الجنيّة التي هجرت بيتها وشيدت وطناً يُشبهها!

حجم الخط
0

خمسون سنة تمر منذ أن احتشد أناس في حفل زفاف، للإصغاء إلى صوت مُراهقة لم تتعد السابعة عشرة من عمرها، في قرية اشتراكية جنب مدينة (سعيدة) غرب الجزائر، ابتنتها الدولة بغرض تثبيت الفلاحين في أمكنتهم، وعدم هجر أراضيهم. كان الفلاحون يقضون يومهم في حقولهم، ومساءً يرفّهون عن أنفسهم بسماع أغانٍ بدوية، حيث يختلط الشعر الملحون بالقصبة والبندير، وضيفة تلك السهرة لم يكن يعرفها أحد، اسم مجهول وجديد، لا أحد كان يعرف قصتها أيضاً، أنها متزوجة، في زمن شاع فيه تزويج القاصرات، وأنها فرت من البيت وبعلها يبحث عنها، وأنها لم تأت للغناء رغبة منها، بل فقط تكسباً لبعض المال تعين به نفسها ويدرأ عنها الحاجة، انطلق صوتها الأقرب إلى الميزو- سوبرانو، تغشاه بحة، مثل من ملأت حلقها غضباً، فازداد تعداد المُستمعين لها، لم يكن صوتها مألوفاً، بل مقبلاً من أعماق التراث الوهراني، كما لو أنها خرجت من جبة واحدة من الشيخات، سيدات البدوي في غرب البلاد، قضت ليلتها في الغناء دون أن تعلم أنها تدشن سيرة جديدة لها، أنها ستتخلص من جلد الطفلة وتصير المغنية، نجمة السهرات التي ستتولى في قرى ومدن مُجاورة، تصير الاسم الأكثر طلباً في الحفلات العائلية، استعانت بأرشيف القدامى في الغناء، يُرافقها دائماً «براح» يلقي قصائد شعبية، في لحظات توقفها عن الغناء واستعادة أنفاسها، جاءت إلى تلك القرية يومها تحمل اسم فاطنة مباركي، لكن لم تلبث أن صارت «الجنيّة» بعد أن سجلت أولى أغنياتها، ثم الشيخة الجنيّة، ارتقت بسرعة سلم المراتب، وصارت في المقام الأول، جنيّة موسيقى البدوي، ثم جنيّة موسيقى الراي، في الذكرى الخمسين من بدايتها في الغناء، نتذكر سيرتها التي تتقاطع مع سيرة بلدها، الاثنان يتشابهان، في انتصاراتهما وفي خساراتهما أيضاً.

1954.. ثورتان

عام 1954 ولدت ثورة من أجل الاستقلال، وفي العام نفسه وُلدت فاطنة مباركي، من محاسن الصدف أن يتزامن ميلادها مع ميلاد ثورة، بينما هناك من يحرر أرضاً، اشتغلت هي على تحرير صوت المرأة، على إحالتها من الصمت إلى الصخب، من الظل إلى النور، وفي بداية السبعينيات بينما النظام يتفاخر بأنه حقق مساواة بين المواطنين، متكئاً على اشتراكية استثنائية، فالاشتراكية الجزائرية لم تشبه مثيلاتها في دول شرقية، كانت اشتراكية مطعمة بتعاليم الدين، في ذلك الوقت كسرت فاطنة جدار الصمت، وناقضت الرواية الرسمية، فرت من بيت بعلها، كي تثبت أن المرأة لم تنل حقها، ما تزال في قبضة الرجل، أباً أو أخاً أكبر، كلاهما يلعب دور الولي، ويزوجها بأول شخص يتقدم إليها، بغض النظر عن سنها.

