغب في إنجاحه في تونس بكل الوسائل حتى وإن اضطرت إلى التصدي إلى كل من يرغب في إجهاض هذا «الربيع» بمحاولة العودة بالبلاد إلى الديكتاتورية.

الموقف الأمريكي

صدرت مؤخرا تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن أدلى بها في حفل للقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا انتُظم بمقر القيادة في ألمانيا، وجاء فيها أن «حلم تونس بحكومة مستقلة أصبح في خطر» وأنه «يمكن للأمريكيين أن يشعروا بتلك الرياح المعاكسة في تونس، التي ألهم شعبها العالم بمطالبته بالديمقراطية» على حد تعبيره. كما أكد أوستن أن «بلاده ملتزمة بدعم أصدقائها في تونس، وفي أي مكان في أفريقيا ممن يرغبون في إقامة نظم ديمقراطية منفتحة تخضع للمحاسبة ولا تستثني أحدا» وذلك في إشارة ضمنية إلى الرئيس التونسي قيس سعيد الذي استثنى نفسه في الدستور الجديد من المحاسبة والرقابة.
كما صبت في هذا الإطار أيضا تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن التي أدلى بها مباشرة بعد استفتاء التونسيين على مشروع الدستور والتي عبر فيها عن قلقه بشأن الديمقراطية في تونس. وجاءت هذه التصريحات بعد خطاب مثير للجدل ألقاه المرشح ليكون السفير الأمريكي الجديد في تونس، جوي هود، أمام الكونغرس. والذي أكد فيه أنه سيستخدم جميع أدوات النفوذ الأمريكي للدعوة إلى العودة إلى الحكم الديمقراطي وتخفيف معاناة التونسيين من حرب بوتين المدمرة، وسوء الإدارة الاقتصادية، والاضطرابات السياسية، على حد تعبيره.

جدل السيادة الوطنية

ويبدو الطرف التونسي، ورغم إدراكه لحقيقة حجمه الدولي ولعدم التكافؤ في موازين القوى بينه وبين سيدة العالم، لا يقبل بالانتقادات والإملاءات الأمريكية ويرفضها بصورة قطعية. فقد أعرب ساكن قرطاج عن رفضه لتصريحات المرشح ليكون سفير واشنطن في تونس، وقام وزير خارجيته عثمان الجرندي باستدعاء القائمة بالأعمال بالنيابة في السفارة الأمريكية في تونس للاحتجاج أمامها على تصريحات جوي هود.
كما انتفضت منظمات وطنية عريقة وفاعلة ومؤثرة في تونس على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين وغيرها ضد التصريحات الأمريكية الصادرة من هنا وهناك. فقد دعت هذه المنظمات إلى رفض التدخل في الشأن الداخلي التونسي وإلى رفض تعيين جوي هود سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في تونس، وتم التطرق أيضا إلى ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني وأكد البعض على أن الضغوط تمارس على تونس لأنها ترفض أن تنخرط في المسار التطبيعي.
فقد جاء في تصريح للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي أن السفير الأمريكي الجديد يريد فرض التطبيع على تونس وتحويلها إلى ولاية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، واعتبر أن خلاف الاتحاد مع من يُسير البلاد في وجهات النظر، ويقصد الرئيس قيس سعيد، لا يعني أنه إذا تعلق الأمر بالسيادة يمكن للمنظمة الشغيلة أن تساوم. وجاء في بيان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن الرابطة تدعو الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى عدم قبول وثائق اعتماد السفير الأمريكي المقترح باعتبار أن تصريحاته مست من السيادة الوطنية، كما أنه دعا، وحسب ما جاء في البيان، إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي ترفضه الرابطة بصورة مبدئية وقاطعة.

تحصين الجبهة الداخلية وإنهاء الانقسام

ويقول الناشط الحقوقي والمحلل السياسي صبري الثابتي لـ«القدس العربي» إن الأجدى هو تحصين الجبهة الداخلية. مضيفا بالقول: «فالتراجع الذي تشهده تونس في جميع المجالات يقتضي الرصانة، حتى تمر العاصفة ويستعيد البلد توازنه ويتخلص من التبعية لصندوق النقد الدولي والدول الفاعلة داخله. وساعتها فقط يمكن الرد بكل تلك الشراسة وتحدي الجميع بما في ذلك القوى الكبرى التي تتدخل في الشؤون الداخلية لأغلب بلدان العالم الثالث».
ويرى الثابتي أنه بإمكان تونس أن تغير من تحالفاتها الإقليمية والدولية في حال تم رفض القرض الذي طالبت به من صندوق النقد الدولي. فهناك دول أخرى عبرت عن رغبتها في دعم تونس اقتصاديا وعسكريا من دون أن تشترط عليها التطبيع أو الإنخراط في مسار سياسي بعينه ترى واشنطن أنه الأمثل لترسيخ الديمقراطية في تونس، وفق قوله.
وأكد الثابتي ان الأجدى هو الإلتفات إلى الداخل للبحث عن الإجماع بين أغلب القوى السياسية على هذا المسار خاصة وأن الاستحقاقات الانتخابية على الأبواب ومقاطعة أطراف سياسية لها، على غرار ما حصل مع استفتاء الدستور، سيمس من مصداقية تونس مع شركائها الإقليميين والدوليين. فالإنقسام- حسب الثابتي – هو سبب البلاء، وهو الذي فتح الأبواب على مصراعيها للتدخلات الخارجية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية