«الحرب في الشرق» رواية المصري زين عبد الهادي: شهادات سردية عن ذاكرة الطفولة والمدينة

صابر رشدي
حجم الخط
0

بعد توقف لسنوات طويلة، يعود الكاتب الروائي وأستاذ علم المكتبات بجامعة حلوان بالقاهرة، د. زين عبد الهادي، إلى عالم الرواية مجددا، بعد ان قدم للمكتبة العربية، من قبل، عددا من الأعمال: «المواسم» 1995، «التساهيل في نزع الهلاهيل» 2003، «مرح الفئران» 2006، «دماء أبوللو» 2007، و«أسد قصر النيل» 2011. منتقلا في هذه المرة إلى عالم مختلف، بالغ الثراء، معتمداً تقنيات وتكتيكات سردية مختلفة في روايته الأخيرة «الحرب في الشرق».
في هذه الرواية، يقوم الكاتب، منذ اللحظة الأولى، بوضع قارئه على تخوم المعنى، كشريك أساسي، مضيئا أبواب النص، حتى لا يتركه يتخبط في العماء، مبتعدا عن الخطاب المضمر، والرسالة المرجوة. يقول في المفتتح:
إهداء إلى بورسعيد.
«تعبير No Man’s Land يعني المنطقة المحرمة التي تكون بين فريقين متحاربين» هذه الرواية تقف في المنطقة المحرمة التي يغطيها الخوف والشك، ومن أجل 60 مليونا في الحرب العالمية الثانية، ومن أجل 120 ألف مصري زهقت أرواحهم في شق قناة السويس، وآلاف في حرب اليمن في الستينيات، وأكثر من 100 ألف مصري في عام 1967 وعام 1973، ومن أجل شهداء مدينة بورسعيد الصغيرة، مدينة عموم القناة. بوابة الشرق. المدينة التي عانت من كل من أحبَّها ومِمنْ لم يحبها».
إنها إطلالة على المحلي والكوني، على الحروب التي يعاني منها الجميع، شرقاً وغرباً، عن ضحاياها، والزعامات الكاريزمية. عن تاريخ مشحون بالمآسي؛ راح ضحيته آلاف المصريين في العصر الحديث. عن بورسعيد، في مديحها ومحبتها، مرصودة بعين الطفولة.
يبدأ الفتى في التذكر: «الشتاء في بورسعيد له مذاق مختلف عن شتاءات العالم». ثم يمضي في الوصف متجولاً في الأماكن المحيطة به، حتى يصل إلى داخل بيت الأسرة: صورة ملونة نادرة لعبد الناصر، صورة للأم وحدها، وصورة للأب وحده. ثم صورة الزفاف لهما، وصورة أخرى للراوي، هو وأشقائه. فونوغراف ذهبي يصدح بأغنيات من اليونان وأمريكا وبريطانيا وإيطاليا، إلى جانب عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان ومحمد فوزي. يتذكر أيضاً، مفاخراً، أسطوانة للموسيقار اليوناني العالمي والمناضل ميكيس تيودوراكيس بعنوان «هيليكون» صادرة عام 1952، كان يستمع إليها والده ويرقص على أنغامها حين يشتد حنينه إلى الثورة. كانت هدية من بائع يوناني جار لهم.
منذ البداية، ينجح في رسم لوحات تسمح للأشياء بالتجسد والظهور، ليدركها الآخرون. في روايات المدن لا تستطيع أن تضرب صفحاً عن متابعة التفاصيل، خاصة لو كانت عن موقع له هذا الوضع الكوزموبوليتاني كبورسعيد، التي تضم جنسيات من جميع أنحاء العالم. إنها مرفأ على البحر المتوسط، ومدخل قناة السويس إلى البحر الأحمر، ومقر الشركة الشهيرة التي دارت حولها الصراعات والأطماع الإمبريالية، قناة السويس، كنز مصر المحسود منذ اليوم الأول لظهورها على الخريطة، كأحد أهم المواقع الاستراتيجية عالمياً. من الغريب أن تسمى كل المعارك التي دارت فوق أرض مدينة بورسعيد بـ«حروب السويس»، لكنه التاريخ حين يكتبه المنتصرون. مكان لا يعرف الخمود لحظة، أو الانطفاء، معتمداً على الإثارة السياسية في أقصى درجاتها كل فترة زمنية، بما يؤثر ويصل مداه إلى أرجاء المعمورة. مدينة تطفو فوق نسق من الرموز، فهى رهينة الجغرافيا والتاريخ، منذ إنشائها، رفقة حفر القناة. أحداث مكثفة، ومياه كثيرة لا تتوقف عن الجريان على طول الشريان المائي الخطير: ديون، استعمار، ثورة، تأميم، عدوان، مقاومة، هزيمة، تهجير، شتات، انتصار. ثم عودة مبتورة…
إن الحرص على حشد كثير من الحوادث يأتي ملازماً لدقة ذاكرة الطفولة التي لا تعرف الانمحاء، حيث الصور تُختزن داخل تلافيف المخ، لا تبارحه، وتفتح أبوابها السرية لمن يريد أن ينهل من هذا الفضاء، الذي يسمح بالعودة إلى الماضي، إلى الوقائع المدخرة؛ التي توفر في النهاية كتابة بضمير المتكلم الذي يفضله الكُتاب، عندما يريدون وضع أنفسهم تحت مجهر قارئ يفحص بدقة غير اعتيادية، ويفتش فيما بين السطور، فهو بصدد وقائع نسبة الحقائق فيها مرتفعة، ومشوقة، لا تتوافر في كثير من الأعمال. فالراوي يعي دور السيرة الذاتية في كتاباته، يعي أنه يجلس على كرسي الاعتراف، لا بد أن يلقي ببعض الأشياء كي يرضي فضول متلقٍ متحفز للمفاجآت وينتظر المزيد.
«في عمر الحادية عشرة، أعلنت لكل زملائي في الفصل بأني أكرههم، وأكره القاهرة، وتلك الأماكن الحمقاء، أكره ألوانهم وطعامهم، وكل شيء فيهم، أكره لهجتهم، أكره رائحتهم». ما الذي حدث بعد هذا الإعلان الصريح؟ يواصل: «هكذا كنت معزولاً، أخبروا المدرس الأول والثاني والثالث والرابع والأخير لأنال كل حصة ضربتين على يدي، أو صفعة على وجهي، ونعوتاً بأني مغفل وأحمق، وليطاردني الصبية من الفصل في حوش المدرسة، أسقط وتتسخ ملابسي، يشاهدونني ضاحكين، وينعتونني بالمجنون. أقفز من سور المدرسة، وأركض لستي وأمي باكياً، بكلمات قليلة ونفس متقطع يحاولون فهم ما حدث».
على الوتيرة نفسها يستكمل: «مرّ يومان دون أن أذهب للمدرسة، شعرت براحة هائلة وعدت للرسم ومراقبة العصافير من النافذة». ثم راح يصنع طائرة ورقية ويصعد بها إلى السطح. إنه يسعى إلى الانطلاق. إلى الطيران. ربما كان هذا سر تعلقه بالطائرات والعصافير. يهبط من العلية مرة أخرى؛ فطائرته الملونة لا تحلق في سماء القاهرة، الهواء غير كاف لدفعها، لكن طائرات أخرى تمرح فيها في أي وقت. وتنشر الذعر والإحباط.
تاريخياً، لو دققنا في هذه الفترة سنجد أنها الفترة التي تلت حرب 1967، حيث تم تهجير سكان ثلاث مدن: بورسعيد، إسماعيلية، والسويس، وتوزيعهم على أقاليم الجمهورية. إنه زمن الشتات، والغربة، الاقتلاع من المنشأ، مسقط الرأس، ومهوى القلب. الوقوع تحت وطأة النظرات العدائية، أو المشفقة، لا فرق، فكلاهما مذل. قطع تيار التاريخ بالمدافع ولعلعة الرصاص، صناعة فجوة زمكانية لدى الراوي، ظل موجوعاً منها حتى السطر الأخير، يتألم وينزف، ويقاوم هذا الوجع بالأدب والموسيقى والسينما. بالبدائل الإنسانية الجميلة، لينتشل نفسه من هذا الوضع التعس، وإن كانت هذه الفنون، على الجانب الآخر، تعمق الإدراك والوعي، وتجعل النسيان أمراً مستحيلاً. إنه يشعر أن هناك ثمة أخطاء كارثية دفعت بهم إلى هذه الوضعية. أخطاء السياسيين وألعابهم الخطرة.
« كان واضحاً تماماً أنني مصاب بصدمة ما، ولكن الفقر لا يكافئ أمثالنا من المهجرين الذين لا يملكون شيئاً». يعترف، ويتذكر بأسى ما جرى. ألم يقل تشيخوف: «إن أولى علامات الشيخوخة أن تتحول من إنسان يحلم إلى إنسان يتذكر»؟ الكتابة الحقيقية تجيء، أحيانا، من لحظات الضيق، بعيدة عن سلطة الرقيب الإرادي، إنها حصيلة المشاعر المتناقضة، واستبطان الداخل، حتى لو كانت تعتمد على لحظات منكودة، وذكريات قاسية.
«في الصباح أخذني أبي من يدي، وتحدث معي في الطريق. كان الطريق ممتلئاً بالبشر، والصراخ، دخل مكتب الناظرة وحدثها طويلاً، تفهمت المرأة الأمر، ونادت على وكيلتها التي سحبتني من يدي وأجلستني في فصل آخر، وحيداً في دكة، ونبهت على الأولاد أن لا يحتك أحد بي». لكنه لم ير في هؤلاء الأولاد من يصلح زميلا، أو حتى رفيق طريق. لقد استغرق زمناً طويلاً كي يمحو كراهيته، لكن الأحداث ظلت حاضرة دوماً، وجعلت مشاعره مع القاهرة وأهلها مشوبة بعدم التسامح.
من الفصول الدالة، والأكثر تلخيصاً لما جرى، هو ما كتبه زين عبد الهادي تحت عنوان: «الهدية. القاهرة. حرب الاستنزاف 18 يوليو 1969» عندما رصد الطفل ذو الأحد عشر ربيعاً صوراً بالغة القتامة. أصوات المدافع. دقات الأحذية العسكرية. نوافذ البيوت المطلية باللون الأزرق تحسباً لغارات العدوان. إطفاء الأنوار من الخامسة. قرار إغلاق المدارس والسينمات. اختفاء النساء الجميلات المتشحات بالملاءات اللف. تحريم الشواطئ وكرة القدم. اختفاء المطر. لينزف الطفل بعدها:
«أعقب ذلك الهجرة القسرية التي تمت دون أي تخطيط، ضربت العشوائية والفوضى كل شيء، تركنا أرواحنا وأجسادنا خلفنا، أدواتنا وأشياءنا الصغيرة، أحلامنا التي كنا بالكاد بدأنا في تشكيلها. وتم إجبارنا على حياة هامشية عشنا فيها على ما قل من الطعام، كسرات خبز، ملح، أقراص طعمية صلبة، صحن فول بلا زيت لم تنضج حباته. أطعمة كنت أعافها وأضطر في النهاية إلى ابتلاعها ابتلاعاً. حتى الماء رائحته وطعمه مختلفان.. سكن رديء وملابس رثة وأحلام يقتلها كل شيء في المدن والقرى والنجوع التي كنا ننتقل بينها».
يصور أيضا في هذا الفصل النزوح المأساوي على عربات الكارو، تحت شمس يوليو الحارقة. ويسترسل على نحو مؤلم في رسم صورة متكاملة للعذاب الإنساني المرير.
المشاهد تترى، تتواصل، على مدى الصفحات، استحضار الماضي، ثم العودة إلى الحاضر، كسر الخط الزمني، بقفزات لا تهدأ، الاستفادة من تقنيات الرواية الجديدة، والتناقضات النظرية، تارة يكون هناك فصل يمثل قصة قصيرة متكاملة، تارة يكون مشهد يمثل دلالة معينة، تارة أخرى لوحة مرسومة بعناية لحدث جرى بالفعل، ثم الاستعاضة بالخيال لاستكمال الجوانب الناقصة، ردم الفجوات الزمنية. سرد تلعب فيه العائلة دوراً محورياً، كشريحة نموذجية لقطاع كبير من البشر، عاين مثل هذه اللحظات على نحو أقل، أو أكثر، وغيرت هذه المقادير مسيرة حياتهم، عبر تمرير الأحداث من خلالهم، وعبر معاناتهم التراجيدية.
لقد تناول أدب الحرب الكثير مما دار على جبهات القتال، كتبه المبدعون الذين شاركوا في هذه الحروب. لكن انعكاسات الحرب وتداعياتها، وشتات أهالي مدن القناة لم تنل حقها الكافي من الرصد والتسجيل، فهذا الجانب المؤثر للضحايا الذين دفعوا فاتورة الحروب ما زال غامضاً، لم يأخذ حقه بعد. حاول زين عبد الهادي القبض على اللقطات الدالة، مبتعداً قدر الإمكان عن تكديس الحقائق التاريخية، تاركاً للسياق السردي نوعاً من الظلال، مهيمناً، لا يُرى، كتب بذاكرة شخصية، بتمثيل ذاتي، معبراً عن هوية جمعية، مقدماً شهادة تخضع للفحص الأدبي، لا التاريخي، رغم استعانتها بحوادثه. فالرواية لا تخضع لترتيب الحقائق، وانسيابية التسلسل الزمني قدر حاجتها لسلطة الإقناع، والاعتماد على قارئ يتنقل بين الفصول في تحولها المستمر، مستكملاً معه المساحات الخالية، رابطاً بين هذه الوحدات لإعطاء النص معناه الكامل، فكل شيء معلق، وموقوف، ورهن تفاعل القارئ الواعي. في النهاية، نحن أمام رواية مكونة من قطع موزاييك مختلفة، شكلت جدارية تستطيع أن تطلق عليها «رواية شهادة» فهذا هو التوصيف الأدق لها، والأقرب من وجهة نظري، والذي استنتجته فور الانتهاء من قراءتها.
زين عبد الهادي: «الحرب في الشرق»
مؤسسة بتانة، القاهرة 2022
156 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية