يميل الكاتب في الجزائر إلى ترويج صورة زائفة عن نفسه، يتعمد أن يظهر في زي المتواضع، المقرب من الأوساط الشعبية، يصر على مُخالطة المقاهي، الجلوس إلى طاولات المقاهي، الكتابة في المقاهي، ظناً منه أن ذلك المكان تنصهر فيه كائنات المجتمع بأكملها، يواظب على حياة المقهى، بحثاً عن عزلة وسط صخب الآخرين، وقد يتعمد في لبسه ألا يتفاخر بأرقى الماركات، بل يلبس كما اتفق، والسائد أن ذلك السلوك سوف يميزه عن شريحة أخرى من الكتاب، ما يُطلق عليهم «كتاب الصالونات» أو كتاب الأمكنة المغلقة، مع أن الواقع يُثبت، كل مرة، ألا فرق بين من يكتب في مكان عام ومن يكتب في فيلا من ثلاثة طوابق.
لقد قضى الكاتب في الجزائر عقوداً في مراودة المقاهي، في حشو المقهى في نصوصه، بدون أن يفلح في ابتكار «مقهى» لا تزال تلك الأمكنة مجردة من التاريخ، لا تعدو أكثر من كتل خرسانية. لن نجد مقابلاً لمقهى «فلور» حيث كان يجلس جان بول سارتر ورفقته، ولا نظيراً ﻟ «ريتز» حيث كان يكتب أرنست همنغواي، فكثير من المقاهي المعروفة تعلوها هالة تمجيد، لكن بدون تاريخ مفصل لها، يتداول البعض اسم مقهى «طانطنفيل» في العاصمة، بصفته جامعاً للمبدعين، لكن ما هي النصوص المؤثرة التي خرجت منه؟ ما هي الروايات التي كُتبت على طاولاته؟ الحال ذاته مع مقهى «النجمة» في قسنطينة، نسمع عنه أكثر مما نعرف أشياء ثقافية ملموسة دارت فيه، بينما بعض الذين يحنون إلى الماضي يُشيرون إلى مقهى «اللوتس» الذي لم يعد له وجود في الواقع، كيف نسمح لمقهى ندعي أنه ذاكرة ثقافية أن يتحول إلى محل ألبسة جاهزة؟ يتباهى كتاب بالمقاهي لكن يعجزون عن إفادتنا بتوصيف تاريخي ثقافي محكم لها، يُداومون على الجلوس إليها، وفي نظرهم أن ذلك المكان صك أمان لهم، دعماً لسمعتهم كونهم أقرب الناس إلى الشعب، ويختلفون عمن يُطلق عليهم «كتاب الأبراج العاجية». يكاد المقهى في الجزائر يضيع في زحمة التفخيم، يتناثر الكلام عنه في كل مناسبة، ومن دون مناسبة، جعلوا منه «حاضنة» أدبية غصباً عنه، بينما في الحقيقة لم يخرج عن كونه نقطة تجارية، يجتمع فيها أناس قصد استهلاك مشروباتهم ثم الاستسلام إلى خمولهم أو انشغالاتهم.
تكاد أن تكون المقاهي كلها مُتشابهة في ما بينها. ندخل إليها كما لو أننا ندخل إلى ملعب كرة قدم، دائماً بتلهف، كمن يُطارده شخص ما، وإذا كان لكل مقهى إيقاعه وديكوره، فإن الصخب مُتشابه في كل واحد منها. أصوات نُدل تختلط بعجيج زبائن، نرفزة في الحركات، ونظرات البعض تتحرك في الاتجاهات جميعها. الرجال هم جمهور المقهى الأول، بينما النساء لا يترددن في الغالب، سوى على صالونات الشاي. لماذا لا يعترض الكاتب على هذا التحيز؟ لماذا لا يندد بذكورية المقهى المفرطة؟ لقد ساد في اللاوعي الجمعي أن الأولوية للذكر على حساب الأنثى، وأن المقهى لكتاب لا لكاتبات. رضا الجميع بهذه التفرقة، واختار الكاتب الجزائري هذا الحيز الذكوري، في تواطؤ مبين مع الذهنية الاجتماعية الغالبة.
قد تصلح المقاهي الجزائرية في مطالعة جريدة على السريع، أو في تصفح كتاب، ولكن أن نختلي فيها من أجل الكتابة، يبدو أن في الأمر مجازفة، فهي لا توفر مناخاً ديمقراطياً، نظراً إلى نزعتها التسلطية، ولا أريحية في الجلوس.
على العكس من مقاهي الكتاب فقد أفرزت مقاهي الموسيقى تاريخاً لها (مقهى «مالاكوف» و«تلمساني» مثلاً) وهي مقاهٍ يتجنبها في الغالب المنشغلون في الأدب، يفضلون أمكنة تندس في أحياء شعبية، أو في وسط المدينة، لكن بديكورات تقليدية، وكل تلك المقاهي تدور حول نقطة مركزية، حول مركز ثقل: صندوق المال، بين مالك المقهى والنادل، تبدو الثقة غائبة، لذلك يضطر الزبون في الغالب إلى دفع الحساب أمام الصندوق، وعليه دائماً أن يصرح بما تناول، لأن الندل منشغلون بتوزيع الطلبات لا تدوينها. على الرغم من أن القهوة قد تعددت إلى عشرات الأنواع، فالمتفق عليه في الجزائر، ألا نطلب سوى نوعين، إما (قهوة خفيفة) أو (قهوة مركزة) تقدم في كوب، يقضي في بعض الأحيان ساعات يدور بين يدي الشارب، أو بين أيدي أكثر من شخص، إنها مقاهٍ ديكتاتورية لا ديمقراطية، لا تتيح خيارات، بل تفرض نوعان متشابهان في الذوق، في هذا الجو القمعي، حيث الانفتاح على أذواق أخرى يكاد يكون منعدماً، يواصل الكاتب غنائيته عن المقهى، متقبلاً ما يتأرجح بين المتشابهات، ولا حق له في الاحتجاج، فالفرق بين فنجان قهوة وآخر ليس سوى في كمية السكر التي تُضاف إليه.
عادة لا يقدم كوب القهوة وحده، بل مُرفقاً على الأقل بكوب ماء، وقد صار هذا من الكماليات التي تستغني عنها غالبية المقاهي، بل هناك أمكنة في مدن ساحلية بالخصوص تتمنع عن تقديم الماء سوى بمقابل، هكذا يصير المقهى مكاناً تسلطياً، نضطر لتقبل أحكامه وعدم الخوض فيها أو مُناقشتها، تقبلنا منطقه الأحادي، كما لو أنه قانون. يذكر الكاتب الهايتي داني لافاريار أن من خصوصيات الكاتب الجيد أن يمتلك عجزاً قوياً، حجته أن الكاتب يحتاج إلى الجلوس ساعات طويلة إلى كرسي قصد الكتابة، بينما الجلوس في مقاهٍ جزائرية ليس أمراً سهلاً بل شاقاً، بسبب كراسي بلاستيكية، وأخرى معدنية صلبة، تخلف آلاماً في الظهر أحياناً، أو على الوركين في أحيان أخرى، كيف إذن يحتمل الكاتب مراودتها؟ ألا يعنيها أن صحته شرط أساسي من شروط الكتابة؟ نحن لا نكتب بأيدينا فقط، أو بالاستعانة بعقولنا، بل الكاتب في حاجة إلى بدن رياضي، أن يكتمل جسده مثل ملاكم أو مصارع إغريقي.
قد تصلح المقاهي الجزائرية في مطالعة جريدة على السريع، أو في تصفح كتاب، ولكن أن نختلي فيها من أجل الكتابة، يبدو أن في الأمر مجازفة، فهي لا توفر مناخاً ديمقراطياً، نظراً إلى نزعتها التسلطية، ولا أريحية في الجلوس. إنها أمكنة مثالية في التلصص على حيوات الآخرين، في تبادل الشائعات وفي النميمة العذبة، إنها بنايات معمارية، تكتظ بالإسمنت والحديد والعجيج، لا غير بعدما فشلت في أن تبتكر لنفسها تاريخاً، رغم مُحاولات بعض الكتاب في الزج بها عنوة في سكة الذاكرة.
٭ كاتب جزائري