الحرب على غزّة والحياة الموازية

سمير القضاة
حجم الخط
0

لقد وضعت هذه الحرب الهمجية كل شيء في نصابه الصحيح، حتى الأشياء الرديئة أو المخجلة صنّفت في الفهرس الخاص بالرداءة، وإن تكن المواقف من المعتدى عليه والمعتدي هي الأهم، فإن هناك الكثير من الأشياء التي يجب أن تناقش تحت بند الحرب، وهي متعلقة هنا بالحياة الموازية التي يعيشها العرب، في ظل استمرار حياتهم بنفس النسق السابق، مضافاً إليها الكثير من الإرهاق النفسي الناجم عن حجم الدمار والشهداء. وهو شيءٌ اعتادوا عليه مع مرور الأيام والشهور بالرغم من الشعار الذي تم تداوله منذ بدايات هذه المقتَلة والذي حمل عنوان «لا تعتادوا المشهد»، ولكن المتابعة الحثيثة والتفصيلية لما يجري صار حالة تشبه النشرة الجوية التي تبث في أوقات العواصف الثلجية.
مَن كان حقاً ينتظر أن تتوقف الحياة لعام كامل؟ وهو زمن لم يتوقعه أكثر الناس تشاؤماً؟ لقد بدأ الأمر بحالة مماثلة لصدمة العائلة عند تلقّيها خبر إصابة أحد أفرادها بالسرطان، حيث تتوقف حياتهم وأعمالهم، ويبدأون بمرافقته للمشفى، ومتابعة تفاصيل تحليلاته المخبرية وصور الأشعة الخاصة به ساعة بساعة. ثم عندما يبدأ بتلقي العلاج الكيميائي، يتعوّد الجميع، ثم يقومون بقطع إجازاتهم، والعودة تدريجيا لحياتهم المعتادة، حتى الأغاني التي كانوا قد امتنعوا عن رفع صوتها في سياراتهم، تعود لتطربهم من جديد في طريقهم للعمل أو البيت.
جاء موعد كأس آسيا لكرة القدم في بدايات الحرب، وحضرت الفرق العربية المتأهلة جميعها، بشقيها التي تصنف نفسها في محور الاعتدال أو التي تصنف نفسها في محور الممانعة، وحضر الفريق الفلسطيني وكذلك الإيراني، الجماهير اليابانية والكورية والأسترالية التي ملأت المدرجات، نسيت تماماً أن هنالك حرباً، وهي ليست أولوية عندها على أية حال. أما الجمهور العربي فقد كرّسها ـ أعني الحرب – كركن أساسي في حياته الموازية، فرفع الأعلام الفلسطينية ولبس الكوفيات، وكذلك فعل اللاعبون خلال المباريات، وهكذا يكون مجموع الناس قد فعلوا كل ما في وسعهم وأزاحوا عن صدورهم عذاب الضمير.
بينما يتجمع الناس في غزة بمدارس الأونروا والمستشفيات للاحتماء من قذائف الإجرام، وحيث تحولوا هناك إلى أهداف أكثر سهولة تفتح شهية الطيارين القَتَلَة لارتكاب مجازر أكبر، يتجمع أشقاؤهم في ملاعب ضخمة، بعشرات الآلاف، لتشجيع منتخباتهم الوطنية. ومن يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، يظن أن الحرب الأهم هي موقعة الأردن والعراق في ستاد جذع النخلة البصريّ، أو البصراوي حسب الدارجة العراقية. لقد نسي الناس تماماً أن الشهداء في فلسطين ولبنان قد وصل تعدادهم إلى عدد يشابه الجمهور المحتشد في ذلك الملعب، ودخلوا في سجالات ساخنة تجاوزت كافة الخطوط القومية الحمراء، ولكن لا بأس في ذلك، فجماهير الجانبين وجدوا الحل في حياتهم الموازية، إذ يكفي رفع أعلام فلسطينية هنا وهناك لإراحة أو إزاحة الضمير جانباً، إلى حين الانتهاء من التسعين دقيقة الأهم، شأنهم في ذلك شأن الذين يبدأون الدعوات إلى حفلات زفاف أبنائهم بعبارة: عذراً غزة، فما أقمنا حفلنا هذا إلا إنفاذاً لسنّة نبينا، ثم يبدأ الطبل والزمر والرقص، وما يتخلله من دبكات وطنية وأغانٍ تمجد فلسطين ولبنان والشهداء، الذين لم تجف دماؤهم بعد.
يغضب الشارع العربي من مهرجانات فنية تقام هنا وهناك، ويستنكرونها بأشد العبارات وأقذع الشتائم، وهم أنفسهم من اعتبروا حفلات الزفاف أو التخرج الآنفة الذكر مباحةً ولا بأس في حدوثها، كونها حفلات خاصة، ولو أنها تقام في فنادق وقاعات عامة.
يبدو أن الحالة النفسية للإنسان العربي تعيش ذهاناً تاريخياً ابتدأ مع الانتداب البريطاني والفرنسي على بلادنا، وتوطد مع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وهو تشوُّهٌ نفسي تسبب به هذا الصراع المرير والمديد عبر سبعة عقود، حيث حوّل الأقطار العربية إلى معسكرات أو ثكنات تفتقر لأدنى معايير الحرية والحياة الديمقراطية، وساهم في تشكيل حياتين متوازيتين تعيشهما الدول والمجتمعات، الحياة الطبيعية التي تتعلق بمتطلبات الإنسان، والأخرى المتوهمة التي تعتقد بأنها مسؤولة عن تحرير فلسطين السليبة، من دون القيام بأي عمل حقيقي لتحقيق هذا الحلم والمتطلَّب القومي والديني.
يقوم الرجل بتطليق زوجته، ثم يواظب في البداية على الالتقاء بأولاده من الزواج، ويحاول إبداء اهتمام كبير بمتطلباتهم، ومع مرور الشهور والسنوات، يتفرغ لحياته الخاصة، يتزوج زواجاً ثانياً وينجب أبناء جُدداً، ويكرّس دخله ومصروفاته للإنفاق على الأسرة الجديدة. وهذا هو بالضبط ما حصل مع الحكومات والشعوب العربية فيما يخص فلسطين، إذ أننا وصلنا اليوم إلى حالة رسمية تتحدث علناً عن مصالح قُطرية للدول قد تتعارض مع فكرة مناصرة القضية الفلسطينية أو حتى العداء مع الكيان الصهيوني المحتل، وهي حالة – لو تخطت الموقف الرسمي إلى المزاج الشعبي – لأصبحت انفلاتاً يتعدّى حالة الحياة الموازية التي تدّعي الانخراط في مشروع تحرير فلسطين وإنشاء دولتها المستقلة، إلى حياة تتحلّل من المسؤولية تجاه هذا المشروع، والانسحاب من نظرية أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية جمعاء.
يعيش الإنسان العربي تحديات كبرى، اقتصادية وتنموية وصحية، ويرزح عشرات الملايين من الشباب تحت سوط الجهل والفقر والبطالة والإحباط والتخطيط للهجرة، مما جعل الشعارات القديمة حول التضامن العربي وتحرير فلسطين مجرد كليشيهات إعلامية لا قيمة لها في الواقع، وهو شيء تأكّد للمتابعين خلال هذه الحرب الإجرامية، وقد شاهد المواطنون مواقف حكوماتهم التي تراوحت بين الصمت أو التواطؤ عن جرائم غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية