تونس ـ «القدس العربي»: يتصاعد الاهتمام بموضوع الصحة الإنجابية والجنسية الشاملة في المجتمع خاصة لدى النساء لما له من أهمية في الكشف المبكر عن عديد الأمراض وبالتالي المساهمة في نيل الحق المتعلق بالعلاج الكامل منها. وقد أطلقت مؤخرا عدة منظمات مجتمع مدني في تونس حملات توعية تخص العديد من الأمراض المتعلقة بالصحة الإنجابية والجنسية والتحديات التي تطرحها بسبب الإهمال أو نقص المعرفة العلمية بها مما يتسبب في تعاظم المشكلات المتعلقة بالصحة الإنجابية.
وقد اشتغلت منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان في تونس على التوعية والتثقيف الصحي والعلمي. وأصدرت المنظمة بالتعاون مع أخصائيين كتيبا خاصا يتعلق بطرق التغطية الإعلامية لمختلف الأمراض والوقاية منها وكذلك يعرض كافة المؤسسات الحكومية المعنية بالاهتمام بالأسرة والصحة الإنجابية.
توعية إعلامية
الأخصائية النفسية والمدربة في الصحة الإنجابية والجنسية مريم مزوغي توضح لـ«القدس العربي» أن التطرق للصحة الإنجابية والجنسية في وسائل الإعلام هو من الأهمية بمكان نظرا لتصاعد مخاطر اهمال عديد الأمراض وتجاهلها وتقول: «إن كل المواضيع المتطرقة للصحة الشاملة مهمة في وسائل الإعلام من أجل التوعية بمخاطرها أو بتأثيراتها ولكن الأهم هو الحديث عن الصحة الإنجابية والجنسية نظرا لأن هناك معلومات خاطئة أو منقوصة. لذلك تزداد مخاطر تفاقم هذه المشكلات في حال عدم التطرق إليها من جانب علمي وصحي واجتماعي». وتضيف: «إن الحديث عن هذه الأمراض والمشكلات في وسائل الإعلام مهم جدا ولكن يجب أن يحظى الصحافيون بتدريب خاص للتمكن من التطرق لمختلف المواضيع الحساسة والهامة على السواء، مثل كيفية التعامل مع الأخصائيين في الصحة الإنجابية الذي يعد عالما واسعا يشمل العنف وورم عنق الرحم والعدوى المنقولة جنسيا وغيرها من الأمراض والمشكلات الصحية».
وتعتبر مزوغي بأنه لا يمكن اليوم الحديث عن أمراض صعبة مثل ورم الثديين وورم عنق الرحم إعلاميا من غير ان تكون هناك دراية ومعلومات دقيقة عنها. والمعروف أن العديد من النساء لا يتحصلن على المعلومات الكاملة والشافية حول هذه الأمراض وذلك يمثل خطرا على حياتهن. لذلك فإن تجاهل أهمية القيام بتقص متواصل عن ورم الثدي منذ عمر العشرين عاما يمكن أن يسبب مضاعفات كبيرة خاصة عندما يتم الكشف عن أي ورم في مرحلة متأخرة. وتتابع بالقول: «لذلك فإن الثقافة الجنسية والإنجابية يمكن أن تنقذ حياة الآلاف من النساء سنويا. فالإعلام يلعب دورا هاما كوسيط بين المختصين في الصحة الإنجابية وبين عموم المتابعين في المجتمع بكل فئاتهم ودرجات ثقافتهم. ونعرف أنه من المهم ابتداء من سن العشرين الشروع بالتقصي المبكر عن ورم الثدي أو عنق الرحم لدى الفتيات والنساء».
علاج نفسي وفيزيولوجي
أما فيما يتعلق بورم عنق الرحم مثلا فالمعلومات عنه لا تزال شحيحة لدى العامة وهناك عدم دراية كبيرة به لدى الرأي العام. ولئن خصصت حملات سنوية للتوعية بأورام الصدر مثل «أكتوبر الزهري» فإن ورم عنق الرحم لا يزال من المواضيع المسكوت عنها إعلاميا ولا تصل المعلومات المتعلقة به والهامة للنساء من قبل الأخصائيين الطبيين المسؤولين عن الكشف عن هذه الحالة وطرق علاجها. وهذا الأمر ينطبق أيضا على الأمراض المنقولة جنسيا وكيفية الحماية والوقاية التي يجب ان تصل لكل الفئات عبر الإعلام المكتوب والسمعي والبصري وفق محدثتنا. فالحديث عن الصحة الإنجابية والجنسية بطريقة صحيحة وعلمية يمكن أن يساهم في إنقاذ أكبر عدد من المرضى.
مخاطر الجهل العلمي والصحي
وتوضح الأخصائية النفسية بأن العديد من النساء مثلا يجهلن إصابتهم بتكيس المبايض وهو ما يؤدي لصعوبة العلاج في مرحلة متقدمة من المرض. وتوضح بالقول: «المعروف ان هناك ظواهر معينة تظهر للنساء المصابات بهذا المرض مثل السمنة ولكن هناك عديد النساء أيضا لا تظهر لديهن العوارض ومن الصعب الكشف عن هذا المرض مبكرا. ومن المهم أيضا الإحاطة النفسية والصحية للمريضات». وتشير مزوغي إلى أن هناك مفهوما خاطئا لدى العموم بأن الإصابة بتكيس المبايض تتسبب في العقم لدى النساء وهذا غير صحيح. إذ ليست هناك قاعدة صحيحة في هذا الموضوع، ولكن الأكيد أن هناك تأثيرات كبيرة على الصحة النفسية لأن هناك العديد من النساء المرضى بتكيس المبايض استطعن الانجاب. كما أن هناك صلة بين الإصابة بتكيس المبايض وحدوث الاكتئاب عند النساء وهذا يؤثر سواء نفسيا أو جسديا. لذلك تشدّد محدثتنا على أهمية القيام بعملية التقصي باكرا على هذه الأمراض ثم اللجوء للمتابعة الطبية والبسيكولوجية اللازمة. فالصحة الجنسية والإنجابية لا تقتصر فقط على الناحية البدنية بل تشمل الصحة النفسية والسوسيولوجية والمجتمعية والفيزيولوجية. لذلك من المهم ـ حسب مزوغي – التطرق للصحة الإنجابية في الإعلام أو في أي مكان آخر للتوعية أكثر بهذه المواضيع والأمراض وايصال المعلومة بسلاسة لأكبر قدر ممكن من النساء والفئات في المجتمع.
أي دور للمجتمع المدني
وتعتبر الأخصائية النفسية بأن هناك دورا مهما للمجتمع المدني في التوعية بالصحة الإنجابية والجنسية من خلال إطلاق ودعم المشاريع. وقالت إن المجتمع المدني هو قريب جدا من المجتمع وهو جزء لا يتجزأ منه. فهناك جمعيات في الجامعات أو تتمركز في الأحياء الشعبية وفي المدارس. وعندما يتم التعاون بين المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية المعنية فإن ذلك سيسهل أكثر الوصول للنساء اللواتي تنقصهن المعلومة الكافية لحماية حقوقهن الصحية. ومن السهل على المجتمع المدني القيام بحملات توعية من خلال تدريب الشباب والكبار والأولياء والأسر ولكن يظل دوره محدودا لأن ذلك مرتبط بمدى الدعم المالي واللوجستي الذي يتلاءم مع احتياجات هذه الجمعيات وأنشطتها. وقالت إن كل جمعية تمتاز بأهداف معينة وتستهدف التوعية في مواضيع شتى فهي تشتغل على توعية الشباب أو النساء لكي يكون لدى الجميع الوعي بالصحة الشاملة.
من جهته يقول أخصائي النساء والتوليد عصام دخلية لـ«القدس العربي» إن «التطرق للحقوق الصحية والإنجابية للنساء في وسائل الإعلام مهم جدا للتمييز بين عديد الأمراض الإنجابية المجهولة تماما عند الفئات وهناك فهم خاطئ حولها. فمن حق النساء أن يكن على اطلاع على مختلف أنواع الأمراض الإنجابية وعوارضها والوقاية منها وطرق علاجها».
وعلى سبيل المثال يقول أن تكيس المبايض هو متلازمة موجودة في بلدان البحر المتوسط وهناك خلط اليوم بين تكيس المبايض وبين الأكياس في الرحم. فتكيس المبايض -بحسب قوله- هو مرض جيني وراثي شائع يخص 5 إلى 10 في المئة من النساء في سن التناسل، و 70 في المئة من النساء لا يدركن إصابتهن بهذا المرض وهو يمثل ثلت العيادات من أجل الانجاب. ويوضح د. دخلية بأن هذا المرض هو بالأساس خلل هرموني يتمثل في زيادة كبيرة في الهرمونات الذكورية مع مقاومة للأنسولين. وأوضح أن الأعراض تكون متواجدة في السجل العائلي الصحي للمريضات. وقال إن ارتفاع الهرمون الذكري يتسبب في نمو غير مكتمل للبويضات بكل ما يحمله ذلك من تأثيرات سلبية على الإنجاب وقد يؤدي إلى حدوث العقم. وقال إن هذه المشكلة الصحية تظهر عادة عند سن البلوغ وتترافق مع زيادة في الوزن وعوارضه يمكن أن تظهر في كل وقت أيضا لاحقا بعد سن العشرين.
وأشار الأخصائي في أمراض النساء والتوليد بان هناك تأثيرات كبيرة لهذا المرض على الصحة النفسية للمرأة خاصة من الناحية الجمالية والنفسية. لذلك من المهم توعية النساء حول أعراضه وغيره من الأمراض الإنجابية لتلافي المشكلات النفسية التي يمكن أن تحصل، مشيرا إلى أن الحلول والعلاجات متوفرة والكشف المبكر يسهل عملية الشفاء من هذه الأمراض. ويوضح محدثنا أن ظهور الأكياس في الرحم هو مرض مختلف تماما وعلاجه يكون دوائيا أو جراحيا، بينما تكيس المبايض مختلف ويتضمن العلاج النفسي والدوائي على حد سواء.