الحراك… من تطاوين إلى الحسيمة

حجم الخط
4

ليس من السهل دائما، فك طلاسم الحركات الاحتجاجية الشعبية التي عرفتها عدة مناطق في الدول المغاربية، كما يحصل منذ شهور في الحسيمة شمال المغرب وما حصل قبله في تطاوين جنوب تونس وقبل ذلك في عدة مناطق من العمق الجزائري، كانت قد عرفت، أحداثا مشابهة، تخللها عنف ومشادات أخذت منحى هوياتي في بعض الأحيان.
سننطلق من هذه الخلفية لفك طلاسم هذا الحراك المطلبي، للقول باننا امام عمق امازيغي في كل الحالات المذكورة. عمق يميز هذه المناطق التي تملك تراثا مطلبيا قديما، يفسر هذا الحراك الاجتماعي المطلبي، كما هو حالة الريف على سبيل المثال. تراث مطلبي كانت وراءه نخب سياسية، فكرية واجتماعية متجذرة محليا، تم التعبير عنه، في تناغم كبير مع الطرح السياسي السائد وطنيا، قبل استقلال هذه البلدان.
تراث مطلبي تواصل خلال فترة ما بعد ظهور الدولة الاستقلال التي تبنت نمط التسيير اليعقوبي المركزي الفرنسي للدولة، في بلدان شاسعة ومتنوعة على الصعيد الثقافي واللغوي والجغرافي، ساد فيها منطق الكيل بمكيالين، بين بلاد سيبة، غير نافعة ومهملة وبلاد مخزن مقربة ومفيدة، ليس في المغرب فقط الذي ظهرت فيه المفاهيم، بل في كل البلاد المغاربية ولو بدرجات متفاوتة.
تاريخ الحركات الاجتماعية المطلبية في البلدان المغاربية، يخبرنا ان هذه الحركات كانت في الأصل بنت المجال الحضري المتمثل في المدن الكبرى كالدار البيضاء والجزائر وقفصة، كما ظهر في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي في ارتباط واضح بقوى عصرية، مثًلها عالم الشغل والجامعة وعبرت عنها تنظيمات عصرية كالحزب والنقابة.
توسعت هذه الحركات الاجتماعية المطلبية في العقدين الأخيرين، لتشمل المناطق الريفية، وشبه الريفية، بما ظهر فيها من مدن صغيرة ومتوسطة، على هامش المركز، كما هو حال الحسيمة وتطاوين وسيدي بوزيد وورقلة، معلنة على دخول بلاد السيبة في طرح سؤال علاقتها بالمركز ومخزنه، في ظل الدولة الوطنية ونخبها التي ترفض بقوة طرح أي سؤال يعيد النظر في مصالحها ومواقعها، بما يفرضه من إعادة توزيع للثروة والجاه، في علاقته بالتسيير المحلي للإقليم. كما يمكن استشفافه، من كل هذه الحركات المطلبية التي ذكرنا بعضها.
فأبناء الريف كما هو حال سكان تطاوين بتونس وورقلة أو غرداية بالجزائر، يريدون حقهم في التنمية وفي تسيير الشأن العام، بما يفرضه من حضور في مراكز القرار، بعد ان تعلموا وخرجوا للتعرف على العالم، كما توضحه، صور المظاهرات المؤيدة للحراك، في بروكسل ولاهاي. مطلب المشاركة السياسية، ليس عندما يتعلق الأمر بمناطقهم المنكوبة فقط، التي لازالت تسير من قبل المركز البعيد جغرافيا ورمزيا. بل كذلك عندما يتعلق الأمر بالتسيير على المستوى الوطني، بما يفترضه من قوة وجاه، كانت غائبة لمدة طويلة لدى أبناء هذه المناطق.
فالسائد حتى الآن لدى هذا الحراك المطلبي في كل دول المنطقة، هو السقف الوطني، الذي يملك في أحيان كثيرة بعدا مغاربيا، تساعد عليه الفكرة الامازيغية ذاتها. فكرة يمكن ان تكون عامل توحيد أكثر لهذه البلدان وطنيا ومغاربيا وليس عامل شرذمة، كما هو حال بعض الحركات المطلبية الاجتماعية او المناطقية، في جهات أخرى من العالم العربي.
لا يمنعنا هذا من القول، ان هذه الحركات المطلبية تتسم، بشمولية وتعقيد كبيرين، على أكثر من مستوى، فالتعقيد والكلية حاضرة، عندما يتعلق الأمر بحواملها الاجتماعية المتعددة، عكس ما كان معروفا سابقا، عندما كنا امام حامل واحد بخصائص طبقية اجتماعية محددة، كالعمال والطلبة. فنحن امام مجتمع محلي كلي، يطالب بمختلف فئاته الاجتماعية، مع دور خاص للشباب داخل هذه الحركات. نفس الشمولية التي نجدها عندما يتعلق الأمر بالمطالب، فهي كلية تدمج السياسي بالاقتصادي والثقافي، تولف فيه، بين المادي المحسوس والرمزي التاريخي. وهو نفس الوضع عندما يتعلق الأمر بأشكال التعبير ومؤسساته التي أكد الحزب السياسي مرة أخرى، غيابه عنها. لتظهر الجمعية أكثر وبعض الروابط العائلية وتلك العلاقات المبنية على أواصر اللحظة الجيلية والعيش المشترك، في هذه المدن الصغيرة والمتوسطة المريفَة، التي لم تقطع كل صلاتها بمحيطها الجهوي، كما فعلت المدينة الكبيرة.
من أهم التحديات التي تواجه هذا الحراك الاجتماعي الذي تعيشه البلدان المغاربية، على شكل موجات تنتقل من منطقة لأخرى كل مرة، هو كيف يتم ادماج النخب التي ينتجها هذا الحراك داخل النسيج المحلي والوطني السياسي. فالحراك يملك قدرة كبيرة على انتاج وجوه جديدة في كل موجة، من الجنسين في بعض الحالات، كما هو حاصل في الحسيمة هذه الأيام. وجوه تعبر عنه، تظهر بسرعة وتختفي بسرعة أكبر. دون تراكم جيلي كبير حتى الآن. سؤال آخر يتعلق بقدرة هذا الحراك، على تحقيق ولو جزء من مطالبه، حتى لا تحترق قياداته وتتجذر مطالبه.
حراك مازال في اطاره الوطني حتى الآن، لكنه يمكن ان ينتكس إلى مستوى ما قبل الوطني، كما يريد له أعداؤه. فالمجال الوطني لازال لحد الآن هو السقف، لكن من يدري؟ وأخيرا، ما هي قدرة استماع نخب المخزن، في البلدان الثلاثة والتنازلات التي يمكن ان تقدمها لهذا الحراك الشعبي، الذي لازال يصر على السلمية.
تنازلات يجب أن تمر حتما، عبر إعادة النظر في منطق التسيير اليعقوبي للدولة الوطنية، الذي فطمت عليه النخب الحاكمة. تنازلات يجب ان تفضي كهدف إذا ارادت ان تكون في اتجاه التاريخ وليس ضده، إلى القضاء على الشروط المادية الموضوعية والذاتية المرتبطة بالمخيال السياسي العام، التي ضمنت حتى الآن انتاج وإعادة انتاج عالم السيبة، الذي لم يعد مقبولا من قبل الأجيال الجديدة، كما تم قبوله من أجيال قديمة في الماضي… عادت رموزها السياسية التي انتجتها، في موجات حراك قديمة بقوة، إلى ساحات الحسيمة وتطاوين، فهل من مستمع؟

٭ كاتب جزائري

الحراك… من تطاوين إلى الحسيمة

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية