الجامع الفاطمي في المهدية التونسية عنوان الصمود والبقاء بوجه الكوارث والخطوب

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يعتبر الجامع الفاطمي بمدينة المهدية التونسية، أول عاصمة للدولة الفاطمية، واحدا من أهم المعالم التاريخية في العالم الإسلامي وذلك بالنظر إلى معماره البسيط والفريد الذي يميزه عن باقي المساجد في العالم الإسلامي المترامي الذي اتخذت فيه بيوت العبادة أشكالا متعددة. إذ يبدو هذا الجامع للقادم إلى المدينة العتيقة من الميناء الأثري القديم قاصدا ما كان يعرف في العهد الفاطمي بمجمع زويلة السكني والصناعي والحرفي، الذي ساهم في ازدهار الدولة الفاطمية في بداية عهدها، كالقلعة أو الرباط، خاصة وأن جداره القبلي يستند إلى السور البحري للمدينة.

كما تبرز أهمية هذا المسجد بالنظر إلى الدور الذي لعبه مع بداية القرن الرابع للهجرة كمخبر لصناعة القرار في دولة فاطمية عقائدية كانت تروم وضع يدها على كل ربوع العالم الإسلامي. فالمساجد في تلك العصور ومنها جامع المهدية كانت تلعب أدوارا متعدد على غرار الدورين السياسي والدعوي بالإضافة إلى أدوار أخرى منها التعليم.

منتدى سياسي وفكري

وبالتالي فقد ساهم هذا المعلم البسيط في ظاهره، بساطة الفاطميين وزهدهم في بداية نشأة دولتهم في الربوع التونسية، في حصول تحولات كبرى في التاريخ الإسلامي ما زالت تأثيراتها واضحة وجلية إلى يومنا هذا في المشرق والمغرب على حد سواء. ولعل ذلك ما أكسب هذا المنتدى السياسي والفكري والعقائدي إن صح التعبير، أهمية بالغة لا تقل عن أهمية مساجد أخرى شهيرة في شمال أفريقيا مثل جامع عقبة بن نافع بالقيروان التونسية وجامع الزيتونة الأعظم بمدينة تونس والأزهر الشريف بمدينة القاهرة بمصر.
لقد كان هذا المسجد شاهدا أيضا على حقب تاريخية هامة ومفصلية عرفتها تونس منذ تأسيسه من قبل مؤسس الدولة الفاطمية عبيد الله المهدي، وحافظ على دوره حتى بعد مغادرة الفاطميين في مرحلة أولى إلى صبرة المنصورية بمدينة القيروان التونسية ثم إلى مصر، وتواصل هذا الدور مع الصنهاجيين أو الزيريين ولاة الفاطميين في تونس وذلك رغم إقامة الزيريين أغلب سنوات حكمهم بالقيروان.

حرق وتدمير

لقد تعرض هذا المسجد للتدمير والحرق من قبل الغزاة الإسبان مع بداية القرن السادس عشر وذلك بعد نهاية آخر ممالك الإسلام في الأندلس وانطلاق الإسبان في حملاتهم على مدن شمال أفريقيا الساحلية ومنها مدينة المهدية التونسية. ثم ضمد هذا المسجد جراحه ولملم شتاته بداية من زمن الاحتلال العثماني لتونس وانتفض سليما معافى من تحت الرماد كطائر الفينيق وعادت له الحياة من خلال إقامة الصلوات به، ومن خلال استغلاله كفضاء لتدريس طلبة العلم.
إن قصة هذا الجامع هي مأساة بكل ما للكلمة من معنى، فقد بُني ومعه أسباب دماره، حيث تم تشييده على أرض كانت تغمرها مياه البحر وتم ردمها للغرض وذلك لإيجاد أراض جديدة لمدينة المهدية التي كانت بصدد التشييد في شبه جزيرة مساحتها ضيقة. وفي هذا الإطار يقول المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتابه خلاصة تاريخ تونس «وكان اتساع المهدية في أول بنائها من الجوف إلى القبلة قدر غلوة سهم، فاستصغرها المهدي مؤسس الدولة الفاطمية عند ذلك، فردم من البحر مقدارها وأدخله في المدينة فاتسعت، والجامع الأعظم الآن والدار المعروفة في القديم بدار المحاسبات من ماء البحر».

على مرمى النيران

وبالتالي فقد نشأ هذا الجامع منذ البداية عرضة لأمواج البحر المتلاطمة خاصة في فصل الشتاء ما تسبب في أكثر من مرة في انهيار محرابه وأجزاء من الحائط الذي يتضمن هذا المحراب. ونشأ هذا المسجد أيضا على مرمى قذائف مدافع الغزاة القادمين باستمرار عبر بحر المهدية الأزرق الصافي الجميل، وهو أمر مختلف على ما اعتاده العرب في العمارة وتخطيط المدن.
لقد اعتاد العرب في القديم اتخاذ عواصم بعيدة عن السواحل وذلك لحمايتها من الغزاة القادمين من البحار، والدليل على ذلك مدينة القيروان في تونس ومدينة بغداد في العراق ومدينة القاهرة في مصر ومدينة قرطبة في الأندلس وغيرها. كما أن المساجد في العمارة الإسلامية تكون عادة داخل الأسوار وفي قلب المدينة ومحاطة بالأسواق النظيفة غير الملوثة التي تحيط بها بيوت كبار القوم من رجال الدولة وأهل العلم، ثم بيوت عامة الشعب، وأخيرا تقع في أطراف المدينة وأحيانا خارج أسوارها الأسواق التي تتضمن الحرف الملوثة وذلك احتراما للجامع الكبير.
لكن المهدية، عاصمة الفاطميين الأولى في شمال أفريقيا بنيت بنمط مغاير حيث لم يتم بناء المسجد في قلب المدينة بل على أطرافها وبمحاذاة أسوارها المطلة مباشرة على البحر وأمواجه المتلاطمة التي تنكسر عند الساحل الصخري. كما أن المدينة لم تشيد فقط في منطقة ساحلية تحاذي البحر، بل في شبه جزيرة يحيط بها البحر من ثلاث جهات، وهو ما جعلها مكشوفة أمام الغزاة. ولعل ذلك ما يفسر أن الخليفة الفاطمي المنصور لدين الله خير بناء مقار جديدة للحكم بمدينة القيروان التونسية غير الساحلية والقريبة في آن من المهدية، وسماها صبرة المنصورية واتخذها عاصمة له ومنها غادر الفاطميون لاحقا إلى القاهرة سنة 360 هجرية/ 970 للميلاد في زمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي.

عملية انتحارية

لقد رأى البعض أن عملية اختيار عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية وباني جامع الفاطميين سنة 303 هجرية/ 915 للميلاد، للموقع الذي بنيت فيه المهدية، كانت عملية انتحارية باعتبار أن الخطر البيزنطي كان قائما في ذلك الزمن. بالإضافة إلى ظهور خطر جديد بعد عقود من تأسيس المهدية وهو خطر النورمانديين الذين افتكوا صقلية الإيطالية التي ضمها قبل عقود الأغالبة، حكام القيروان التونسية، الذين قضى عليهم الفاطميون في زمن سابق وحلوا مكانهم بأرض تونس.
كما برز لاحقا خطر الإسبان بعد سقوط الأندلس حيث انتشروا في ربوع شمال أفريقيا يغزون الحواضر الإسلامية وكانت المهدية إحدى ضحاياهم حيث دكوا حصونها بمدافعهم وهدموا أسوارها الواقعة قبالة البحر. كما استولوا على جامعها الفاطمي وهدموا أجزاء هامة منه وأحرقوا الأجزاء الباقية وعاثوا فيه فسادا وجعلوا منه لفترة ما إسطبلا يأوي خيولهم وذلك رغبة في إذلال أهل البلاد من خلال مقدساتهم.
كان ذلك في زمن حكم الزيريين أو الصنهاجيين الذين تركهم الفاطميون بعد مغادرتهم إلى مصر ولاة على أفريقية (تونس وما كان تحت سيادتها من شرق الجزائر والغرب الليبي اليوم). ولعل ما ساهم في سقوط المهدية بأيدي الإسبان وتهديم جامعها الكبير هو تعرضها لغزو قبائل بني هلال قبل ذلك، وهي قبائل أرسلها الفاطميون من القاهرة نشرت الفوضى وأضعفت الدولة الصنهاجية وجعلتها لقمة سائغة للإسبان.

عودة الروح

لقد أصبح الجامع الأعظم الفاطمي مع الغزو الإسباني للمهدية سنة 1554 للميلاد نسيا منسيا إلى أن أعاد العثمانيون الذين قضوا على الدولة الحفصية في تونس وحرروا الثغور المحتلة من الإسبان، إحياءه، فاحتضن علماء المالكية الذين أصبحوا يدرسون فيه مذهبهم. وبالتالي فقد تحول هذا المعلم التاريخي من مسجد للشيعة الإسماعيلية من الفاطميين وأنصارهم، إلى مسجد للسنة المالكية الذين يتشكل منهم عموم التونسيين، وذلك خلافا للعثمانيين الذين كانوا من الأحناف.
خضع المسجد بعد طرد الإسبان من المهدية إلى عدة تعديلات خاصة بعد الخراب الذي طاله ولكن لم يقع ترميم المبنى بالكامل إلا بعد أربعة قرون وتحديدا بين عامي 1961 و1965 أي في زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. وتم في هذا الترميم، الذي هدفت من خلاله دولة الاستقلال التونسية إلى الحفاظ على موروثها التاريخي والحضاري، احترام التصميم الأصلي الذي بني به المسجد في زمن مؤسس الدولة الفاطمية عبيد الله المهدي مع بداية القرن الرابع للهجرة، وتم في هذا الإطار الحفاظ على البوابة الضخمة والرواق الشمالي كما هما.
وللإشارة فقد تم أثناء عملية الترميم المتحدث عنها بناء الأعمدة المهدمة انطلاقا من الأسس الأصلية التي تم تشييدها في العهد الفاطمي. وتم جلب الحجارة من مقاطع بمنطقة الرجيش قرب مدينة المهدية وهي حجارة خاصة تميز المنطقة ويبدو أن البناة الأوائل استخدموها في بناء هذا المسجد.

طراز فريد

إن ما يميز الجامع الكبير بالمهدية أنه بني منذ البداية بلا مئذنة على غرار المساجد الفاطمية الأولى ويبدو أن أذان الصلاة كان يتم من فوق أحد برجين كان يستخدمان كخزانين للماء يقعان على زاويتي واجهته. ولذلك حافظت الدولة التونسية عند ترميمه على الشكل الذي بني به هذا المسجد منذ البداية ولم تقم ببناء مئذنة له حتى لا يتم العبث بشكله الأصلي بينما لم يفعل ذلك أيضا العثمانيون ومن حكم بعدهم المملكة التونسية المستقلة عن الباب العالي من المراديين والحسينيين لأسباب مجهولة.
ويؤكد بعض المؤرخين على أن معمار الجامع الكبير بالمهدية مقتبس من فن العمارة الذي تميزت به الدولة الأغلبية التي أنهى وجودها الفاطميون، والأغالبة هم أول من استقل بتونس وما كان تحت سلطتها من شرق الجزائر والغرب الليبي عن الدولة الإسلامية في المشرق واتخذوا من مدينة القيروان عاصمة لهم. كما يرى البعض الآخر أن معمار المسجد مقتبس من فن العمارة العباسية في بغداد مع مزج هذا الطراز المعماري بالأقواس الرومانية التي اقتبسها الرومان بدورهم عن القرطاجيين في تونس الحالية ونشروها في ربوع إمبراطوريتهم.

ممر الإمام

وتم تصميم الجامع الفاطمي على شكل مستطيل به قاعة صلاة وفناء محاط بأربعة أروقة وكلاهما على شكل مستطيل. ويتكون الرواق الشمالي للفناء المشار إليه من أعمدة بنيت من الحجر المنحوت فوقها أقواس فوقها قباب. ويضم بيت الصلاة أعمدة رخامية ومنبرا خشبيا منقوشا بعناية ومهارة فائقة وهو من أجمل المنابر في المساجد التونسية.
وكان يوجد في منتصف الفناء ممر فريد من نوعه لا وجود لمثله في المساجد التونسية وغيرها من المباني الإسلامية في البلد تغطيه قباب مستندة على أقواس تسندها دعامات ويؤدي هذا الممر إلى قاعة الصلاة قدوما من المدخل الخارجي للمسجد. ويبدو حسب البعض أن هذا الممر كان مخصصا للإمام أو الخليفة باعتبار أهمية الإمام في المذاهب الشيعية وباعتبار أن الفاطميين مؤسسي المهدية وبناة جامعها الكبير ومن اتخذوها عاصمة أولى لحكمهم كانوا من الشيعة الإسماعيلية.

مزار ديني وسياحي

يؤكد كثير من الباحثين على أن هندسة الجامع الفاطمي بالمهدية في تونس كان لها تأثير على هندسة مساجد فاطمية أخرى على غرار جامعي الحكم والأقمار بمدينة القاهرة في مصر. كما أن الجامع الكبير بمدينة سوسة التونسية يشبه الجامع الفاطمي بالمهدية وليست به مئذنة لكن جامع سوسة هو الأسبق في التأسيس باعتباره يعود إلى زمن الدولة الأغلبية. لقد حافظ الجامع الفاطمي بالمهدية على ميزته كونه أهم معلم بعاصمة الفاطميين الأولى، وبات إلى جانب دوره الديني مزارا سياحيا هاما وذلك مع تطور النشاط السياحي بالمدينة التي باتت قطبا هاما يأتيه الزوار من تونس ومن مختلف أنحاء العالم. ففي المهدية توجد أجمل الشواطئ وفيها فنادق راقية ومنطقة سياحية هامة، وتحول الجامع مع هذا النشاط السياحي المزدهر إلى محطة رئيسية لزائر المدينة لا يستمتع فيها فقط ببحرها النظيف ومنتجعاتها وأسماكها الممتازة، بل أيضا بموروثها التاريخي والحضاري الفاطمي على وجه الخصوص.
ويشبه البعض الجامع الفاطمي بالمهدية بالطفل الصغير الذي هجره أهله إلى مشارق الأرض دون سبب وجيه وتركوه في العراء بلا حماية بعد أن أخذوا معهم الغالي والنفيس، فعبث به الغرباء من بعدهم وقست عليه الحياة كثيرا، لكنه صمد وصبر وتجلد ونما واشتد عوده بمرور الزمن. وتكاثر الناس من حوله وابتسمت له الحياة مجددا وأصبح قبلة القاصي والداني من كل الأعمار الذين يجلسون مساء على مدرجاته وبالمقاهي والمطاعم السياحية المقابلة له، لكن جراحا عميقة بقيت لم تندمل وآثار حروقها بادية عليه إلى اليوم في محرابه، وأعمدتُه وأقواسه شاهدة على الحقد الديني الذي قد يدفع بالبعض إلى نشر الدمار لمجرد الاختلاف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية