تونس ـ «القدس العربي»: يطلق التونسيون على أمطار نهاية الصيف وبداية الخريف تسمية «غسالة النوادر» وذلك منذ العصر القرطاجي حين كان يعتقد في تلك الحقبة أن هذه الأمطار تمسح الذنوب وتطهر الأرض وتأذن بانطلاق الموسم الزراعي. لكن الخضراء لم تعرف هطول «غسالة النوادر» في السنوات الأخيرة وبات الصيف يستمر فيها إلى نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر لتنزل كميات قليلة من الأمطار مع بداية كل عام ويعود الجفاف مجددا وصولا إلى فصل الصيف الموالي.
الأكثر تضررا
وتؤكد الأرقام الرسمية بأن منسوب السدود في تونس بلغ 25 في المئة وهناك سدود لم تصل حتى إلى 10 في المئة من طاقتها الاجمالية وأن كميات المياه المتوفرة حاليا بالبلاد لا تتجاوز 660 مليون متر مكعب وموجودة في 37 سدا. كما تؤكد هذه الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية أن كميات الأمطار التي نزلت خلال العام الماضي لم تتجاوز 110 ملايين متر مكعب وهو ما يمثل خمس المعدل الطبيعي الذي يقدر عادة بـ 520 مليون متر مكعب. وتسبب هذا الجفاف الذي يستمر للعام السابع على التوالي في خسائر فادحة للقطاع الزراعي وخصوصا قطاع الزراعات الكبرى الذي كان الأكثر تضررا والذي تراجع إنتاجه بشكل لافت وغير اعتيادي في بلد زراعي بامتياز وعرف على مدى تاريخه باهتمامه بالفلاحة وسعيه الدؤوب لتطويرها منذ ما قبل العهد القرطاجي. وتشير الأرقام الرسمية في هذا الإطار إلى أن إنتاج تونس من الحبوب سجل خلال الموسم الحالي 2023 تراجعا بنسبة 60 في المئة بالمقارنة مع النتائج المُسجلة خلال العام الماضي الذي يعتبر بدوره عاما كارثيا مقارنة بالأعوام التي سبقته وبالأعوام التي سبقت الجفاف.
وقد بلغت كميات الحبوب المجمعة خلال الموسم الحالي 2023 ما يقارب 2.7 مليون قنطار مقابل 7.5 مليون قنطار خلال موسم العام الماضي، وتوزعت هذه الكميات على 2.5 مليون قنطار من القمح الصلب، و60 ألف قنطار من القمح اللين، و4600 قنطار من الشعير. وهي كميات لا تحقق الاكتفاء الذاتي من الحبوب وتبقى دون المأمول والمنتظر ويضطر البلد بسبب ضعفها إلى التوريد من روسيا وأوكرانيا وبأسعار مرتفعة تساهم في عجز الميزان التجاري وتجعل احتياطي البلد من العملة الصعبة في تراجع وهو ما يؤثر سلبا على سعر صرف الدينار التونسي.
تراجع لافت
أما في ما يتعلق بزيت الزيتون، الذي تتنافس تونس مع إسبانيا وإيطاليا على المرتبة الأولى عالميا في إنتاجه وتصديره وتحتل سنويا إحدى المراتب الثلاثة الأولى في إطار المنافسة مع الثنائي المذكور، فإن إنتاجه تراجع بدوره في السنوات الأخيرة بسبب الجفاف للسنوات السبع العجاف. فحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة التونسية فقد تراجع إنتاج زيت الزيتون خلال الموسم الزراعي 2022/ 2023 بنسبة 25 في المئة مقارنة بالموسم الذي سبقه وهو ما أثر سلبا على الاستهلاك المحلي لهذه المادة الحيوية في غذاء التونسيين.
لكن ومقابل هذا التراجع في الإنتاج وفي استهلاك التونسيين فإن المداخيل المتأتية من تصدير زيت الزيتون عرفت زيادة لافتة خلال الأشهر الستة الممتدة من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 إلى حدود شهر نيسان/ابريل 2023 وذلك بعد تصدير كميات قدرت بـ 115 ألف طن. فقد حققت تونس خلال هذه الفترة أرباحا قدرت بـ1800 مليون دينار تونسي أي بزيادة بـ 31 في المئة مقارنة بنفس الفترة من الموسم الزراعي السابق والذي كان بدوره موسما جافا لم تتهاطل فيه الأمطار بالكميات المعتادة.
ويرجع البعض هذه الزيادة في الأرباح، إلى ارتفاع الأسعار العالمية لزيت الزيتون بقرابة 50 في المئة وذلك بعد تراجع إنتاج منافسي تونس أيضا على غرار إسبانيا وإيطاليا وبدرجة أقل تركيا واليونان وآخرين. ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن منافسي تونس يصدرون زيتهم معلبا ويشيرون فيه إلى مكان إنتاجه ويجنون أرباحا طائلة من وراء عملية التصدير. في حين ما زال 90 في المئة من صادرات تونس من هذه المادة يباع خاما ويعاد تعليبه في بلدان أخرى تضع عليه ختمها وتنسبه لنفسها، وهو ما يجعل التونسيين لا يحققون الأرباح المرجوة ولا يثمنون منتوجهم.
قلق وانزعاج
وتعاني الزراعات السقوية بدورها من نقص المياه وهو ما جعل تونس تلجأ إلى استيراد بعض الأنواع من الخضر التي غزت الأسواق في السنوات الأخيرة وخلقت حالة من القلق والانزعاج في صفوف المستهلك التونسي الذي اعتاد على الإنتاج المحلي. ومرد هذا الانزعاج هو الجهل بمصدر المياه التي تم سقي هذه الخضر بها، باعتبار أن هناك بلدانا تستعمل المياه الآسنة التي يعاد تنظيفها وتطهيرها، بالإضافة إلى عدم معرفة المواد الكيميائية والأسمدة التي تمت إضافتها إلى هذه الخضر أثناء فترة نموها وحتى قبل ذلك عند تجهيز الأرض للغراسة أو البذر.
كما أن غياب المنتوجات الزراعية التونسية من الأسواق مقابل وجود منتوجات آتية من بلدان أخرى يخلق شعورا عاما بالأسى وخشية على ضياع مكاسب الدولة التي كانت في وقت ما قادرة على تأمين حاجياتها الغذائية من إنتاجها المحلي. فالتونسيون في عمومهم لا يتقبلون فكرة تحولهم إلى مجرد سوق استهلاكية ويذهب بعضهم حتى إلى وضع ذلك في خانة المؤامرات الخارجية التي تستهدف تحويل تونس إلى سوق لمنتوجات بعض الأشقاء والأصدقاء الذين اخترقوا البلاد في السنوات الأخيرة.
ضرورة التأقلم
ويقول الصحافي الاقتصادي جمال البرقاوي لـ«القدس العربي» إن الجفاف الذي تعاني منه تونس جعل أصواتا عديدة تنادي بضرورة وضع خريطة زراعية جديدة تتماشى مع المناخ الجديد وتتأقلم مع ظاهرة الاحتباس الحراري والمتغيرات التي يعرفها الكوكب الأزرق. وعلى هذا الأساس يتم التخلي على عديد المنتوجات الزراعية التي تستهلك كميات كبيرة من الماء واستبدالها بمنتوجات أخرى لا تستهلك الكثير من الماء ويتم إنتاجها بكميات هامة من أجل التصدير، وبمداخيلها يتم استيراد المنتوجات الزراعية المستهلكة للماء.
كما يدعو محدثنا إلى تغيير العادات الغذائية وعدم استهلاك بعض المنتوجات الزراعية التي تتطلب عملية إنتاجها كميات كبيرة من الماء مثل الطماطم والبطيخ والبرتقال وغيره، وذلك رغم أهمية هذه المنتوجات في العادات الغذائية التونسية وفي عديد الأكلات التي تنتسب إلى الموروث التونسي وتراثه اللامادي. فالتأقلم مع الطبيعة ضروري لاستمرار الحياة على الكوكب الأزرق باعتبار أن أغلب المختصين يؤكدون على أن هذا الجفاف لن يقتصر على بضع سنوات وإنما سيتواصل باعتبار وأن هناك تغيرات مناخية كبرى يشهدها كوكب الأرض بفعل عبث يد الإنسان المخربة».