بيروت- “القدس العربي”: استضاف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لقاءً للنواب المسيحيين في بيت عنيا، المحاذي لمزار سيدة لبنان في حريصا، تحت عنوان روحيّ، بعد فشل عقد لقاء تحت عنوان سياسي من أجل مناقشة الاستحقاق الرئاسي.
وقد شارك في اللقاء معظم الكتل المسيحية والنواب المستقلين، وفي طليعتهم رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل على رأس وفد من نواب “التيار”، وكتلة “القوات اللبنانية” يتقدمها النائبان جورج عدوان وستريدا جعجع، ورئيس “حزب الكتائب” سامي الجميل، ونجل رئيس “تيار المردة” النائب طوني سليمان فرنجية، وأمين عام حزب الطاشناق أغوب بقرادونيان، ورئيس “حزب الوطنيين الأحرار” كميل شمعون، والنائب ميشال موسى من “كتلة التنمية والتحرير”، وممثل حركة “تجدد” النائب أديب عبد المسيح، والنائب راجي السعد من كتلة “اللقاء الديمقراطي”، وغاب عن اللقاء، الذي حضره 54 نائباً، عشرة نواب؛ هم المرشح ميشال معوض بداعي السفر، والنائبان ملحم خلف، ونجاة صليبا، المعتصمان في ساحة النجمة منذ 77 يوماً، والياس بو صعب، الذي فضّل عقد لقاء وطني، والنائبتان بولا يعقوبيان وسينتيا زرازير بداعي رفض تدخّل المراجع الدينية في شؤون سياسية، والنواب ميشال الياس المر وجورج بوشكيان وميشال الدويهي وأسعد درغام. وفي وقت لاحق، برّرت النائبة يعقوبيان عدم مشاركتها في اللقاء الروحي بسؤالها: “كيف نقول نجنا من الشرير والأشرار جميعهم مدعوون؟”، ما استدعى انتقادات جمّة لموقفها.
وعلى الرغم من طابع التأمل والصلاة للقاء النواب، الذي انعقد بعيداً عن التغطية الإعلامية، إلا أنه حمل رمزية سياسية في ظل رغبة البطريرك الراعي في أن يخلق هذا اللقاء مناخاً يتيح للنواب المسيحيين التوافق على آلية موحدة لمقاربة الملف الرئاسي وانتخاب رئيس للجمهورية ينهي الشغور الرئاسي ووضع حد للاتهامات التي توجّه إلى الموارنة وتحمّلهم مسؤولية عدم التوافق على رئيس للبلاد بسبب خلافاتهم.
ولوحظ أن نواب “التيار” و”القوات” جلسوا بجانب بعضهم البعض، في ظل تقدير لمبادرة البطريرك الراعي بجَمع النواب من أجل الصلاة والتأمل، عشية خميس الغسل والجمعة العظيمة وسبت النور وأحد القيامة، على “أمل خروج اللقاء بغسيل للقلوب وتوحيد للخيارات وخلاص لأزمات لبنان” كما غرّد أمل أبو زيد مستشار رئيس الجمهورية السابق ميشال عون.
وتخلل اللقاء رياضة روحية وكلمة إرشادية للبطريرك، ثم قداس في كنيسة سيدة لورد، حيث كانت عظة للراعي قال فيها: “نرفع ذبيحة الشكر لله، وقد خاطب كل واحد منكم من موقعه، فقد استجاب لصلواتنا، وعبّر الشعب عن فرحته بهذه المبادرة وعلق عليها آمالاً كبيرة”. ورأى “أن السياسة التي تمارس السلطة بطريقة خاطئة هي غير قادرة على الاعتناء بالآخرين، فتسحق الفقراء وتستغل الأرض وتواجه النزاعات ولا تعرف كيف تحاور”. وأضاف: “يقول البابا فرنسيس إن السياسة التي تسعى لخلق مساحة شخصية وفئوية هي سيئة، أما السياسة التي تضع خطة لمستقبل الأجيال فهي صالحة وفق مسألة تتوّج بالوقت يتغلّب على المساحة”.
وتابع: “ليطرح كل سياسي صالح هذه الأسئلة على نفسه: بماذا جعلت الشعب يتقدم؟ أي طابع تركت في حياة المجتمع؟ أي روابط حقيقية بنيت؟ أي قوى إيجابية حرّرت؟ كم سلاماً اجتماعياً زرعت؟ ماذا أنتجت في المسؤولية التي أسندت إلي؟ وماذا فعلت لتسهيل انتخاب رئيس وإحياء المؤسسات الدستورية بعد خمسة أشهر من الفراغ الرئاسي ودمار شعبنا؟”. وختم بالدعوة “إلى التحلّي بصفات القديس توماس مور شفيع المسؤولين السياسيين واتباع مقولته “أنا خادم الملك الأمين ولكن خادم الله أولاً”.
ومن المعلوم أن البطريرك الماروني لم يوقف جهوده للخروج من المراوحة في الملف الرئاسي، وعدم تحميل المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً مسؤولية الشغور في رئاسة الجمهورية، في ظل تمسّك الثنائي الشيعي بمرشحه سليمان فرنجية، بعدما عمد نواب “حزب الله” و”حركة أمل” على إفقاد نصاب جلسات الانتخاب الـ11 في الدورة الثانية.
وفي إطار الجهود البطريركية، تجاوب الراعي مع طلب راعي أبرشية أنطلياس المارونية المطران أنطوان أبو نجم القيام بجولة على القيادات المسيحية لاستطلاع آرائها بالاستحقاق الرئاسي، والحصول منها على أسماء مرشحيها، حيث توصّل إلى وضع لائحة من 11 اسماً، هي ميشال معوض، جوزف عون، سليمان فرنجية، إبراهيم كنعان، زياد بارود، جهاد أزعور، صلاح حنين، فريد الياس الخازن، نعمة أفرام، روجيه ديب، وجورج خوري. وأفيد أن دوائر بكركي طلبت، قبل أيام، من الأطراف غير المسيحية رأيها في الترشيحات، وإمكان تقديم 3 أسماء يتم اختيار أحدها، إلا أن جواب “حزب الله” و”حركة أمل” جاء بالتمسك فقط بفرنجية، وعدم تقديم أي اسم آخر.
وعشية خلوة بيت عنيا، كانت بكركي مقصداً لمجموعة من الموفدين والسفراء، في طليعتهم الموفد القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي، والسفيرة الأمريكية دوروثي شيا والسفيرة الفرنسية آن غريو للاطلاع من البطريرك على أجوائه وتبادل الآراء حول الانتخابات الرئاسية.
وفي المواقف بعد الخلوة الروحية، تغريدة لعضو “تكتل لبنان القوي” النائب سيمون أبي رميا، جاء فيها: “التقينا حول البطريرك الراعي وكانت خلوة روحانية وجدانية. على أمل أن نلتقي مع كل النواب حول مصلحة لبنان لننتخب رئيساً للجمهورية مع حكومة فاعلة مدعومة من كل القوى لإنقاذ لبنان الوطن والكيان والرسالة والسيادة والنهوض بالاقتصاد والتعافي المالي. كفى هدراً للوقت وانتحاراً”.
وأعرب النائب كميل شمعون عن امتنانه لدعوة البطريرك، وأملَ “أن يكون صحوة ضمير والاتفاق على إنقاذ الوطن”، متمنياً “الوصول إلى انتخاب رئيس للجمهورية بأسرع وقت ممكن، علماً أن اللقاء كان عبارة عن لقاء صلاة، ولم يتخلله أي حديث سياسي”.
وكان المجلس السياسي في “التيار الوطني الحر” لفت، في بيان، إلى أنه: “في موازاة الحركة الدولية المهتمة بانتخابات رئاسة الجمهورية يبقى الأساس أن يتصرف المعنيون في لبنان بما يؤكد أن هذا الاستحقاق لبناني سيادي أولاً وأخيراً، فمع شكر الدول المهتمة، إلا ان المسؤولية الأولى تقع على مجلس النواب اللبناني ومكوناته السياسية للإسراع بانتخاب رئيس إصلاحي يحتاجه لبنان في هذه المرحلة، إلى جانب حكومة تلتزم الإصلاح، ومجلس نيابي يتعهّد بالقيام بما عليه”، متمنياً “أن يفضي لقاء التأمل في بيت عنيا إلى تنبيه النواب المسيحيين إلى المخاطر الوجودية على لبنان، وما يتوجب القيام به لحماية الوطن”.
من جهته، انتقد النائب الكتائبي نديم الجميّل السياسة الفرنسية، وغرّد: “للأسف، في السنوات الأخيرة لم تر فرنسا في لبنان سوى مصالح وصفقات، من التنقيب، وصولاً إلى المرفأ، والبريد، وذلك على حساب مصلحة اللبنانيين”. وأضاف “على فرنسا أن تعود إلى دورها الطبيعي، دور الداعمة و”الأم الحنون” للبنان، لا لأزلام إيران، وأن تتخلى عن دور السمسار الذي لا يليق بها وبتاريخها”.
تجدر الإشارة إلى أن إعلان وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على الأخوين ريمون زينة رحمة وتيدي زينة رحمة في ملفات فساد الفيول والكهرباء، فُهم أنه رسالة سياسية سلبية إلى بنشعي، نظراً للعلاقة المتينة التي تربط الأخوين رحمة بالمرشح سليمان فرنجية، الذي تسعى باريس لتسويق انتخابه بالاتفاق مع الثنائي الشيعي.