مع مطلع الألفية تفقد الشيخة حبيبها والرجل الذي رافقها كل حين، زوجها الشيخ زواوي «طبيب جراحها» الذي كان براحاً أيضاً، ككل عاشقة، لم يطل بها المقام، التحقت به، ماتت اشتياقاً للرجل ووفاءً للحب عام 2004

في السبعينيات بينما الإذاعة والتلفزيون لا يبثان سوى أغانٍ قومية، غارقة في الحماسة وفي التكرار، التجأت تلك الفتاة (وقد تلبست لقب الجنيّة) إلى موسيقى محظورة، إلى البدوي الذي لم يكن معترفاً به، كانت مستمعة لأم كلثوم، تحلم بحياة مثل تلك السيدة المصرية، لكنها في الغناء آثرت سبيل معلمتها الشيخة الريميتي، التي كانت ممنوعة من الظهور في الحفلات الرسمية مثلها. فحين كانت الجزائر تناصر حركات تحررية في جنوب افريقيا وغينيا والرأس الأخضر وأمريكا، حركات محظورة في بلدانها الأصلية، وتستضيف مغنين غير مرغوب فيهم في أوطانهم، أغمضت في تلك الأثناء عينيها عن فئة مهمشة في البلد، فئة مغنيي البدوي (الذي سوف تخرج من رحمه موسيقى الراي) مثلما أغمضت عينيها وقتها عن كل من كان يغني بلسان أمازيغي، مع ذلك فإن الجنيّة لم تبال، جعلت من الهامش جمهوراً لها، من الفلاحين والمنبوذين والتائهين في الأرض كلهم كانوا لا يلتئمون في مكان واحد سوى للاستماع إليها. منتصف الثمانينات من القرن الماضي، بدأ الناس يشعرون بأن تغيراً سيحصل، لاسيما بعد تراجع سعر البترول، ثم تفاقم حركات الغضب في دول المعسكر الشرقي، التقطت الجنيّة تلك الإشارة وبادرت إلى تغيير طريقها، تركت الغناء البدوي وانزاحت إلى الراي، تخلت عن السهرات في الفضاءات المفتوحة، وصارت تشارك في حفلات غير رسمية، في الداخل وفي الخارج، ثم احتكت بنجوم الراي الشبابي وقتها، بعدما كانت ثنائياتها تقتصر على التعامل مع «براح» صارت أخيراً تتعامل مع مغنين من جيل يصغرها سناً، لكنه ينافسها شهرة. في عشرية التسعينيات، بينما لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، والبلد يغرق في العنف الإسلاموي الدامي، لم يخمد صوت الجنيّة، لم تغادر أرضها كما فعلت أخريات، استماتت في المقاومة، المقاومة كونها امرأة والمرأة ـ في حد ذاتها ـ من أعداء الظلاميين، ومن كونها مغنية تصدح بأغاني العشق والولع والشوق، مع مطلع الألفية تفقد الشيخة حبيبها والرجل الذي رافقها كل حين، زوجها الشيخ زواوي «طبيب جراحها» الذي كان براحاً أيضاً، ككل عاشقة، لم يطل بها المقام، التحقت به، ماتت اشتياقاً للرجل ووفاءً للحب عام 2004، توفيت ذات فاتح إبريل/نيسان، كما لو أن رحيلها لم يكن سوى كذبة سمجة، لأن صوتها لم يخمد بعد أن وارى التراب بدنها.

صعوبة التصنيف

أين نصنف موسيقى الشيخة الجنيّة؟ من السهل القول إنها كانت تؤدي البدوي، وهو نمط غنائي اشتهر في الغرب الجزائري، مع الحد الأدنى من آلات موسيقية، وتركيز على الكلمات المستوحاة من الشعر الملحون، لكنه لم يمثل سوى المرحلة الافتتاحية من سيرتها، قبل أن تنحاز إلى موجة الراي السبعيني، لم يكن راياً مثلما هو متعارف عليه اليوم، بل كان أقرب إلى ما يمكن تسميته «تراب ـ راي» أو «بوب ـ راي» وهو لون فني لم يحظ بنصيب في الإعلام، فحين وجهت الكاميرات إلى الراي، نهاية الثمانينيات، ورفع عنه الحظر، اكتشف الناس الجالسون على آرائك في بيوتهم، جيل الشباب حينها، من أمثال الشاب خالد، وهو جيل خرج من رحم سابقيه، على غرار الجنيّة، فبينما تمر خمسون سنة من بدء مغامرتها الغنائية، وهي التي فرّت من بيتها وخلفت بلداً تصدح فيه أغانيها اليوم، نتذكر أن موسيقى الراي لا تحتمل سوى صيغة المؤنث، رغم أن الشهرة أصابت الرجال وحدهم، فإن عجينة تلك الموسيقى صنعتها نسوة، والشيخة الجنية واحدة منهن.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية