الثقافة العربية… ما بين إمكانية الوحدة وحتمية الاختلاف

يصعب وضع تعريف محدد للثقافة العربية، وسط ارتباك واضح في المشهد الثقافي العربي، ورغم ما توحي به الأعمال الثقافية من شكل واحد للثقافة العربية، إلا أن هذه الثقافة تبدو مختلفة وشديدة التباين، ليأتي التساؤل.. هل لدينا ثقافة عربية واحدة أم ثقافات مختلفة؟

اللغة العربية ومكانتها

بداية يقول الباحث والأكاديمي السوري حسام درويش.. أعتقد بوجود ثقافة عربية واحدة من جهة، ومجموعة ثقافات (عربية) مختلفة من جهة أخرى. والثقافة العربية الواحدة مرتبطة باللغة العربية تحديدا أو خصوصا. واللغة ليست مجرد وعاء أو أداة للفكر، بل هي ثقافة بكل ما تتضمنه من أفكار وقيم. فاللغة كما يقول هايدغر محقا هي «مسكن الوجود». وينطبق ذلك على الوجود الثقافي بالدرجة الأولى. وتبدو الثقافة العربية واحدة في النتاج الثقافي الفكري والإعلامي والأدبي والفني الذي تناول مسائل يهتم بها ويتلقاها باللغة العربية، قراءٌ باللغة العربية من دول عربية مختلفة. فثمة ثقافة منتجة للقراء أو الناطقين بالعربية، وثمة متلقون لتلك الثقافة. ومع نفوري من الحديث عن الخصوصيات وعما يشبه الماهيات، لكنني أشعر بميل للقول بخصوصية ما للعرب مع لغتهم. وأتفق مع ألبرت حوراني، في قوله: «العرب أشد شعوب الأرض إحساسا بلغتهم، فهي ليست، في نظرهم، أعظم فنونهم وحسب، بل وخيرهم المشترك. ولو سألت معظمهم تعريف ما يعنونه «بالأمة العربية» لبادروك إلى القول إنها تشمل جميع الناطقين بالضاد، ما سبق لا ينفي طبعا وجود ثقافات أخرى تتداخل وتتكامل مع تلك الثقافة العربية و/ أو تتنافس أو تتصارع معها. وينبغي القول بوجود أو تبني العروبة الثقافية ألا يفضي إلى إنكار وجود ثقافات (فرعية) مختلفة في الدول والمناطق العربية المختلفة. لكن ذلك الاختلاف لا ينفي الوحدة المذكورة، ولا تنفي الوحدة المذكورة ذلك الاختلاف. وعلى هذا الأساس نفهم لماذا شدد مفكرٌ عروبي مثل الجابري على ضرورة أن يأخذ الفكر (القومي) العربي اختلاف الأوضاع بين الدول العربية، عند دراسته لتلك الأوضاع ومحاولته تشخيص مشكلاتها واقتراح الحلول لها.

وحدة الأصل

أما الكاتبة البحرينية فوزية رشيد فترى، أن السؤال يبدو بسيطا للوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك لأننا إن قلنا ثقافة عربية واحدة قد يكون صحيحا وإن قلنا ثقافات مختلفة فكذلك هو صحيح. إن عدنا إلى الوراء كثيرا إلى مرحلة العرب البائدة، فلا نملك معلومات واضحة إلا ما ذكر في القرآن، والآثار الحديثة تعززها، حول قوم عاد الأولى ثم المرحلة التي تليها، وحيث اللغة العربية أقدم اللغات في العالم، وأم اللغات، وهناك دراسات حديثة تظهر أثر اللغة التي كانت نبطية ثم سريانية وآرامية هي المؤثر الأول في كل لغات العالم، وإن تم بعد ذلك التحوير فيها والإضافة عليها. واللغة هي حامل الحضارات والثقافات ونمط التفكير، والبرمجة العصبية وهي الهوية بكل ما تحمله من مخزون. المكتشفات الحديثة تظهر أيضا أن الجزيرة العربية في العصور القديمة ما بين 20 إلى 30 ألف سنة كانت هي الحضارة الأولى المستمرة من تحولات اللغة والرسوم والصور، وبعد الفيضان والجفاف هم بنزوحهم مَن شكلوا الحضارات التي نعرفها كالسومرية وحضارة وادي الرافدين والأوجريتية في الشام القديم والفينيقية والفرعونية، وغيرها ومن هنا ندرك أن القومية العربية لها جذور ضاربة في عمق التاريخ، وإن تضاربت الدراسات والآراء حول ذلك، وبالتالي فمؤثراث الثقافة العربية وإن تحولت وتشكلت هي ثقافة واحدة تعود إلى آدم والأسماء التي علمها الله له أي المعارف، التي منها قامت الحضارات القديمة والأقدم. أما ما يخص الثقافات المختلفة النابعة من اختلاف الهويات المعتقدية والأيديولوجية والعرقية واللغوية، فهي متنوعة تنوع الأشكال في بؤرة واحدة وهي التي تخضع للآراء السياسية والعرقية، دون معرفة أصولها وجذورها القديمة ليصبح الراهن السياسي والفكري هو الحاكم والحكم، وفق التنوع الثقافي والمعرفي والمرجعيات الكبرى القائمة مثل، المرجعية الإسلامية باعتبار الإسلام آخر وخاتم الأديان ومفترض أنه يجب ما قبله، أما ثقافة المرجعيات الغربية الفلسفية والفكرية، فقد خلقت بدورها اتجاهات وتيارات فكرية وثقافية مختلفة في المنطقة العربية، وما انشق عنها من توجهات الحداثة وما بعد الحداثة، وفق المنظور الغربي، دون أن يعي كثير من المثقفين والمفكرين العرب أبعادها الفلسفية والوجودية والمعرفية العميقة والمتناقضة مع المرجعية الإلهية الكبرى المتمثلة في الإسلام وفلسفته الوجودية والمعرفية، هي إذن ثقافة عربية واحدة بتراكمات مختلفة.

حتمية الاختلاف

ويقول الكاتب العراقي أزهر جرجيس.. الثقافة بمفهومها البكر وما تمثله من تمظهرات اجتماعية وسلوك إنساني وعادات وتقاليد، لا يمكن إلا أن تكون متعددة، والعرب بهذا المفهوم ليسوا واحدا. صحيح أننا نشترك بلغة الضاد، لكن في ما عدا ذلك، لا تستطيع إدراج اثنين وعشرين شعبا تحت ثقافة موسيقية واحدة، ولائحة طعام واحدة، وسلوك وعادات واحدة، فقدح الشاي المملوء في فلسطين مثلا، يُثير انزعاج الضيف، لأنه يعني بنحو ما أن «قلبك طافح» من ضيفك. بينما في العراق الأمر معاكس تماما وعليك الحذر، لأن نقص الشاي في القدح يعني أن ضيفك «ناقص» المروءة. هذه تفصيلة صغيرة، فما بالك بالمُثل الإنسانية والقيم الكبرى والفنون والموسيقى والطبخ والأزياء وطقوس الزفاف والجنائز وغيرها؟ واضح أن كل هذا متعدد وإن تشابه قليلا هنا أو هناك، ثم حتى لغة التدوين الرسمية لم تعد واحدة كما كانت، وصرنا نقرأ قصصا وحكايات بلغات محلية لا يفهمها إلا مواطنو كاتبها

ثقافة إنسانية

وتقول الروائية التونسية ابتسام الخميري.. إننا أمام سؤال وجودي بامتياز، هل توجد ثقافة عربية واحدة؟ أم مجموعة ثقافات مختلفة؟ ومن هذا السؤال يتشكل لدينا استفهام يروم جوابا: هل توجد ثقافة عربية؟ بمعنى أن لها لغة تميزها فنقول ثقافة عربية وثقافة أجنبية؟ أليست الثقافة إنسانية بالأساس قد شكلها الإنسان الواعي المثقف المتطور انطلاقا من جملة سلوكاته وتصرفاته التي تدل على مدى وعيه وإدراكه لما هو حوله في المجتمع الذي يعيش فيه.
فالمتأمل في المجتمعات والشعوب العربية تحديدا، يلمس وجود ثقافة عربية واحدة تجمع فيما بينهم قد رسخها القدماء فتوارثها الأبناء عن الأجداد من عادات وتقاليد وموروثات، هذه الأخيرة تقاربت وتشابهت في أغلب الدول العربية بحكم تقاربها الجغرافي، إضافة إلى وحدة التاريخ والحضارات المشتركة التي تعاقبت عليها فاتحدت وتوحدت الثقافات في عدة تصرفات عرفتها المجتمعات العربية فأصبحت عرفا جاريا وقانونا تحترمه ويلزمها دونما فصول قانونية أو عقود إلزامية، ونذكر مثلا تشابه العادات والتقاليد في دول المغرب العربي في الأكلات وتقاليد الزواج وحتى تقاربها في اللهجة العربية، وتقارب معانيها كما اتفقت في عدة مستويات كالأخلاق والعقائد والفنون، التي اكتسبتها الأجيال وباتت ثقافة واحدة، ولعل مفهوم الثقافة، بما هي جملة المعارف المكتسبة على مر الزمن وإذا كانت تستخدم أحيانا لوصف ممارسات معينة داخل مجموعة فرعية من المجتمع، يؤكد لنا أنه لا وجود لثقافات عربية مختلفة، وكذلك يتأكد لنا ذلك عند معايشتنا لهذه الشعوب فنجدها تحمل ثقافة واحدة لن تشعر بغربة أو تغيير في سلوكياتك، إذ في مجملها متقاربة ومتشابهة باعتبار الثقافة هي ما ينسب إلى مجموعات البشر من آثار وقيم وعادات وأفكار تمثل أساس وجودهم الاجتماعي وتميز حياتهم في المجتمع. عسانا نتساءل هل يمكن أن نجد ثقافة أجنبية واحدة أم مجموعة ثقافات؟ ربما تعريف العالم إدوارد تايلور للثقافة على أنها: «ذلك المفهوم الكلي الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والقدرات التي يكسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع أو مجموعة أفراد» هذا التعريف يجعلنا نؤكد أن الثقافة هي إنسانية في الأساس تصب في معين البشرية ومدى تطورها الأخلاقي والإنساني، فلا وجود لثقافات عربية، بل هي واحدة متحدة متفقة.

كاتب وصحافي ليبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية